جمع الصلوات

الإسلام > الصلاة > جمع الصلوات

مسائلُ فقهيةٌ في جمع الصلوات على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 13 دقيقة قراءة

تعريف جمع الصلوات وحكمها

فصل في جَمعُ الصَّلواتِ

المُرادُ بجَمعِ الصَّلواتِ عندَ الفُقهاءِ هو: أن يَجمعَ المُصلِّي بينَ فَريضَتَينِ في وقتِ إحداهُما جَمعَ تَقديمٍ أو جَمعَ تَأخيرٍ.

والصَّلواتُ التي يَجوزُ فيها الجَمعُ هي: الظُّهرُ مع العَصرِ، والمَغربُ مع العِشاءِ.

الحكمُ التَّكليفيُّ:

أجمعَ العُلماءُ على مَشروعيَّةِ الجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ في عَرَفاتٍ، جَمعَ تَقديمٍ في وقتِ الظُّهرِ، وبينَ المَغربِ والعِشاءِ جَمعَ تَأخيرٍ في مُزدَلِفةَ في وقتِ العِشاءِ للحُجاجِ؛ لمَا رَواه مُسلمٌ عن جابرٍ رضي الله عنه قالَ في صِفةِ حَجِّه : «فأتى بَطنَ الوادي فخطَبَ النَّاسَ، ثم أذَّنَ، ثم أقامَ، فصلَّى الظُّهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العَصرَ. ولم يُصلِّ بينَهما شَيئًا، حتى أتى المُزدلِفةَ فصلَّى بها المَغربَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَينِ، ولم يُسبِّح بينَهما شَيئًا» (١).

(١) رَواه مسلم (١٢١٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٢٠)، و «المجموع» (٥/ ٤٨١)، و «المغني» (٢/ ٥٠٥).

الجَمعُ لِلسَّفرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَمعِ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ، فأجازَه جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ، ومنَعَه أبو حَنيفةَ وأَصحابُه بإِطلاقِه.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم أوَّلًا: اختِلافُهم في تَأويلِ الآثارِ التي رُوِيت في الجَمعِ، والاستِدلالُ منها على جَوازِ الجَمعِ؛ لأنَّها كلَّها أفعالٌ وليسَت أَقوالًا، والأفعالُ يَتطرَّقُ إليها الاحتِمالُ كَثيرًا، أكثرَ من تَطرُّقِه إلى اللَّفظِ.

وثانيًا: اختِلافُهم أيضًا في تصَحيح بعضِها.

وثَالِثًا: اختِلافُهم أيضًا في إجازةِ القِياسِ في ذلك، فهي ثَلاثَةُ أَسبابٍ، كما تَرى.

أمَّا الآثارُ التي اختَلَفوا في تَأوِيلها، فمنها: حَديثُ أنَسٍ الثَّابِتُ باتِّفاقٍ، أخرَجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ، قالَ: «كانَ النَّبيُّ إذا ارتَحلَ قبلَ أنْ تَزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى وقتِ العَصرِ، ثم يَجمَعُ بينَهما، وإذا زاغَت صلَّى الظُّهرَ ثم ركِبَ» (١).

ومنها: حَديثُ ابنِ عمرَ، أخرَجَه الشَّيخانِ أيضًا، قالَ: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ

(١) رواه البخاري (١١١٢)، ومسلم (٧٠٤).

إذا أَعجَلَه السَّيرُ في السَّفرِ يُؤخِّرُ صَلاةَ المَغربِ حتى يَجمعَ بينَها وَبينَ صَلاةِ العِشاءِ» (١).

والحَديثُ الثَّالثُ: حَديثُ ابنِ عَباسٍ أخرَجَه مالِكٌ ومُسلمٌ قالَ: «صلَّى رَسولُ اللهِ الظُّهرَ وَالعَصرَ جَميعًا، والمَغربَ وَالعِشاءَ جَميعًا، في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» (٢).

فذهَبَ القائِلونَ بجَوازِ الجَمعِ في تَأويلِ هذه الأَحاديثِ إلى أنَّه أخَّرَ الظُّهرَ إلى وقتِ العَصرِ المُختَصِّ بها، وجَمعَ بينَهما. وذهَبَ الكُوفيُّونَ -أي: أبو حَنيفةَ وأَصحابُه- إلى أنَّه إنَّما أوقَعَ صَلاةَ الظُّهرِ في آخرِ وقتِها، وصَلاةَ العَصرِ في أوَّلِ وقتِها، على ما جاءَ في حَديثِ إمامةِ جِبريلَ عليه السلام، قالوا: وعلى هذا يَصحُّ حَملُ حَديثِ ابنِ عَباسٍ؛ لأنَّه قدِ انعَقدَ الإِجماعُ على أنَّه لا يَجوزُ ذلك في الحَضرِ لغيرِ عُذرٍ؛ أعني: أن تُصلَّى الصَّلاتانِ معًا في وقتِ إحداهُما، واحتَجوا لتَأويلِهم أيضًا بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ، قالَ: «والذي لا إلهَ غيرُه ما صلَّى رَسولُ اللهِ صَلاةً قَطُّ إلا في وقتِها، إلا صَلاتَينِ: جمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بعَرفةَ، وبينَ المَغربِ والعِشاءِ بجَمعٍ» (٣).

(١) رواه البخاري (١٠٩٢)، ومسلم (٧٠٣).
(٢) رواه مسلم (٧٠٥).
(٣) رواه النسائي (٥/ ٢٥٤)، ورواه البخاري (١٥٩٨، ١٥٩٩) بلفظٍ قَريبٍ.

قالوا: فهذه الآثارُ مُحتمَلٌ أن تَكونَ على ما تَأَوَّلناه نَحنُ، أو تأَوَّلتموه أنتُم، وقد صحَّ تَوقيتُ الصَّلاةِ وتَبايُنُها في الأَوقاتِ، فلا يَجوزُ أن تَنتَقلَ عن أصلٍ ثابِتٍ بأمرٍ مُحتمَلٍ.

وأمَّا الأثَرُ الذي اختَلَفوا في تَصحِيحِه: فما رَواهُ مالِكٌ من حَديثِ مُعاذِ ابن جبَلٍ: «أَنَّهم خرَجوا مع رَسولِ اللهِ عامَ تَبوكَ، فكانَ رَسولُ اللهِ يَجمَعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، وَالمَغربِ والعِشاءِ، قالَ: فأخَّرَ الصَّلاةَ يَومًا، ثم خرَجَ فصلَّى الظُّهرَ والعَصرَ جَميعًا، ثم دخَلَ ثم خرَجَ فصلَّى المَغربَ وَالعِشاءَ جَميعًا» (١).

وهذا الحَديثُ لو صحَّ (٢) لَكانَ أظهَرَ من تلك الأَحاديثِ في إِجازةِ الجَمعِ؛ لأنَّ ظاهِرَه أنَّه قدَّمَ العِشاءَ إلى وقتِ المَغربِ، وإن كانَ لهم أن يَقولوا: إنَّه أخَّرَ المَغربَ إلى آخرِ وقتِها، وصلَّى العِشاءَ في أوَّلِ وقتِها؛ لأنَّه ليسَ في الحَديثِ أمرٌ مَقطوعٌ به على ذلك، بل لَفظُ الرَّاوي مُحتَمِلٌ.

وأمَّا اختِلافُهم في إجازةِ القِياسِ في ذلك: فهو أن يُلحِقَ سائِرَ الصَّلواتِ في السَّفرِ بصَلاةِ: «عَرفةَ». وَ: «مُزدلِفةَ». أعني، أن يُجازَ الجَمعُ قِياسًا على تلك، فيُقالُ مثَلًا: صَلاةٌ وجَبَت في سَفرٍ، فجازَ أن تُجمعَ، أصلُه جَمعُ النَّاسِ بِ: «عَرفةَ». وَ: «المُزدلِفةِ»، وهو مَذهبُ سالمِ بنِ عبد اللهِ، أعني: جَوازَ هذا

(١) رواه مسلم (٧٠٦).
(٢) رواه مسلم كما تَرى.

القِياسِ، لكنَّ القياسَ في العِباداتِ يَضعُفُ، فهذه هي أسبابُ الخِلافِ الواقِعِ في جَوازِ الجَمعِ. اه (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا معنَى للجَمعِ الذي ذهَبَ إليه أبو حَنيفةَ ومَن قالَ بقولِه؛ لأنَّ ذلك جائِزٌ في الحَضرِ، بدَليلِ قولِه في طرفَي وقتِ الصَّلاةِ: «ما بينَ هذَينِ وقتٌ»، فأجازَ الصَّلاةَ في آخرِ الوقتِ، ولو لم يَجزْ في السَّفرِ مِنْ سَعةِ الوقتِ إلا ما جازَ في الحَضرِ، بطَلَ معنَى السَّفرِ ومَعنى الرُّخصةِ والتَّوسِعةِ لِأجلِه.

ومَعلومٌ أنَّ الجَمعَ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ رُخصةٌ لمَكانِ السَّفرِ، وتَوسِعةً في الوقتِ، كما أنَّ القَصرَ في السَّفرِ لم يَكنْ إلا مِنْ أجلِ السَّفرِ، وما يَلقَى فيه مِنْ المَشقَّةِ في الأغلبِ، وفي ارتِقابِ المُسافرِ ومُراعاتِه ألَّا يَكونَ نُزولُه إلا في الوقتِ الذي عَدَّه أبو حَنيفةَ مَشقَّةً وضِيقًا، لا سَعةً.

وقد أَجمعَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ العَصرِ والمَغربِ، ولا بينَ العِشاءِ والصُّبحِ، ولو كانَ الجَمعُ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ على ما ذهَبَ أبو حَنيفةَ إليه والقائِلونَ بقولِه، لَجازَ الجَمعُ بينَ العَصرِ والمَغربِ بأن يُصلِّيَ العَصرَ في آخرِ وقتِها، ثم يَتمهَّلَ قَليلًا ويُصلِّيَ المَغربَ (٢).

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٢، ٢٤٣).
(٢) «الاستذكار» (٢/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «التَّمهيد» (١٢/ ١٩٨)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٨٨)، والطَّحطاوي (١/ ١٢٠)، و «ابن عابدين» (١/ ٣٨٢)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٦٧)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٢٠)، و «المجموع» (٥/ ٤٨٢)، و «المغني» (٢/ ٥٠٥، ٥٠٧)، و «الإفصاح» (١/ ٢٢٢)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٣٤، ٢٣٥).

واتَّفقَ القائِلونَ بجَوازِ الجَمعِ بسَببِ السَّفرِ على أنَّه يَجوزُ الجَمعُ للمُسافرِ بينَ الصَّلاتَينِ -الظُّهرِ والعَصرِ، أو المَغربِ والعِشاءِ- في وقتِ الأُولى منهما، وفي وقتِ الثانيةِ كذلك.

غيرَ أنَّه إن كانَ نازِلًا في وقتِ الأُولى فالأفضَلُ أن يُقدِّمَ الثانيةَ في وقتِ الأُولى، وإن كانَ سائِرًا فيها فالأفضَلُ أن يُؤخّرَها إلى وقتِ الثانيةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّه قالَ: «ألَا أُخبرُكم عَنْ صَلاةِ رَسولِ اللهِ إذَا زالَت الشَّمسُ وَهو في المَنزلِ (أي: مَكانِ النُّزولِ في السَّفرِ) قدَّمَ العَصرَ إلى وقتِ الظُّهرِ، ويَجمَعُ بينَهما في الزَّوالِ، وإِذا سافَرَ قبلَ الزَّوالِ أخَّرَ الظُّهرَ، إلى وقتِ العَصرِ، ثم جَمعَ بينَهما في وقتِ العَصرِ» (١). ولأنَّ هذا أرفَقُ بالمُسافرِ؛ فكانَ أفضَلَ. وأمَّا إن كانَ سائِرًا في وقتَيهِما أو نازِلًا فيه وأرادَ جَمعَهما، فالأفضَلُ تَأخيرُ الأُولى منهما إلى وقتِ الثانيةِ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتُ الأُولى حَقيقةً، بخِلافِ العَكسِ (٢).

(١) رواه الإمام أحمد في «المسند» (١/ ٣٦٧، ٣٦٨)، والبَيهَقي (٣/ ١٦٣)، والدَّارقُطني (١/ ٣٨٨)، وقال النَّوويُّ في «المجموع» (٥/ ٤٨٨): إِسنادُه جيدٌ.
(٢) المَصادِر السَّابِقة.

مسائل جمع الصلوات الفقهية

ارجع إلى الصلاة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
الله أكبر