رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام للركعة الثالثة

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام للركعة الثالثة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 14 دقيقة قراءة

رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام للركعة الثالثة - الأقوال والأدلة

وقد صرَّح الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ بأنَّه يُسنُّ لِلمُصلِّي بعدَ التَّحيَّةِ أن يَقولَ: مِلءَ السَّماواتِ ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما شِئتَ مِنْ شَيءٍ بَعدُ؛ لمَا رَوى عَبد اللهِ بنُ أبي أوفَى قالَ: كانَ النَّبيُّ إذا رفعَ ظَهرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قالَ: «سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمدُ مِلءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلءَ الأرضِ وَمِلءَ ما شِئتَ مِنْ شَيءٍ بَعدُ» (١). وله أن يَزيدَ: «أَهلَ الثَّنَاءِ وَالمَجدِ، أَحقُّ ما قالَ العَبدُ، وَكلُّنَا لكَ عَبدٌ، اللَّهمَّ لَا مَانِعَ لمَا أَعطَيتَ، ولا مُعطِيَ لمَا مَنَعتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» (٢).

١٣ - رَفعُ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه والقيامِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه، وعندَ القيامِ مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ، بعدَ اتِّفاقِهم على استِحبابِه عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ.

فاتَّفق الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ على مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه، وأنَّه مِنْ سُننِ الصَّلاةِ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفعَ يَديهِ حتى يُحَاذِيَ مَنكِبَيهِ، وَقبلَ أَنْ يَركَعَ، وإذا رفعَ مِنْ الرُّكُوعِ، ولا يَرفَعُهُمَا بينَ السَّجدتَينِ» (٣).

(١) رواه مسلم (٤٧٦).
(٢) رواه مسلم (٤٧٧).
(٣) رواه البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٣٩٠).

وعن أبي قِلابَةَ أنَّه رَأى مالِكَ بنَ الحُوَيرِثِ إذا صلَّى كبَّر ورفعَ يَديهِ، وإذا أرادَ أن يَركَعَ رفعَ يَديهِ، وإذا رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفعَ يَديهِ، وحَدَّثَ أنَّ رَسولَ اللهِ صَنَعَ هكذا (١).

وقالَ الحَسنُ وحُمَيدُ بنُ هِلالٍ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ يَرفَعونَ أيديَهم، وقالَ البُخاريُّ: يُروَى هذا الرَّفعُ عن سَبعَةَ عَشَرَ نَفسًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ . فذكرَهم ثم قالَ: ولم يثبُت عن أحَدٍ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ أنَّه لم يَرفَع يَديه.

وقالَ السُّيوطيُّ: الرَّفعُ ثابِتٌ عن النَّبيِّ مِنْ رِوايةِ خَمسينَ صَحابِيًّا.

وذَهب الشافِعيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُستحبُّ رَفعُ اليَدينِ عندَ القيامِ مِنْ التشهُّدِ لِلرَّكعةِ الثَّالثةِ؛ لمَا رَوى نافِعٌ أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما كانَ إذا دخلَ في الصَّلاةِ كبَّر ورفعَ يَديهِ، وإذا رَكَعَ رفعَ يَديه، وإذا قالَ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رفعَ يَديهِ، وإذا قامَ مِنْ الرَّكعتَينِ رفعَ يَديه. ورفعَ ذلك ابنُ عمرَ إلى نَبيِّ اللهِ (٢).

وذَهب الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى عدمِ الرَّفعِ، قالَ في الإنصافِ: وهو المَذهبُ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كَثيرٌ منهم (٣).

(١) رواه البخاري (٧٠٤).
(٢) رواه البخاري (٧٠٦).
(٣) «المجموع» (٣/ ٣٥٥)، و «مُغني المحتاج» (١/ ١٦٤)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٤٦٣)، و «شرح مسلم» (٤/ ٨٥)، و «كفاية الأخيار» (١٥٨)، و «فتاوى ابن تيمية» (٢٢/ ٤٥٢، ٤٥٣)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٤٦، ٣٦٣)، و «المغني» (٢/ ٤٩)، و «الإنصاف» (٢/ ٨٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٨٩).

وذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ عندَهم إلى عدمِ مَشروعيَّةِ رَفعِ اليَدينِ إلا عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، فلا يُشرعُ رَفعُهما عندَ الرُّكوعِ، أو الرَّفعِ منه، أو القيامِ لِلثَّالِثةِ؛ لِحَديثِ البَراءِ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ رفعَ يَديهِ حين افتَتحَ الصَّلاةَ، ثم لم يَرفَعهُمَا حتى انصَرفَ» (١). وعنِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «ألَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلاةَ رَسولِ اللهِ ؟ قالَ: فَصلَّى فلم يَرفَع يَديهِ إلا مرَّةً» (٢) (٣).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا اختِلافُهم في المَواضِعِ التي تُرفَعُ فيها فذَهب أهلُ الكُوفةِ -أبو حَنيفَةَ وسُفيانُ الثَّورِيُّ وسائِرُ فُقهائِهم- إلى أنَّه لا يَرفَعُ المُصلِّي يَديه إلا عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ فَقط، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ.

وذَهب الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو عُبَيدٍ وأبو ثَورٍ وجُمهورُ أهلِ الحَديثِ، وكذلك أهلُ الظَّاهرِ إلى الرَّفعِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، وعندَ الرُّكوعِ، وعندَ الرَّفعِ مِنْ الرُّكوعِ، وهو مَروِيٌّ عن مالِكٍ، إلا أنَّه عندَ بعضِ أولئك فَرضٌ، وعندَ مالِكٍ سُنَّةٌ، وذَهب بَعضُ أهلِ الحَديثِ إلى رَفعِها عندَ السُّجودِ وعندَ الرَّفعِ منه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه أبو داود (٧٥٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه أبو داود (٧٤٨)، والتِّرمذي (٢٥٧)، والنسائي (١٠٥٨).
(٣) يُنظر: «معاني الآثار» (٢/ ٥٢، ٥٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٢٠)، و «البحر الرائق» (١/ ٣٤١)، و «التَّمهيد» (١٩/ ٢٥٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢١٦)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٢٤٧).

والسَّببُ في هذا الاختِلافِ كلِّه اختِلافُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، ومُخالَفةُ عمَلِ أهلِ المَدينةِ بعضِهم لِبَعضٍ، وذلك أنَّ في ذلك أحادِيثَ، منها حَديثُ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ، وحَديثُ البَراءِ بنِ عازِبٍ: «أنَّه كانَ عليه الصلاة والسلام يَرفَعُ يَديه عندَ الإحرامِ مرَّةً واحدةً لا يَزيدُ عليها».

وحَديثٌ آخَرُ عن سالِمِ بنِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ عن أبيه: «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ إذا افتَتحَ الصَّلاةَ رفعَ يَديهِ حَذوَ مَنكِبَيهِ، وإذا رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفعَهما أيضًا كذلك، وقالَ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا ولكَ الحَمدُ، وكانَ لا يَفعلُ ذلك في السُّجودِ»، وهو حَديثٌ مُتفقٌ على صحَّتِه، وزَعَموا أنَّه رَوى ذلك عن النَّبيِّ ثَلاثةَ عَشَرَ رَجلًا مِنْ أصحابِه، ومنها حَديثُ وائِلِ بنِ حُجرٍ، وفيه زِيادةٌ على ما في حَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه كانَ يَرفَعُ يَديهِ عندَ السُّجودِ.

فمَن حَمَلَ الرَّفع ههنا على أنَّه نَدبٌ أو فَريضةٌ، فمنهم مَنِ اقتَصرَ به على الإحرامِ فَقط؛ تَرجيحًا لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ، وحَديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ، وهو مَذهبُ مالِكٍ؛ لِمُوافَقةِ العملِ به، ومنهم مَنْ رجَّح حَديثَ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، فَرَأى الرَّفعَ في المَوضِعَينِ، أعني في الرُّكوعِ وفي الافتِتاحِ، لِشُهرَتِه، واتَّفق الجَميعُ عليه، ومَن كانَ رَأيُه مِنْ هؤلاءِ أنَّ الرَّفعَ فَريضةٌ، حَمَلَ ذلك على الفَريضةِ، ومَن كانَ رَأيُه أنَّه نَدبٌ، حَمَلَ ذلك على النَّدبِ.

ومنهم مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ، وقالَ: إنَّه يجبُ أن تُجمعَ هذه الزِّياداتُ بَعضُها إلى بَعضٍ، على ما في حَديثِ وائِلِ بنِ حُجرٍ فإنَّ العُلماءَ ذَهَبوا في هذه الآثارِ مَذَهبينِ: إمَّا مَذَهب التَّرجيحِ وإمَّا مَذَهب الجَمعِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الخامس في قيام رمضان

الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَامٌّ فِي الزَّمَانِ، خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ خَاصٌّ فِي الزَّمَانِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الصَّلَاةِ مِنْ عَامِّهَا رَأَى الرُّكُوعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الزَّمَانِ مِنْ عَامِّهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ.

وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعَارُضِ إِذَا وَقَعَ فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ لَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ الْأَمْرِ الثَّابِتُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ

َ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّبٌ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْهُرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَأَنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا أَيٌّ أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟ - أَعْنِي: الَّتِي كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ فِيهَا: (وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 280 - 283

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر