الإسلام > الصلاة > سجود السهو > موضع سجود السهو
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 19 دقيقة قراءةممَّا سقطَ مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ، وسُجودُ الزِّيادةِ كَأنَّه استِغفارٌ؛ لا بَدلٌ (١).
مَوضِعُ سُجودِ السَّهوِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّ سُجودَ السَّهوِ جائِزٌ قبلَ السَّلامِ وبعدَه؛ لِصحَّةِ الأخبارِ الوارِدةِ عن النَّبيِّ ﷺ في كِلا الأمرَينِ، قالَ الماوَردِيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ سُجودَ السَّهوِ جائِزٌ قبلَ السَّلامِ وبعدَه، وإنَّما اختَلَفوا في المَسنونِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ القاضي عِياضٌ رحمة الله عليه وجَماعةٌ مِنْ أصحابِنا: ولا خِلافَ بينَ هؤلاءِ المُختَلِفينَ وغيرِهم مِنْ العُلماءِ أنَّه لو سجدَ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه لِلزِّيادةِ أو لِلنَّقصِ أنَّه يُجزِئُه، ولا تفسُدُ صَلاتُه، وإنَّما اختِلافُهم في الأفضَلِ، واللهُ أعلَمُ (٣).
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في الأفضَلِ؛ هل يَكونُ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه؟
فذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَوضِعَ سُجودِ السَّهوِ بعدَ التَّسليمِ مُطلَقًا؛ سَواءٌ في الزِّيادةِ أوِ النُّقصانِ، أي: أنَّه يَتشهَّدُ ثم يسلِّمُ تَسليمةً واحدةً على الأصَحِّ، ثم يَسجدُ لِلسَّهوِ، ثم يَتشهَّدُ، ثم يسلِّمُ كذلكَ، فإن سلَّم تَسليمتَينِ سقطَ السُّجودُ، لحَديثِ ثَوبانَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لِكلِّ سَهوٍ سَجدَتَانِ بعدَما يسلِّمُ» (٤).
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٢/ ٢١٤).
(٣) «شرحُ صحيحِ مُسلِم» (٥/ ٥٠).
(٤) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواهُ أبو داودَ (١٠٣٨)، وأحمدُ في «المسند» (٥/ ٢٨٠).
وقيلَ: يُسلِّمُ تَسليمَتَينِ؛ لقولِه ﷺ: «لِكلِّ سَهوٍ سَجدَتَانِ بعدَما يسلِّمُ». والمُتَعارَفُ منهُ ما يَكونُ مِنْ الجانِبَينِ؛ فيُحمَلُ عليهِ، وفي الهِدايةِ: وقالَ شَمسُ الأئمَّةِ: وهو الأصحُّ؛ لأنَّه قولُ كِبارِ الصَّحابةِ؛ كعمرَ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم (١).
وذَهب المالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى التَّفريقِ بينَ الزِّيادةِ والنُّقصانِ، فإن كانَ السُّجودُ لِنُقصانٍ كانَ قبلَ السَّلامِ، وإن كانَ لِزيادةٍ كانَ بعدَ السَّلامِ، وذلك لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مالِكِ بنِ بُحَينَةَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «صلَّى لنَا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ، ثم قامَ فلم يَجلِس؛ فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر فَسجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (٢)، وهذا في النَّقصِ.
وأمَّا الزِّيادةُ فإنَّه يَسجُدُ بعدَ السَّلامِ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسًا، فلمَّا انفَتَلَ تَوَشوَشَ القَومُ بينَهُم، فقالَ: ما شَأنُكُم؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ قالَ: لَا، قالوا: فَإِنَّكَ قد صلَّيتَ خَمسًا، فَانفَتَلَ ثم سجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، ثم قالَ: إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٣).
(١) «المبسوط» (١/ ٢١٩)، و «مُختصَرُ القُدورِيِّ» (٣٤)، و «البحر الرَّائق» (٢/ ١٠٠)، و «الهداية» (١/ ٧٤)، وابنُ عابدينَ (٢/ ٧٨)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٢١٩).
(٢) رواهُ البُخاري (١١٦٧)، ومُسلِم (٥٧٠).
(٣) رواهُ مُسلِم (٥٧٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ورُوي عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «كلُّ شَيءٍ شَكَكتَ فيه مِنْ صَلاتِكَ، مِنْ نُقصَانٍ، مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجودٍ، أَوْ غيرِ ذلك، فَاستَقبِل أكثرَ ظَنِّكَ، وَاجعَل سَجدَتَيِ السَّهوِ مِنْ هذا النحوِ قبلَ التَّسليمِ، فَأَمَّا غيرُ ذلك مِنْ السَّهوِ فَاجعَلهُ بعدَ التَّسليمِ» (١) (٢).
وإن جَمعَ بينَ زِيادةٍ ونَقصٍ يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ؛ تَرجيحًا لجانِبِ النَّقصِ.
وذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذلكَ لحَديثِ ابنِ بُحَينَةَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ ثم قامَ فلَم يَجلِس، فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر فَسجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (٣). وفيهِ أنَّه ﷺ سجدَ قبلَ السَّلامِ، ولأنَّه يُفعَلُ لِإصلاحِ الصَّلاةِ؛ فكانَ قبلَ السَّلامِ، كما لو نَسيَ سَجدةً في الصَّلاةِ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ عندَ الشافِعيَّةِ: يَتخيَّرُ إن شاءَ قبلَ السَّلامِ، وإن شاءَ بعدَه (٤).
(١) رواهُ ابنُ المنذِر في «الأوسط» (٣/ ٢٨٦).
(٢) «المغني» (٢/ ٢٠٦)، ويُنظر: «الكَافي» لابنِ عبدِ البَرِّ (١/ ٥٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢١٨)، والدُّسُوقِيُّ (١/ ٢٧٦)، و «التَّمهيد» (٥/ ٣٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٨).
(٣) رواهُ البُخاري (١١٦٧)، ومُسلِم (٥٧٠).
(٤) «المجموع» (٤/ ١٤٥)، و «روضة الطالبين» (١/ ٣١٦)، و «النجم الوهاج» (٢/ ٢٦٥)، و «كفاية الأخيار» (١٧٣)، و «المغني» (٢/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٩٤)، و «الإفصاح» لابنِ هُبَيرةَ (١/ ١٩٨).
وذَهب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السُّجودَ كلَّهُ قبلَ السَّلامِ، إلَّا في المَوضِعَينِ اللَّذَينِ وردَ النَّصُّ بسُجودِهما بعدَ السَّلامِ، وهُما:
الأوَّلُ: إذَا سلَّم مِنْ نَقصِ رَكعةٍ فأكثرَ كما في حَديثِ ذي اليَدينِ: «أنَّه ﷺ سلَّم مِنْ رَكعتَينِ، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (١). وحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه: «أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاث، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (٢).
والآخَرُ: إذَا تَحرَّى الإمامُ فبَنَى على أغلَبِ ظَنِّهِ، كما في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ عندَما تَحَرى فسجدَ بعدَ السَّلامِ؛ فرَوى الشَّيخانِ عن إبراهيمَ عن عَلقَمةَ قالَ: قالَ عَبدُ اللَّهِ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ قال إبرَاهِيمُ: لا أَدري زادَ أو نقصَ- فلمَّا سلَّم قيلَ له: يا رَسولَ اللَّهِ، أحَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟ قال: وما ذاكَ؟ قالوا: صلَّيتَ كذا وكذا. فثَنى رِجلَيهِ وَاستَقبَلَ القِبلَةَ وسجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، فلمَّا أَقبَلَ عَلَينَا بوَجهِهِ قال: إنه لو حَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ لَنبَّأتُكم بهِ، وَلَكِن إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيتُ فَذكِّرونِي، وإذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليَتَحَر الصَّوَابَ، فَليُتمَّ عليه، ثم لِيسلِّم، ثم يَسجد سَجدتَينِ» (٣) (٤).
(١) رواهُ البُخاري (٦٨٢، ٦٨٣)، ومُسلِم (٥٧٣).
(٢) رواهُ مُسلِم (٥٧٤).
(٣) رواهُ البُخاري (٣٩٢)، ومُسلِم (٥٧٢).
(٤) «المغني» (٢/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٣٩٤)، و «الإفصاح» لابنِ هُبَيرةَ (١/ ١٩٨).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلَفوا في مَواضِعِ سُجودِ السَّهوِ على خَمسةِ أقوالٍ: فذَهَبتِ الشافِعيَّةُ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَوضِعَه أبَدًا بعدَ السَّلامِ، وفرَّق المالِكيَّةُ فقالوا: إن كانَ السُّجودُ لِنُقصانٍ كانَ قبلَ السَّلامِ، وإن كانَ لِزيادةٍ كانَ بعدَ السَّلامِ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ قبلَ السَّلامِ، ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ السَّلامِ؛ فما كانَ مِنْ سُجودٍ في غيرِ تلكَ المَواضِعِ يَسجُدُ لهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ. وقالَ أهلُ الظَّاهرِ: لا يَسجُدُ لِلسَّهوِ إلا في المَواضِعِ الخَمسةِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فقط، وغيرُ ذلك إن كانَ فَرضًا أتَى بهِ، وإن كانَ نَدبًا فليس عليه شيءٌ؛ والسَّببُ في اختِلافِهم أنُّهُ عليه الصلاة والسلام ثَبت عنه أنَّه سجدَ قبلَ السَّلامِ، وسجدَ بعدَ السَّلامِ، وذلكَ أنَّه ثَبت من حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه سجدَ سَجدتَينِ وهو جالِسٌ»، وثَبت أيضًا أنَّه سجدَ بعدَ السَّلامِ في حَديثِ ذي اليَدينِ المُتقدِّمِ؛ إذ سلَّم مِنْ اثنَتَينِ، فذَهب الذينَ جَوَّزوا القياسَ في سُجودِ السَّهوِ -أعني: الذينَ رَأَوا تَعدِيةَ الحُكمِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها عليه الصلاة والسلام إلى أشباهها في هذه الآثارِ الصَّحيحةِ- ثَلاثةَ مَذاهبَ: أحَدُها: مَذهبُ التَّرجيحِ. والثاني: مَذهبُ الجَمعِ. والثالِثُ: مَذهبُ الجَمعِ والتَّرجِيحِ. فمَن رجَّح حَديثَ ابنِ بُحينَةَ قالَ: السُّجودُ قبلَ السَّلامِ، واحتَجَّ لذلكَ بحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ الثابِتِ
أنَّه عليه الصلاة والسلام قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كَمْ صلَّى، أثَلاثًا أم أربَعًا؛ فليُصلِّ رَكعةً وليَسجُد سَجدتَينِ وهوَ جالِسٌ قبلَ التَّسليمِ؛ فإن كانَتِ الرَّكعةُ التي صلَّاها خامِسةً شَفَعَها بهاتَينِ السَّجدتَينِ، وإن كانَت رابِعةً فالسَّجدَتانِ تَرغيمٌ لِلشَّيطانِ».
قالوا: ففيهِ السُّجودُ لِلزِّيادةِ قبلَ السَّلامِ؛ لأنَّها مُمكِنَةُ الوُقوعِ خامِسةً، واحتَجوا لذلكَ أيضًا بما رُويَ عن ابنِ شِهابٍ أنَّه قالَ: «كانَ آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ السُّجودَ قبلَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ رجَّح حَديثَ ذي اليَدينِ فقالَ: السُّجودُ بعدَ السَّلامِ، واحتَجوا لِتَرجيحِ هذا الحَديثِ بأنَّ حَديثَ ابنِ بُحَينَةَ قد عارَضَهُ حَديثُ المُغيرَةِ بنِ شُعبةَ أنَّه عليه الصلاة والسلام «قامَ مِنْ اثنَتَينِ ولم يَجلِس ثم سجدَ بعدَ السَّلامِ»، قالَ أبو عمرَ: ليس مِثلَه في النَّقلِ فيُعارَضَ بهِ. واحتَجوا أيضًا لذلكَ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثَّابِتِ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى خَمسًا ساهِيًا وسجدَ لِسَهوِهِ بعدَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ فإنَّهم قالوا: إنَّ هذه الأحاديثَ لا تَتَناقَضُ، وذلكَ أنَّ السُّجودَ فيها بعدَ السَّلامِ، إنَّما هوَ في الزِّيادةِ، والسُّجودُ قبلَ السَّلامِ في النُّقصانِ؛ فوجبَ أن يَكونَ حكمُ السُّجودِ في سائرِ المَواضِعِ كما هو في هذا المَوضِعِ، قالوا: وهو أَولَى مِنْ حَملِ الأحادِيثِ على التَّعارُضِ. وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ والتَّرجيحِ فقالَ: يَسجُدُ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ على النحوِ الذي سجدَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ؛ فإنَّ ذلك هو حكمُ تلكَ المَواضِعِ، وأمَّا المَواضِعُ التي لم يَسجُد فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فالحكمُ فيها السُّجودُ قبلَ السَّلامِ؛
فَكَأنَّه قاسَ على المَواضِعِ التي سجدَ فيها عليه الصلاة والسلام قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على المَواضِعِ التي سجدَ فيها بعدَ السَّلامِ، وأبقَى سُجودَ المَواضِعِ التي سجدَ فيها على ما سجدَ فيها؛ فمِن جِهةِ أنَّه أبقَى حُكمَ هذه المَواضِعِ على ما وَرَدت عليهِ، وجعلَها مُتغايِرَةَ الأحكامِ، هو ضَربٌ مِنْ الجَمعِ ورَفعٌ لِلتَّعارُضِ بينَ مَفهومِها، ومِن جِهةِ أنَّه عَدَّى مَفهومَ بعضِها دونَ بَعضٍ، وألحَقَ بهِ المَسكوتَ عنه؛ فذلكَ ضَربٌ مِنْ التَّرجيحِ -أعني: أنَّه قاسَ على السُّجودِ الذي قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على الذي بعدَه-، وأمَّا مَنْ لم يَفهَم مِنْ هذه الأفعالِ حُكمًا خارِجًا عنها، وقصرَ حُكمَها على أنفُسِها -وهُم أهلُ الظَّاهرِ- فاقتَصرُوا بالسُّجودِ على هذه المَواضِعِ فَقط، وأمَّا أحمدُ بنُ حَنبَلٍ فجاءَ نَظرُه مُختلِطًا مِنْ نظَرِ أهلِ الظاهِرِ ونَظَرِ أهلِ القِياسِ، وذلكَ أنَّه اقتَصرَ بالسُّجودِ كما قُلنا بعدَ السَّلامِ على المَواضِعِ التي وردَ فيها الأثَرُ، ولم يُعدِّهُ، وعَدَّى السُّجودَ الذي وردَ في المَواضِعِ التي قبلَ السَّلامِ، ولِكُلِّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ أدلَّةٌ يُرجِّحُ بها مَذَهبه مِنْ جِهةِ القِياسِ -أعنِي: لِأصحابِ القِياسِ-، والمَواضِعُ الخَمسةُ التي سَها فيها رَسولُ اللهِ ﷺ أحَدُها: أنَّه قامَ مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ. والثاني: أنَّه سلَّم مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ذي اليَدينِ. والثالِثُ: أنَّه صلَّى خَمسًا على ما في حَديثِ ابنِ عمرَ، خرَجهُ مُسلِمٌ والبُخاريُّ. والرابِعُ: أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاثٍ على ما في حَديثِ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ. والخامِسُ: السُّجودُ عن الشَّكِّ على ما جاءَ في حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، وسيأتي بَعدُ، واختَلَفوا: لماذا يجبُ سُجودُ السَّهوِ؟ فقيلَ: يجبُ
ارجع إلى سجود السهو للاطلاع على جميع المسائل.