قراءة الفاتحة في كل ركعة

الإسلام > الصلاة > الأذان والإقامة > قراءة الفاتحة في كل ركعة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 16 دقيقة قراءة

قراءة الفاتحة في كل ركعة - الأقوال والأدلة

القُرآنِ»، هذا في حالِ البَيانِ، فلو كانَتِ الفاتِحةُ واجِبةً لَذكرَها، وما رُويَ: «ثم اقرَأ بفاتِحةِ الكتابِ»، لا يُعرَفُ، والمَشهورُ ما بيَّناه، ولو ثَبت لم يكن فيه دِلالةٌ؛ لِجَوازِ أن يَكونَ ذكرَ الأمرَينِ، فبيَّن بأحَدِهما الوُجوبَ، وبالآخَرِ المَسنونَ (١).

وقالَ خَليلٌ في شَرحِ مُختَصَرِ ابنِ الحاجِبِ: وكَونُها فَرضًا في الجُملةِ هو المَنصوصُ، ولابنِ زِيادٍ فيمَن صلَّى ولم يَقرأ: لا إعادةَ عليه. رَواهُ الواقِدِيُّ عن مالِكٍ، وكذلك نقلَ المَازِرِيُّ عن ابنِ شبلونَ أنَّه قالَ بسُقوطِ فَريضةِ الفاتِحةِ مُطلَقًا؛ قالَ: لِحَملِ الإمامِ لها، والإمامُ لا يَحمِلُ فَرضًا (٢).

قِراءةُ الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ قِراءةِ الفاتِحةِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ رَكعاتِ الصَّلاةِ، هل يجبُ عليه أن يَقرأَها في كلِّ رَكعةٍ؟ أو تُجزِئُ في رَكعتَينِ من أربَعٍ؟

فذَهب المالِكيَّةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ واجِبةٌ على الإمامِ والمُنفرِدِ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ الصَّلواتِ الخَمسِ على الإطلاقِ؛ لحَديثِ المُسيءِ صَلاتَه، وفيه قولُ النَّبيِّ : «ثم افعَل

(١) «معاني الآثار» (١/ ٣٦٢، ٥٠٣)، و «التجريد» للقدوري (١/ ٤٨٥، ٤٩٠)، و «المبسوط» (١/ ١٩)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١١١، ١٦٠)، و «البحر الرائق» (١/ ٣١٢، ٣١٣)، والطَّحطاوي (١/ ١٦٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٠٩)، و «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ١٨، ٢٥)، و «عمدة القاري» (٦/ ١٨).
(٢) «التوضيح في شَرح مختصر ابن الحاجب» (١/ ٣٣٥، ٣٣٦).

ذلك في صَلاتِكَ كلِّهَا» (١). وفي رِوايةٍ: «ثم أصنَع ذلك في كلِّ رَكعَةٍ» (٢). وقد علَّمه فيها أن يَقرأَ بأُمِّ القُرآنِ.

وبحَديثِ أبي قَتادةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ : «كانَ يَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ مِنْ الظُّهرِ وَالعَصرِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ وَسُورَةٍ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا، وَيَقرأُ في الرَّكعتَينِ الأُخرَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكتابِ» (٣). وقالَ النَّبيُّ : «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» مُتفقٌ عليه.

وبِقولِ اللهِ تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبينَ عَبدي نِصفَينِ … » الحَديثَ (٤).

قالَ العُلماءُ: المُرادُ بالصَّلاةِ هنا الفاتِحةُ، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تَصحُّ إلا بها (٥).

وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ لا تَجِبُ على الإمامِ والمُنفرِدِ إلا في رَكعَتينِ مِنْ الرُّباعياتِ، ومِنَ المَغربِ، غَير مُعيَّنتَينِ سَواءٌ كانَتَا الأُولَيَينِ أو الأُخرَيَينِ، أو في إحدى الأُولَيَينِ وإحدى الأُخرَيَينِ، إلا أنَّ الأفضَلَ أن تَكونَ القِراءةُ في الأُولَيَينِ، فأمَّا رَكعتَا الفَجرِ فتَجِبُ القِراءةُ فيهما؛ لقولِ اللهِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقَدَّمَ.
(٢) رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» (١٧٨٧).
(٣) رواه مُسلِم (٤٥١).
(٤) رواه مُسلِم (٣٩٥).
(٥) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٢٥٨) رقم (١٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٦٩)، و «تحبير المُختصر» (١/ ٢٨٥)، و «المجموع» (٣/ ٣٠٧، ٣٠٨)، و «شرح مسلم» (٤/ ١٠٣)، و «المغني» (٢/ ٢٣)، و «الإفصاح» (١/ ١٦١).

تَعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عُبَيدِ اللهِ قالَ: «دَخَلتُ على ابنِ عبَّاسٍ في شَبابٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقُلنا لِشَابٍّ مِنَّا: سَلِ ابنَ عبَّاسٍ: أَكانَ رَسولُ اللهِ يَقرأُ في الظُّهرِ وَالعَصرِ؟ فقالَ: لَا، لَا. فَقِيلَ له: فلَعلَّهُ كان يَقرأُ في نَفسِهِ. فقالَ: خَمشًا، هذه شَرٌّ مِنْ الأُولَى، كانَ عَبدًا مَأمُورًا، بَلَّغَ ما أُرسِلَ بِه، وما اختَصَّنَا دونَ النَّاسِ بِشَيءٍ إلا بِثَلاث خِصَالٍ: أَمرَنَا أن نُسبِغَ الوُضُوءَ، وألَّا نَأكُلَ الصَّدَقَةَ، وألَّا نُنزِيَ الحِمَارَ على الفَرَسِ» (١).

وعن عِكرِمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَا أَدرِي أَكانَ رَسولُ اللهِ يَقرأُ في الظُّهرِ وَالعَصرِ أَمْ لَا» (٢).

وبحَديثِ عُبادةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لم يَقرأ بِأُمِّ القُرآنِ»، وهذا لا يَقتَضي أكثرَ مِنْ مرَةٍ.

قالَ الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا في الأُخرَيَينِ فالأفضَلُ أن يَقرأَ فيهما بفاتِحةِ الكتابِ، ولو سَبَّحَ في كلِّ رَكعةٍ ثَلاثَ تَسبيحاتٍ مَكانَ فاتِحةِ الكتابِ، أو سكتَ، أجزَأَته صَلاتُه، ولا يَكونُ مُسيئًا إن كانَ عامِدًا، ولا سَهوَ عليه إن كانَ ساهِيًا، كذا رَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه مُخيَّرٌ بينَ قِراءةِ الفاتِحةِ والتَّسبيحِ والسُّكوتِ، وهذا جَوابُ ظاهِرِ الرِّوايةِ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٨٠٨).
(٢) رواه أبو داود (٨٠٩)، وأحمد (١/ ٢٤٩، ٢٥٧).
(٣) «معاني الآثار» (١/ ٣٦١، ٣٦٢)، وابن عابدين (١/ ٥١١)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١٢٩).

وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ ابنُ خُوَيزِ مَندادَ: لم يختلِف قولُ مالِكٍ أنَّه مَنْ نَسيَها -أي: الفاتِحةَ- في صَلاةِ رَكعةٍ مِنْ صَلاةِ رَكعتَينِ -مِثلَ الفَجرِ- أنَّ صَلاتَه تبطُلُ ولا تُجزِئُه، واختَلفَ قولُه فيمَن تركَها ناسِيًا في رَكعةٍ مِنْ صَلاةٍ رُباعيَّةٍ أو ثُلاثيَّةٍ، فقالَ مرَّةً: يُعيدُ الصَّلاةَ، وقالَ مرَّةً: يَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ، وهي رِوايةُ ابنِ عَبد الحَكَمِ وغيرِه عن مالِكٍ. وقد قيلَ: إنَّه يُعيدُ تلك الرَّكعةَ ويَسجُدُ لِلسَّهوِ بعدَ السَّلامِ.

قالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: الصَّحِيحُ مِنْ القولِ إلغاءُ تلك الرَّكعةِ، ويأتي برَكعةٍ بَدلًا منها، كمَن أسقَطَ سَجدةً سَهوًا، وهو اختِيارُ ابنِ القاسِمِ (١).

وقالَ الخرَشيُّ رحمة الله عليه: قولُه: «وهل تَجِبُ الفاتِحةُ في كلِّ رَكعةٍ، أو الجُلِّ، خِلافٌ (ش) الأوَّلُ لِمالِكٍ في المُدَوَّنةِ، وشَهَّرَهُ ابنُ شاسٍ وابنُ الحاجِبِ وعَبدُ الوهَّابِ وابنُ عَبد البرِّ؛ لِخَبرِ «مَنْ صلَّى صَلاةً لم يَقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ خِداجٌ خِداجٌ»، أي: غيرُ تَمامٍ، بِناءً على أنَّ المُرادَ بالصَّلاةِ كلُّ رَكعةٍ؛ لأنَّه الظاهرُ مِنْ السِّياقِ؛ إذ مَحَلُّ القِراءةِ مِنْ الصَّلاةِ كلُّ قِيامٍ، فهو كما قيلَ: كلُّ صَلاةٍ لم يُركَع فيها، أو لم يُسجَد، وقيلَ: تَجِبُ في الجُلِّ، وتُسَنُّ في الأقَلِّ، وإليه رَجعَ مالِكٌ، وشَهَّرَهُ صاحِبُ الإرشادِ، وهو ابنُ عَسكَرٍ القَرافيُّ، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وإن ضَعَّفَه في تَوضيحِه بما يُعلَمُ بالوُقوفِ عليه، وقيلَ يَكتَفي بها في رَكعةٍ، وهو قولُ المُغيرةِ: لا يُقالَ: كيف يَقولُ المُؤلِّفُ: خِلافٌ، مع أنَّه ضَعَّفَ القولَ الثانيَ؟ لأنَّا نَقُولُ: هو مُتقيِّدٌ بالتَّشهيرِ المَوجودِ لِأهلِ المَذهبِ، ولا يُعَوَّلُ على ما يَظهرُ له، وعلى

(١) «التَّمهيد» (٢٠/ ١٩٢، ٢١٣)، و «تفسير القرطبي» (١/ ١١٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة
الجملة الثالثة من كتاب الصلاة أركان الصلاة

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ الْحَاضِرِ الْآمِنِ الصَّحِيحِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَقْوَالِ الصَّلَاةِ

الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهو مَعْرِفَةُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَهِيَ الْأَرْكَانُ وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ تَخْتَلِفُ فِي هَذَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ الِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ (مِثْلَ مُخَالَفَةِ ظُهْرِ الْجُمُعَةِ لِظُهْرِ سَائِرِ الْأَيَّامِ) وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الْأَمْنِ، وَالْخَوْفِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَإِذَا أُرِيدَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي هَذِا صِنَاعِيًّا، وَجَارِيًا عَلَى نِظَامٍ فَيَجِبُ أَنَّ يُقَالَ أَوَّلًا فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ هَذِهِ كُلُّهَا، ثُمَّ يُقَالَ فِيمَا يَخُصُّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً مِنْهَا، أَوْ يُقَالَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهُوَ الْأَسْهَلُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّعْلِيمِ يَعْرِضُ مِنْهُ تَكْرَارٌ مَا، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الْفُقَهَاءُ، وَنَحْنُ نَتْبَعُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَنَجْعَلُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُنْقَسِمَةً إِلَى سِتَّةِ أَبْوَابٍ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ الْحَاضِرِ الْآمِنِ الصَّحِيحِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: (أَعْنِي: فِي أَحْكَامِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي صَلَاةِ السَّفَرِ. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. الْبَابُ السَّادِسُ: فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ. الْبَابُ الْأَوَّلُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 178 - 181

ارجع إلى الأذان والإقامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله