حكم جمع التقديم والتأخير

الإسلام > الصلاة > جمع الصلوات > حكم جمع التقديم والتأخير

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 13 دقيقة قراءة

حكم جمع التقديم والتأخير - الأقوال والأدلة

وبالجُملةِ العملُ لا يُشكُّ أنَّه قَرينةٌ إذا اقتَرنَت بالشَّيءِ المَنقُولِ إن وافَقَته أفادَت به غلَبةَ الظَّنِّ، وإن خالَفَته أفادَت به ضَعفَ الظَّنِّ. فأمَّا هل تَبلُغُ هذه القَرينةُ مَبلَغًا تُردُّ به أَخبارُ الآحادِ الثَّابِتةُ ففيه نَظرٌ، وعَسى أنَّها تَبلغُ في بعضٍ، ولا تَبلغُ في بعضٍ؛ لتَفاضُلِ الأَشياءِ في شدَّةِ عُمومِ البَلوى بها، وذلك أنَّه كلَّما كانَت الحاجةُ إلى السُّنةِ أمسَّ، وهي كَثيرةُ التَّكرارِ على المُكلَفينَ، كانَ نَقلُها مِنْ طَريقِ الآحادِ مِنْ غيرِ أن يَنتشِرَ قَولًا أو عمَلًا فيه ضَعفٌ، وذلك أنَّه يُوجِبُ ذلك أحَد أمرَينِ، إما أنَّها مَنسوخةٌ، وإمَّا أنَّ النَّقلَ فيه اختِلالٌ، وقد بيَّنَ ذلك المُتكلِّمونَ، كأبي المَعالي وغيرِه (١).

إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في مَسائلَ، منها:

١ - حكمُ جَمعِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ:

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى جَوازِ جَمعِ التَّقديمِ فقط، دونَ جَوازِ جَمعِ التَّأخيرِ؛ لأنَّ استِدامةَ المَطرِ ليسَت مُؤكَّدةً، فقد يَنقطِعُ المَطرُ فيؤدِّي إلى إخراجِ الصَّلاةِ عن وقتِها مِنْ غيرِ عُذرٍ.

وذهَبَ الحَنابلَةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى جَوازِ جَمعِ التَّأخيرِ بسَببِ المَطرِ، وإن كانَ جَمعُ التَّقديمِ أَولى؛ لأنَّه عُذرٌ يَجوزُ الجَمعُ به في وقتِ الأُولَى؛ فجازَ الجَمعُ في وقتِ الثانيةِ كالسَّفرِ (٢).

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٥)، و «الاستذكار» (٢/ ٢١٠، ٢١٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٢٢)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٩٢)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٧٠)، و «المجموع» (٥/ ٤٩٤، ٤٩٩)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٧٤)، و «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٩١)، و «المغني» (٢/ ٥٠٩، ٥١٠)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٣٥)، و «الإفصاح» (١/ ٢٢٣، ٣٤١).

اشتَرطَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ للجَمعِ بسَببِ المَطرِ البُداءةَ بالأُولَى مِنْ الصَّلاتَينِ، ونيَّةَ الجَمعِ، والمُوالاةَ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابلَةِ على التَّفصيلِ الذي سبَقَ في الجَمعِ، بسَببِ السَّفرِ.

وهناك شُروطٌ أُخرى اشتَرطَها الفُقهاءُ للجَمعِ بسَببِ المَطَرِ:

أ- وُجودُ المَطرِ في أوَّلِ الصَّلاتَينِ، وعندَ السَّلامِ مِنْ الأُولَى، وعندَ دُخولِ الثانيةِ، فإن أتَمَّ الصَّلاتَينِ في وقتِ الأُولَى، ثم زالَ العُذرُ بعدَ فَراغِه منهما قبلَ دُخولِ وقتِ الثانيةِ أجزَأَته، ولم تَلزَمْه الثانيةُ في وقتِها؛ لأنَّ الصَّلاةَ وقَعَت صَحيحةً مُجزِئةً عما في ذمَّتِه، وبَرِئت ذمَّتُه منها، فلم تَشتَغلِ الذِّمةُ بها بعدَ ذلك؛ ولأنَّه أدَّى فَرضَه حالَ العُذرِ فلم يَبطُلْ بزَوالِه بعدَ ذلك؛ كالمُتيمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ بعدَ فَراغِه مِنْ الصَّلاةِ.

ب- ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ الرُّخصةَ خاصَّةٌ بالمُصلِّي جَماعةً في مَسجدٍ، فلا يَجمَعُ مَنْ يُصلِّي في بَيتِه، ولو صلَّى في جَماعةٍ.

وذهَبَ الحَنابلَةُ في القولِ الآخَرِ إلى أنَّ الرُّخصةَ عامَّةٌ، فلا فَرقَ بينَ مَنْ يُصلِّي جَماعةً في مَسجدٍ، وبينَ غيرِه ممَّن يُصلِّي في غيرِ مَسجدٍ، أو مُنفرِدًا؛ لأنَّ العُذرَ إذا وُجِدَ استَوَى فيه وُجودُ المَشقَّةِ وعدمُه.

ذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ في الصَّحيحِ عندَهم وبعضُ الشافِعيةِ إلى أنَّ الطِّينَ أو الوَحلَ عُذرٌ يُبيحُ الجَمعَ كالمَطرِ؛ لأنَّ المَشقَّةَ تَلحَقُ بذلك في

النِّعالِ والثِّيابِ، كما تَلحَقُ بالمَطرِ، ولأنَّ الوَحلَ يُلوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويَتعرَّضُ الإِنسانُ للزَّلقِ فتَتأذَّى نَفسُه وثِيابُه، وذلك أعظَمُ مِنْ البَللِ، وقد ساوَى الطِّينُ المَطرَ في العُذرِ في تَركِ الجمُعةِ والجَماعةِ، فدلَّ على تَساويهما في المَشقَّةِ المَرعيَّةِ في الحُكمِ، إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إنِ اجتَمعَ المَطرُ والطِّينُ والظُّلمةُ أو اثنانِ منهما، أو انفَرَدَ المَطرُ، جازَ الجَمعُ، بخِلافِ انفِرادِ الظُّلمةِ، وفي انفِرادِ الطِّين قَولانِ، والمَشهورُ عدمُ الجَمعِ.

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بسَببِ الطِّينِ، أو الوَحلِ؛ لأنَّ ذلك كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ، ولم يُنقَلْ أنَّه جمَعَ مِنْ أجلِه.

يَرى الحَنابلَةُ في الأصَحِّ عندَهم أنَّه يَجوزُ الجَمعُ مِنْ أجلِ الرِّيحِ الشَّديدةِ في اللَّيلةِ المُظلِمةِ البارِدةِ؛ لأنَّ ذلك عُذرٌ في تَركِ الجمُعةِ والجَماعةِ، بدَليلِ ما رَواه ابنُ عمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُنادي مُناديه في اللَّيلةِ المَطيرةِ، أوِ اللَّيلةِ البارِدةِ ذاتِ الرِّيحِ: «صَلُّوا في رِحالِكم» (١).

ويَرى المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ في غيرِ الرَّاجحِ عندَهم أنَّه لا يُباحُ الجَمعُ مِنْ أجلِ الرِّيحِ الشَّديدةِ والظُّلمةِ؛ لأنَّ المَشقَّةَ فيهما دونَ المَشقَّةِ في المَطرِ، فلم يَصحَّ إلحاقُها بالمَطرِ؛ ولأنَّهما كانَتا في زَمنِ النَّبيِّ ولم يُنقَلْ أنَّه جمَعَ مِنْ أجلِهما (٢).

(١) رواه البخاري (٦٠٦)، ومسلم (٦٩٧).
(٢) «الشَّرح الكبير وحاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «الذَّخيرة» (٢/ ٣٧٤)، و «بلغة السالك» (١/ ٣٢٢)، و «منح الجليل» (١/ ٤٢٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٥)، و «القوانين الفقهية» (٨٧)، و «المجموع» (٥/ ٤٩٥، ٥٠٢)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٧٥)، و «المغني» (٢/ ٥٠٩، ٥١٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٥٨) (٢٤، ٧٦، ٨٣)، و «الفروع» (٢/ ٥٩)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٤١، ٣٤٦)، و «الإفصاح» (١/ ٢٢٣)، و «منار السبيل» (١/ ١٦٢، ١٦٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة
الجملة الرابعة في قضاء الصلاة وجبر ما يقع فيها من خلل

الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَقَوْمٌ قَالُوا هُوَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنَ الْمَرَضِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.

وسبب اختلافهم هو: هَلْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْقِيَامِ مَعَ الْمَشَقَّةِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ؟ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ، وَأَمَّا صِفَةُ الْجُلُوسِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَجْلِسُ مُتَرَبِّعًا: (أَعْنِي: الْجُلُوسَ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقِيَامِ) وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْجُلُوسَ مُتَرَبِّعًا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْبِيعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَمَنْ كَرِهَهُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُلُوسِ الصَّلَاةِ.

وَأَمَّا صِفَةُ صَلَاةِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا عَلَى الْجُلُوسِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصَلِّي كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصَلِّي مُسْتَقْبِلًا رِجْلَاهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى جَنْبِهِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَجَبْرِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ خَلَلٍ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْإِعَادَةِ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ

الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَشْتَمِلُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الَّتِي لَيْسَتْ أَدَاءً، وَهَذِهِ هِيَ: إِمَّا إِعَادَةٌ، وَإِمَّا قَضَاءٌ، وَإِمَّا جَبْرٌ لِمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ بِالسُّجُودِ.

فَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذن ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 128 - 130

ارجع إلى جمع الصلوات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله