الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 27 دقيقة قراءةالقولَينِ إن تركَها سَهوًا ولم يُمكِن تَلافيها بطَلت تلك الرَّكعةُ، وإن أمكَنَ تَلافيها وتَلافاها صحَّت، وإن لم يَتلافاها أو تُرِكت عَمدًا بطَلتِ الصَّلاةُ كلُّها، والتَّفصيلُ الذي ذكرَه المُؤلِّفُ في التَّوضيحِ عن ابنِ رُشدٍ مع طُولِه ضَعيفٌ، والمُعَوَّلُ عليه قولُه، وبتَركِ رُكنٍ، وطالَ، وبَنَى إن لم يسلِّم ولم يَعقِد رُكوعًا، ورَجعَتِ الثانيةُ أَولَى ببُطلانِها لِفَذٍّ، وإمامٍ، إلخ، وقولُه: أو الجُلِّ، أي: وتُسَنُّ في الأقَلِّ، لكِن لا كحُكمِ السُّننِ، فإن تركَها عَمدًا بطَلت صَلاتُه باتِّفاقِ كُلٍّ مِنْ القولَينِ؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ شُهِرت فَرضيَّتُها، وإن تركَهَا سَهوًا سجدَ قبلَ السَّلامِ، فإن لم يَسجُد بطَلت صَلاتُه، وإن لم يكن عن ثَلاثِ سُنَنٍ؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ شُهِرت فَرضيَّتُها، وقالَ التَّتائِيُّ: وفُهِمَ مِنْ قولِه: «الجُلِّ»، أنَّ المَتروكَ منها القِراءةُ، ثُلاثيَّةً أو رُباعيَّةً، وأنه لو تَرَكها في رَكعةٍ مِنْ ثُنائيَّةٍ، أو في اثنَتَينِ مِنْ رُباعيَّةٍ لم يكنِ الحكمُ كذلك، على أنَّه حَكى ابنُ عَطاءِ اللهِ في تَوضيحِه في ذلك قولَينِ، أشهَرُهما: يَتمادَى ويَسجُدُ قبلَ السَّلامِ، ويُعيدُ، وهو مَذهبُ المُدَوَّنةِ، وثانيهما لِأصبَغَ، وابنِ عَبد الحَكَمِ: يُلغي ما تركَ منه قِراءةَ الفاتِحةِ ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ. انتَهى، لكنَّ الذي في التَّوضيحِ أنَّه يَتمَادَى ويَسجُدُ قبلَ السَّلامِ، ويُعيدُ احتِياطًا» (١).
قِراءةُ المَأمومِ الفاتِحةَ خلفَ الإمامِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ المَأمومَ إذا أدرَكَ الإمامَ راكِعًا فإنَّه يَحمِلُ عنه القِراءةَ؛ لاتِّفاقِهم على سُقوطِ القِراءةِ عنه برُكوعِ الإمامِ.
وأمَّا إذا أدرَكَه قائِمًا فهل يَقرأُ خلفَه، أو تَكفيه قِراءةُ الإمامِ؟
(١) «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «تحبير المُختصر» (١/ ٢٨٧).
اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك على أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: وُجوبُ قِراءةِ الفاتِحةِ خلفَ الإمامِ، سَواءٌ كانَتِ الصَّلاةُ سِريَّةً أو جَهريَّةً، وهو مَذهبُ الشافِعيَّةِ، واستدَلُّوا على ذلك: بعُمومِ قولِه ﷺ: «لا صَلاة لِمَنْ لم يَقرأ بِفَاتِحَةِ الكتابِ» (١). قالوا: فهذا عامٌّ يَشمَلُ الإمامَ والمَأمُومَ، سَواءٌ كانَتِ الصَّلاةُ سرِّيَّةً أو جَهريَّةً، فمَن لم يَقرأ بفاتِحةِ الكتابِ لم تَصحَّ صَلاتُه.
وبحَديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ في صَلاةِ الفَجرِ، فَقرأَ رَسولُ اللهِ ﷺ فَثَقُلَت عليه القِراءَةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: «لَعلَّكُم تَقرَؤُونَ خلفَ إِمَامِكُم؟» قُلنا: نَعم، هَذًّا يا رَسولَ اللهِ. قالَ: «لَا تَفعَلُوا، إلا بِفَاتِحَةِ الكتابِ؛ فإنَّه لَا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ بها» (٢). ولأنَّ مَنْ لزِمه قِيامُ القِراءةِ لزِمه القِراءةُ مع القُدرةِ، كالإمامِ والمُنفرِدِ.
وبحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ صلَّى صَلاةً لم يَقرأ فيها بِأُمِّ القُرآنِ فهي خِدَاجٌ … » ثَلاثًا، فقيلَ لِأبي هُريرةَ: وإنا نَكونُ وَراءَ الإمامِ. فقالَ: اقرَأ بها في نَفسِكَ (٣).
وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فإنَّما أُمِرنا بالإنصاتِ عن الكَلامِ وما لا يَجوزُ في الصَّلاةِ.
(١) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٨٢٣)، والتِّرمذي مختصرًا (٢٤٧)، وقال: حسن صحيح، والبَيهَقي في «الكبرى» (٢/ ١٦٥).
(٣) رواه مسلم (٣٩٥).
القولُ الثاني: أنَّ الصَّلاةَ إذا كانَت سرِّيَّةً قرأَ خلفَ الإمامِ، وإذا كانَت جَهريَّةً لا يَقرأُ، وهو مَذهبُ الحَنابلَةِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: إن سمِع في صَلاةِ الجَهرِ لم يَقرأ، وإن لم يَسمَع قرأَ.
والحُجَّةُ لِهذا القولِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذا عندَ أهلِ العِلمِ عندَ سَماعِ القُرآنِ في الصَّلاةِ، لا يختلِفونَ أنَّ هذا الخِطابَ نزلَ في هذا المَعنى دونَ غيرِه.
قالَ الإمامُ أحمدُ: أجمعَ النَّاسُ على أنَّ هذه الآيَةَ في الصَّلاةِ.
ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يَكونُ إلا في صَلاةِ الجَهرِ؛ لأنَّ السِّرَّ لا يُستَمَعُ إليه.
وفي حَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ انصَرفَ مِنْ صَلاةٍ، فقالَ: «هل قرأَ مَعِيَ أَحدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟» فقالَ رَجلٌ: نَعم يا رَسولَ اللهِ. قالَ: «إنِّي أَقُولُ: ما لي أُنَازَعُ القُرآنَ»، قالَ: فَانتَهى النَّاسُ عن القِراءَةِ مع رَسولِ اللهِ ﷺ فِيمَا جهرَ فيه النَّبيُّ ﷺ بالقِراءَةِ مِنْ الصَّلواتِ حين سَمِعُوا ذلك مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأيضًا: فإنَّه إجماعٌ، قالَ أحمدُ: ما سَمِعنا أحَدًا من أهلِ الإسلامِ يَقولُ: إنَّ الإمامَ إذا جهرَ بالقِراءةِ لا تُجزِئُ صَلاةُ مَنْ خلفَه إذا لم يَقرأ، وقالَ هذا النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه والتَّابِعونَ، وهذا مالِكٌ في أهلِ الحِجازِ، وهذا الثَّورِيُّ في أهلِ العِراقِ، وهذا الأوزاعِيُّ في أهلِ الشَّامِ، وهذا اللَّيثُ في أهلِ مِصرَ، ما قالوا لِرَجلٍ صلَّى وقرأَ إمامُه ولم يَقرأ هو: صَلاتُه
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٨٤٨).
باطِلةٌ، ولأنَّها قِراءةٌ لا تَجِبُ على المَسبوقِ، فلم تَجِب على غيرِه، كالسُّورةِ.
قالَ أبو داودَ: قيلَ لِلإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه: فإنَّه -يَعني المَأمومَ- قرأَ بفاتِحةِ الكتابِ، ثم سمِع قِراءةَ الإمامِ. قالَ: يَقطعُ إذا سمِع قِراءةَ الإمامِ، ويُنصِتُ لِلقِراءةِ. وإنَّما قالَ ذلك اتِّباعًا لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ: «وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا» (١).
القولُ الثالِثُ: أنَّه لا يَقرأُ في الجَهريَّةِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ، ولو لم يَسمَع قِراءَةَ الإمامِ، ويَقرأُ في السِّريَّةِ استِحبابًا، وهو مَذهبُ المالِكيَّةِ.
نقلَ القُرطُبيُّ عن مالِكٍ: أنَّه لا يَقرأُ في الجَهريةِ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ خلفَ الإمامِ، وأمَّا في السِّريَّةِ فيَقرأُ بفاتِحةِ الكتابِ، فإن تركَ قِراءتَها فقد أساءَ، ولا شَيءَ عليه (٢).
قالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: وفي إجماعِ أهلِ العِلمِ على أنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، لم يَرد في كلِّ مَوضِعٍ يُسمَعُ فيه القُرآنُ، وإنَّما أرادَ الصَّلاةَ، فهو أوضَحُ الدَّلائِلِ على أنَّه لا يَقرأُ مع الإمامِ فيما جهرَ فيه، ويَشهَدُ لِهذا قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ: «وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا» (٣).
(١) «المغني» (٢/ ١١٧، ١١٩)، و «الإفصاح» (١/ ١٦٢، ١٦٣)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٤٥١).
(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ١١٨، ١١٩)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢١٩).
(٣) رواه مسلم (٤٠٤)، وانظر: «الاستذكار» (١/ ٤٦٥، ٤٦٦).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَرفةَ: لا تَلزَمُ الفاتِحُة مَأمومًا، خِلافًا لابنِ العَربيِّ في السِّريَّةِ ولا يَقرؤُها في جَهريَّةٍ، ولو لم يَسمَع قِراءةَ الإمامِ، خِلافًا لابنِ نافِعٍ (١).
وقالَ بَهرامٌ الدَّمِيريُّ: قولُه: (على إمامٍ وفَذٍّ) يُريدُ: أنَّ المَأمومَ لا يُطالَبُ بالقِراءةِ إلا استِحبابًا في السِّريَّةِ (٢).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: فَرضُ القِراءةِ ساقِطٌ عن المَأمومِ، خِلافًا لِلشافِعيِّ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وفي وُجوبِ الإنصاتِ مَنعُ كلِّ شاغِلٍ عنه، ولقولِه ﷺ: «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا، وإذا قرأَ فأَنصِتُوا»، ففيه أدلَّةٌ:
أحَدُها: أمرُه بالإنصاتِ، وذلك يَنفي وُجوبَ القِراءةِ.
الثاني: أنَّه قَصد تَعليمَ ما يَلزمُه أن يَفعلَه خلفَ الإمامِ، ولم يَذكُرِ القِراءةَ.
والثَّالثُ: أنَّه بينَ ما يَفعلُ المَأمُومُ فيه مثلَ فِعلِ الإمامِ، وما مِنْ حقِّه أن يَفعلَ فيه بخِلافِ فِعلِه. وفي القولِ بأنَّ على المَأمومِ أن يَقرأَ إبطالٌ لِمَوضِعِ التَّفرِقةِ.
ولقولِه: «مَنْ كانَ له إِمَامٌ فَقِراءَةُ الإِمَامِ له قِراءَةٌ» (٣).
(١) «التاج والإكليل» (١/ ١٩٧).
(٢) «تحبير المختصر» (١/ ٢٨٥).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٨٥٠).
ورَوى عَبد اللهِ بنُ شَدَّادٍ «أنَّ رَجلًا قرأَ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ وآخَرُ يَنهاهُ، فلمَّا انصَرفَ قالَ له: إنَّ قراءَةَ الإمامِ لكَ قِراءةٌ».
ورَوى أبو الدَّرداءِ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ: أفي كلِّ صَلاةٍ قِراءةٌ؟ قالَ: «نَعم». فقالَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ: وجبَت هذه. فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما أرَى الإمَامَ إذا أمَّ القَومَ إلا قد كفَاهُم» (١).
ورَوى أبو قِلابةَ أنَّه ﷺ قالَ: «هل تَقرَؤُونَ خلفَ إمامِكُم؟»، قالَ بعضٌ: نَعم، وقالَ بَعضٌ: لا. فقالَ: «إن كُنْتُمْ لا بدَّ فاعِلِينَ فليَقرأ أحَدُكم فاتِحَةَ الكتابِ في نَفسِهِ» (٢).
ففيه أدلَّةٌ: أحَدُها: لم يُنكِر على مَنْ قالَ: لا. والثاني: أنَّه قالَ: «إن كُنْتُمْ لا بدَّ فاعِلينَ»، وهذا لا يُقالُ في الواجِبِ، وإنَّما يُقالُ فيما تَركُه أَولَى مِنْ فِعلِه. والثَّالثُ: أنَّه أمرَه أن يَقرأَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في نَفسِهِ، وهو يَتضَمَّنُ النَّهيَ عن التَّلَفُّظِ بها.
ولقولِه: «كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتِحةِ الكتابِ فهي خِداجٌ، إلا وَراءَ الإمامِ» (٣)، ولأنَّها حالُ ائتِمامٍ، كما لو أدرَكَه راكِعًا.
ولأنَّ ذلك لو كانَ واجِبًا على المَأمومِ لم يسقُط عنه بحالٍ، كالإمامِ والمُنفرِدِ، فلمَّا سَقَطت عنه حالَ الرُّكوعِ، دلَّ على أنَّها غيرُ واجِبةٍ.
(فَصلٌ): إذا قرأَ حالَ جَهرِ الإمامِ، كُرِهَ ذلك، ولم تبطُل صَلاتُه، خِلافًا لِبعضِهم؛ لأنَّ القِراءةَ خلفَ الإمامِ لا تُبطِلُ صَلاةَ المَأمومِ، كحالِ الإسرارِ (٤).
(١) صَحِيحٌ مَوقوفًا: رواه النسائي (٩٢٣)، وأحمد (٢٧٥٧٠).
(٢) رواه ابن أبي شَيبة في «مصنفه» (٣٧٥٧).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٣٥٠، ٣٥١).
(٤) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٦٢، ٢٦٥) رقم (١٨١، ١٨٢).
القولُ الرَّابعُ: أنَّ المَأمومَ لا يَقرأُ خلفَ الإمامِ، لا في السِّريَّةِ ولا في الجَهريَّةِ، ولا يُسنُّ له القِراءةُ خلفَ الإمامِ بحالٍ، وهو قولُ الحَنفيَّةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فهذه الآيةُ تَقتَضي وُجوبَ الاستِماعِ والإنصاتِ عندَ قِراءةِ القُرآنِ في الصَّلاةِ وغيرِها، فإن قامَت دِلالةٌ على جَوازِ تَركِ الاستِماعِ والإنصاتِ في غيرِها لم يَبطُل حكمُ دِلالَتِه في إيجابِه ذلك فيها، وكما دلَّتِ الآيَةُ على النَّهيِ عن القِراءةِ خلفَ الإمامِ فيما يَجهَرُ به، فهي دِلالةٌ على النَّهيِ فيما يُخفِي؛ لأنَّه أوجَبَ الاستِماعَ والإنصاتَ، عندَ قِراءةِ القُرآنِ، ولم يُشترَطَ فيه حالُ الجَهرِ مِنْ الإخفاءِ، فإذا جهرَ فعلينا الاستِماعُ والإنصاتُ، وإذا أخفَى فعلَينا الإنصاتُ بحُكمِ اللَّفظِ؛ لِعِلمِنا به قارِئًا لِلقُرآنِ.
وقالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ صلَّى خلفَ إمامٍ، فإنَّ قِراءَةَ الإمامِ قِراءةٌ له» (١). وهو يَشمَلُ السِّريَّةَ والجَهريَّةَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما جُعل الإِمَامُ لِيُؤتمَّ بِه؛ فإذا كبَّر فَكَبِّرُوا، وإذا قرأَ فَأَنصِتُوا».
ولِما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صَلاةَ الظُّهرِ، أوِ العَصرِ، فقالَ: «أَيُّكُم قرأَ خَلفِي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟» فقالَ رَجلٌ: أنا، ولَم أُرِد بها إلا الخَيرَ. قالَ: «قد عَلِمتُ أنَّ بَعضَكُم خَالَجَنِيهَا» (٢). أي: نازَعَنِيها، وهذا يدلُّ على إنكارِ القِراءةِ في صَلاةٍ سِريَّةٍ، ففي الجَهريَّةِ أَولَى.
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٨٥٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ١٥٩).
(٢) رواه مسلم (٣٩٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك)
(بَابُ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِقَوْمٍ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَجَاءَ قَوْمٌ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ يَنْوُونَ الْعَصْرَ أَجْزَأَتْهُمُ الصَّلَاةُ جَمِيعًا وَقَدْ أَدَّى كُلٌّ فَرْضَهُ وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ هِيَ لَهُ نَافِلَةٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ الْقُنُوتَ ثُمَّ يَعْتَدُّ بِهَا مِنَ الْعَتَمَةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَبَنَى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَتَمَةِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَإِذَا جَازَ أَنْ يَأْتَمَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً فَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً وَفَرِيضَةً وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ لِلْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمُفْتَرِضِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُفْتَرِضِ، فِي فَرْضَيْنِ مِثْلَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، مِثْلُ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ، أَوِ الْعَصْرُ خَلْفَ الظُّهْرِ، وَهَذَا أَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان مقام الإمام والمأموم
وَالْأَقْرَأُ أَوَرَعُ مِنْهُ - فَالْأَعْلَمُ أَوْلَى، إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ الْأَقْرَأَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ أَعْلَمَ لِتَلَقِّيهِمْ الْقُرْآنَ بِمَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ، فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مَاهِرًا فِي الْقُرْآنِ وَلَا حَظَّ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ، فَكَانَ الْأَعْلَمُ أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ فَأَوْرَعُهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّةَ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ إلَى الْوَرَعِ أَشَدُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ أَقْدَمَهُمْ هِجْرَةً فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فَرِيضَةً يَوْمئِذٍ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، فَيُقَدَّمُ الْأَوْرَعُ لِتَحْصُلَ بِهِ الْهِجْرَةُ عَنْ الْمَعَاصِي، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْوَرَعِ فَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَأَكْبَرَهُمْ سِنًّا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْكُبْرَ الْكُبْرَ» فَإِنْ، كَانُوا فِيهِ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ بَابِ الْفَضِيلَةِ، وَمَبْنَى الْإِمَامَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِيهِ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا؛ لِأَنَّ رَغْبَةَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ أَكْثَرُ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ - فِي الْحَدِيثِ - أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا أَيْ أَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً بِالْأُمُورِ، يُقَالُ: وَجْهُ هَذَا الْأَمْرِ كَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ، كَمَا جَاءَ فِي…
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.