الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > حكم الأذان
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 10 دقيقة قراءةقالَ السُّهَيليُّ: الحِكمةُ في إعلامِ النَّاسِ به على غيرِ لِسانِه ﷺ التَّنويهُ بقَدرِه والرَّفعِ لِذكرِه بلِسانِ غيرِه، فيَكونُ أقوى لِأمرِه وأفخَمَ لِشَأنِه.
قالَ الحافِظُ: وهذا حَسَنٌ بَديعٌ، ويُؤخَذُ منه عدمُ الاكتِفاءِ برُؤيا عَبد اللهِ ابنِ زَيدٍ (١).
حكمُ الأذانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الأذانِ، هل هو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؟ أو فَرضٌ على الكِفايةِ؟
فذَهب الحَنابلَةُ في المَذهبِ وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ وبعضُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ -وقيلَ: هو المَشهورُ- إلى أنَّ الأذانَ فَرضُ كِفايةٍ، على أهلِ كلِّ بَلَدٍ، فإن تَركُوه أثِموا، وقُوتِلوا عليه، إنِ امتنَعوا عن فِعلِه. وإن فعلَه أحَدُهم سقطَ عن سائرِهم.
وذَهب الحَنفيَّةُ في الصَّحِيحِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ الأذانَ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ يَأثَمُ تاركُها.
وعلى كِلا القولَينِ لو أنَّ قَومًا صَلوا بغيرِ أذانٍ صحَّت صَلاتُهم وأثِموا؛ لمُخالفتِهم السُّنةَ، وأمرِ النَّبيِّ ﷺ.
وقيلَ: هو فَرضُ كِفايةٍ في الجمُعةِ، سُنَّةٌ في غيرِها، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ
(١) «فتح الباري» (٢/ ٧٩).
والحَنابلَةِ؛ لأنَّه دُعاءٌ لِلجَماعةِ، والجَماعةُ واجِبةٌ في الجمُعةِ (١).
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الأذانِ والإقامةِ، فأمَّا مالِكٌ وأصحابُه فإنَّ الأذانَ عندَهم إنَّما يجبُ في المَساجِدِ لِلجَمَاعاتِ، حيثُ يَجتَمِعُ النَّاسُ، وقد نصَّ على ذلك مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ، واختَلفَ المُتأَخِّرونَ مِنْ أصحابِه على قولَينِ:
أحَدُهما: سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ واجِبةٌ على الكِفايةِ في المِصرِ، وما جَرى مَجَرى المِصرِ مِنْ القُرى.
وقالَ بَعضُهم: هو فَرضٌ على الكِفايةِ.
وكذلك اختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ وحَكى الطَّبريُّ عن مالِكٍ قالَ: إن تركَ أهلُ مِصرٍ الأذانَ عامِدينَ أعادوا الصَّلاةَ.
قالَ أبو عمرَ: ولا أعلَمُ اختِلافًا في وُجوبِ الأذانِ جُملةً على أهلِ المِصرِ؛ لأنَّ الأذانَ هو العَلامةُ الدَّالَّةُ المُفرِّقةُ بينَ دارِ الإسلامِ ودارِ الكُفرِ، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا بعَثَ سَريَّةً قالَ لهم: «إذا سَمِعتُمُ الأذانَ فأمسِكوا وكُفُّوا، وإن لم تَسمَعوا الأذانَ فأغيروا، أو قال: فشُنُّوا الغارَةَ»، وفي
(١) «الدُّرُّ المختار» (١/ ٣٨٤)، و «الهداية» (١/ ٤١)، و «الكافي» (١/ ٣٧)، و «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٨٧)، و «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٣١، ٢٣٢) رقم (١٥١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٢٨)، و «الفواكه الدواني» (١/ ١٧٢)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «تحبير المُختصر» (١/ ٢٣٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٦٦)، و «المجموع» (٤/ ١٢٤، ١٣٤)، و «كفاية الأخيار» (١٥٥)، و «المُغنى» (١/ ٥٢٤)، و «الإنصاف» (١/ ٤٠٦)، و «الإفصاح» (١/ ١٢٩).
صَحِيحِ مُسلِمٍ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُغيرُ إذا طلَع الفَجرُ، فإن سمِع أذانًا أمسَكَ، وإلا أغارَ» الحَديثَ.
وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ والأوزاعيُّ وداودُ: الأذانُ فَرضٌ، ولم يَقولوا على الكِفايةِ.
وقال الطَّبريُّ: الأذانُ سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ، وذكرَ عن أشهَبَ عن مالِكِ: إن تركَ الأذانَ مُسافِرٌ عَمدًا فعليه إعادةُ الصَّلاةِ، وكَرِهَ الكُوفيُّونَ أن يُصلِّيَ المُسافِرُ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قالوا: وأمَّا ساكِنُ المِصرِ فيُستحبُّ له أن يُؤذِّنَ ويُقيمَ، فإنِ استَجزَأَ بأذانِ الناسِ وإقامَتِهم أجزَأَه، وقالَ الثَّوريُّ: تُجزِئُه الإقامةُ عن الأذانِ في السَّفرِ، وإن شِئتَ أذَّنتَ وأقَمتَ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يُؤذِّنُ المُسافِرُ على حَديثِ مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ.
وقالَ داودُ: الأذانُ واجِبٌ على كلِّ مُسافِرٍ في خاصَّتِه، والإقامةُ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ولِصاحِبِه: «إذا كُنتُما في سَفرٍ فأذِّنا وأقيما، وليَؤُمَّكُمَا أكبَرُكُما» خرَجه البُخاريُّ، وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: ثَبت أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لِمالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ولابنِ عَمٍّ له: «إذا سافَرتُما فأذِّنا وأقيما، وليَؤُمَّكُما أكبَرُكما». قالَ ابنُ المُنذرِ: فالأذانُ والإقامةُ واجِبانِ على كلِّ جَماعةٍ في الحَضرِ والسَّفرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالأذانِ، وأمرُه على الوُجوبِ.
قالَ أبو عمرَ: واتَّفق الشافِعيُّ وأبو حَنيفَةَ وأصحابُهما والثَّوريُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ والطَّبريُّ على أنَّ المُسافِرَ إذا تركَ الأذانَ عامِدًا أو
ناسيًا أجزَأَته صَلاتُه، وكذلك لو تركَ الإقامةَ عندَهم، وهم أشَدُّ كَراهَةً لِتَركِه الإقامةَ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ في أنَّ الأذانَ غيرُ واجِبٍ، وليس فَرضًا مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ بسُقوطِ الأذانِ لِلواحدِ عندَ الجَمعِ بعَرفةَ والمُزدَلِفةِ، وتَحصيلُ مَذهبِ مالِكٍ في الأذانِ في السَّفرِ كالشافِعيِّ سَواءٌ (١).
وقالُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: الصَّحِيحُ أنَّ الأذانَ فَرضٌ على الكِفايةِ؛ فليس لِأهلِ مَدينةٍ ولا قَريةٍ أن يَدعُوا الأذانَ والإقامةَ، وهذا هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أحمدَ وغيرِه.
وقد أطلَقَ طَوائفُ مِنْ العُلماءِ أنَّه سُنَّةٌ، ثم مِنْ هؤلاءِ مَنْ يَقولُ: إنَّه إذا اتَّفق أهلُ بَلَدٍ على تَركِه قُوتِلوا، والنِّزاعُ مع هؤلاءِ قَريبٌ مِنْ النِّزاعِ اللَّفظيِّ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ العُلماءِ يُطلِقُ القولَ بالسُّنةِ على ما يُذمُّ تاركُه شَرعًا، ويُعاقَبُ تاركُه شَرعًا؛ فالنِّزاعُ بينَ هذا وبينَ مَنْ يَقولُ: إنَّه واجِبٌ، نِزاعٌ لَفظيٌّ؛ ولهذا نَظائِرُ مُتعَدِّدةٌ.
وأمَّا مَنْ زَعمَ أنَّه سُنَّةٌ لا إثم على تاركِيهِ ولا عُقوبةَ فهذا القولُ خَطَأٌ، فإنَّ الأذانَ هو شِعارُ دارِ الإسلامِ، الذي ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعلِّقُ استِحلالَ أهلِ الدَّارِ بتَركِه، فكانَ يُصلِّي الصُّبحَ ثم يَنظرُ، فإن سمِع مُؤذِّنًا لم يُغِر، وإلا أغارَ، وفي السُّننِ لِأبي داودَ والنسائيِّ عن أبي الدَّرداءِ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مِنْ ثَلاثةٍ في
(١) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٢٥، ٢٢٦).
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.