الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > ج- ستر العورة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 12 دقيقة قراءةوُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ: «لَا تُقبَلُ صَلاةٌ بِغيرِ طُهُورٍ ولا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» رَواه مُسلِمٌ.
قالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: الطَّهارةُ عن الحَدثِ شَرطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا مُجمَعٌ عليه ولا تَصحُّ صَلاةٌ بغيرِ طَهورٍ إمَّا بالماءِ وإمَّا بالتَّيَمُّمِ بشَرطِهِ، سَواءٌ صَلاةُ الفَرضِ والنَّفلِ وصَلاةُ الجِنازةِ وسُجودُ التِّلاوةِ والشُّكرِ، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً (١).
وقالَ ابنُ عَبد البَّرِ رحمة الله عليه: وقد أجمَعوا أنَّ مِنْ شَرطِ الصَّلاةِ طَهارَةُ الثِّيابِ والماءِ والبَدنِ (٢)، وقد سبقَ بَيانُ ذلك في الطَّهارَةِ.
ج- سَترُ العَورةِ:
أَجمعَ العُلماءُ على أنَّ سَترَ العَورةِ فَرضٌ واجِبٌ بالجُملَةِ على الآدَميينَ، وأنَّه لا يَجوزُ لِأحَدٍ أن يُصلِّيَ عُريانًا وهو قادِرٌ على ما يَسترُ به عورَتَه مِنْ الثِّيابِ، وإن لم يَستُر عَورتَه، وكانَ قادِرًا على سَترِها لم تُجزِئهُ صَلاتُه.
واختَلَفوا هل سَترُها شَرطٌ في الصَّلاةِ أو لا؟
فذَهب الجُمهورُ الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابلَةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى أنَّ سَترَ العَورةِ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا
(١) «المجموع» (٣/ ١٣٨).
(٢) «التَّمهيد» (٢٢/ ٢٤٢)، وانظر: «الإفصاح» (١/ ١٣٩).
زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، أَي: عندَ كلِّ صَلاةٍ، ولِما رَوَت عائِشةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (١).
واحتَجوا بالإجماعِ على إفسادِ مَنْ تركَ ثَوبَه وهو قادِرٌ على الاستتار به وصلَّى عُريانًا.
إلَّا أنَّ الإمامَ أبا حَنيفَةَ رحمة الله عليه قالَ: إن ظَهَرَ رُبُعُ العُضوِ -أَيَّ عُضوٍ كانَ، سَواءٌ أكانَ مِنْ العَورةِ المُخفَّفةِ أو المُغلَّظةِ- صحَّت صَلاتُه، وإن زادَ لم يَصحَّ، وقالَ الكَرخِيُّ: إن ظَهرَ مِنْ السَّوأتَينِ قَدرُ دِرهمٍ بطَلت، وإن كانَ أقلَّ لم تبطُل (٢).
وقالَ الإمامُ أَحمدُ رحمة الله عليه: إن ظَهرَ شَيءٌ يَسيرٌ صَحَّت صَلاتُه، سَواءٌ من العَورةِ المُخفَّفةِ أوالمُغلَّظةِ، وإن كانَ كَثيرًا بطَلتِ الصَّلاةُ، ويُفرَّقُ بينَهما ما لم يُعَدَّ في الغالِبِ يَسيرًا (٣).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إنِ انكَشَفَ شَيءٌ مِنْ عَورةِ المُصلِّي لم تَصحَّ صَلاتُه، سَواءٌ أَكَثُرَ المُنكشِفُ أم قَلَّ، وسَواءٌ في هذا الرَّجلُ والمَرأةُ، وسَواءٌ المُصلِّي في حَضرَةِ النَّاسِ والمُصلِّي في الخَلوةِ، وسَواءٌ صَلاةُ النَّفلِ والفَرضِ والجِنازةِ والطَّوافِ وسُجودِ التِّلاوةِ والشُّكرِ؛ لأنَّه ثَبت وُجوبُ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٦٤١)، والتِّرمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥).
(٢) «رد المحتار» (١/ ٤٠٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٨٣)، و «العناية» (١/ ٤٢٤)، و «معاني الآثار» (١/ ٣٧٦، ٣٧٧).
(٣) «الإفصاح» (١/ ١٣٩، ١٥١، ٣١٦)، و «المغني» (٢/ ١٣٠)، و «كشاف القناع» (١/ ٢٦٣).
السَّترِ بحَديثِ عائِشةَ، ولا فَرقَ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ بالاتِّفاقِ، وإذا ثَبتَ السَّترُ اقتَضى جَميعَ العَورةِ فلا يُقبلُ تَخصُّصُ البَعضِ إِلَّا بدَليلٍ ظاهِرٍ (١).
أمَّا المالكِيَّةُ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يجِبُ سَترُ العَورةِ المُغلَّظةِ مع القُدرةِ على السَّترِ، وهو واجِبُ شَرطٍ، فإن لم يَستطِع صلَّى عُريانًا.
وأمَّا غيرُ المُغلَّظةِ فسَترُها واجِبٌ غيرُ شَرطٍ، فإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا عامِدًا كانَ عاصِيًا آثِمًا، إلَّا أنَّ الفَرضَ قَدْ سَقطَ عنه.
والرَّاجحُ أنَّ مَنْ صلَّى مَكشوفَ العَورةِ المُغلَّظةِ ناسِيًا أعادَ أَبدًا وُجوبًا، خِلافًا لمَن جَعلَ النِّسيانَ مُسقِطًا للإعادَةِ.
قالَ القاضِي عَبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: اختَلفَ أصحابُنا في سِترِ العَورةِ في الصَّلاةِ، فمنهم مَنْ يَقولُ: إنَّها مِنْ شُروطِ صحَّتِها معَ الذِّكرِ والقُدرةِ، فإن لم يقدِر عليها صلَّى عُريانًا وأَجزَأَتهُ، وكذلكَ إن نَسيَ، وإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا بأنَّ له مَا يَستُرُها، قادِرًا على ذلكَ، فإنَّ صَلاتَه باطِلَةٌ.
ومنهم مَنْ يَقولُ: إنَّها واجِبةٌ مُفترَضَةٌ ولَيسَت مِنْ شُروطِ الصِّحَةِ، فإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا عامِدًا كانَ عاصِيًا آثِمًا، إلَّا أنَّ الفَرضَ قد سَقطَ عنه.
فَوَجهُ الأَوَّلِ: قولُه تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، قِيلَ: اللِّباسُ في الصَّلاةِ والطَّوافِ، وقولُه ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأَيتُموني أُصَلِّي»، وقد
(١) «المجموع» (٣/ ١٦٩)، و «الإفصاح» (١/ ١٣٩، ١٥١، ٣١٦).
صلَّى بالسُّترةِ، وقولُه ﷺ: «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمارٍ»، والاتِّفاقُ على أَنَّه مَأمورٌ بسَترِ العَورةِ مَحظورٌ عليه كَشفُها في غير الصَّلاةِ، ومُؤكَّدٌ وُجوبُها في الصَّلاةِ، والقولُ بأنَّه ليس مِنْ شُروطِ الصِّحةِ يَنفي ذلكَ.
ووَجهُ الثَّاني: قُولهُ عليه السلام: «لا تَتِمُّ صَلاةُ أحَدِكم حتى يَتوضَّأَ كما أَمرَهُ اللهُ»، إلى أَنْ قالَ: «ثم يَستَقبِلَ القِبلَةَ فيُكبِّرَ»، فأخبَرَ عمَّا تَتِمُّ بهِ الصَّلاةُ، ولم يَذكُر ما تَنازَعناهُ، ولأنَّ صفَةَ الشَّيءِ بأنَّه شَرطٌ في بعضِ العِباداتِ أو فَرضٌ مِنْ فُروضِها يُفيدُ اختِصاصَه به، وأنَّه يجبُ بوُجوبِها، ويسقطُ وُجوبُه بسُقوطِ وُجوبِ ما أُضيفَ إليه، كالوُضوءِ للصَّلاةِ والتَّيمُّمِ والنَّيَّةِ، وكالصَّومِ في الاعتِكافِ والإحِرامِ في الحَجِّ وسائرِ فُروضِ العِباداتِ، ووَجَدنا سَترَ العَورةِ لا يَختَصُّ وُجوبُه بالصَّلاةِ؛ لأنَّه يَلزمُه سَترُها في غيرِها، فعُلم أنَّه ليس مِنْ شَرطِها، ولأنَّ كلَّ ما كانَ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، فلا بدَّ عندَ عدمهِ من بَدلٍ يَقومُ مَقامَه عندَ العَجزِ عنه في أَداءِ العِباداتِ، كالوُضوءِ وغيرِهِ، وفي الاتِّفاقِ على أنَّ مَنْ لم يَجِد ما يَسترُ عَورتهُ، وخافَ ذَهابَ الوقتِ أن يُصلِّيَ عُريانًا، دَليلٌ على أنَّ السُّترةَ ليست مِنْ شُروطِ الصَّلاةِ، ولا يَدخلُ عليه التَّيمُّمُ؛ لأنَّه إذا عجَزَ عنه لم يُصلِّ إلا في الوقتِ؛ لأنَّ منه بَدلًا يَقومُ مَقامَه، وهو الوقتُ الذي يُقتضى فيه (١).
(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٩٩، ٣٠٠) رقم (٢١٦)، و «الاستذكار» (٢/ ١٩٦)، و «الكافي» (١/ ٦٤)، و «الذخيرة» (٢/ ١٠١، ١٠٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٦٤)، و «الشَّرح الكبير» (١/ ٢١١)، و «مواهب الجليل» (١/ ٤٦٧)، و «الإفصاح» (١/ ١٣٩، ١٥١، ٣١٦)، و «تفسير القرطبي» (٧/ ١٨٢).
ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.