سجود السهو

الإسلام > الصلاة > سجود السهو

مسائلُ فقهيةٌ في سجود السهو على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 11 دقيقة قراءة

تعريف سجود السهو وحكمها

باب سُجودِ السَّهوِ

السَّهوُ لُغةً: نِسيانُ الشَّيءِ والغَفلَةُ عنهُ (١).

وسُجودُ السَّهوِ عندَ الفُقهاءِ: هو ما يَكونُ في آخرِ الصَّلاةِ، أو بعدَها؛ لِجَبرِ خَلَلٍ، بِتَركِ بعضِ مَأمورٍ بهِ، أو فِعلِ بعضِ مَنهيٍّ عنه دونَ تَعَمُّدٍ (٢).

حكمُ سُجودِ السَّهوِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ سُجودَ السَّهوِ في الصَّلاةِ مَشروعٌ، وأنَّه إذَا سَها في صَلاتِه جبَر ذلك بسُجودِ السَّهوِ (٣).

إلَّا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل هوَ واجبٌ أو سُنَّةٌ؟

فذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المُعتمَدِ إلى وُجوبِ سُجودِ السَّهوِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: سُجودُ السَّهوِ واجِبٌ لِتَركِ واجِبٍ سَهوًا؛ لأنَّه ضَمانُ فائِتٍ، وهوَ لا يَكونُ إلا واجِبًا؛ لأنَّه شُرِعَ لِنَقصٍ تَمَكَّنَ في الصَّلاةِ ورَفعُهُ واجِبٌ؛ فيَكونُ واجِبًا، ولِقَولهِ : «إذا نَسيَ أحَدُكُم فليَسجُد سَجدتَينِ» (٤)،

(١) «لسانُ العَربِ» مادَّةُ: (سَهَا).
(٢) «الإقناعُ» للشِّربينِيِّ (٢/ ٨٩).
(٣) «الإفصاح» (١/ ١٩٧).
(٤) رواه مُسلِم (٥٧٢).

ولا يجبُ إلا بتَركِ الواجِبِ دونَ السُّنةِ، ووجبَ نَظرًا لِلمَعذورِ بالسَّهوِ، لا لِلمُتعَمِّدِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: سُجودُ السَّهوِ لمَا يُبطِلُ عَمدُهُ الصَّلاةَ واجِبٌ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ خَمسًا؛ فلمَّا انفَتَلَ تَوَشوَشَ القَومُ بينَهُم، فقالَ: ما شَأنُكُم؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ قالَ: لَا، قالوا: فَإِنَّكَ قد صلَّيتَ خَمسًا، فَانفَتَلَ ثم سجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، ثم قالَ: إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ». وفي رِوايةٍ: «فإذا زادَ الرَّجلُ أو نقصَ فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٢).

ولحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «إذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فلم يَدرِ كَمْ صلَّى ثَلاثا أَمْ أَربَعًا؛ فَليَطرَحِ الشَّكَّ وَليَبنِ على ما استَيقَنَ، ثم يَسجُد سَجدتَينِ قبلَ أَنْ يسلِّمَ، فَإِنْ كانَ صلَّى خَمسًا شَفَعنَ له صَلاتَه، وَإِنْ كانَ صلَّى إِتمَامًا لِأَربَعٍ كانَتَا تَرغِيمًا لِلشَّيطَانِ» (٣).

ووَجهُ الدَّلالةِ مِنْ هَذَينِ الحَديثَينِ أنَّهما اشتَمَلا على الأمرِ المُقتَضِي لِلوُجوبِ (٤).

(١) «الاختيار» (١/ ٩٧)، و «الجوهرةُ النَّيِّرةُ» (١/ ٤٦١)، و «حاشية الطَّحطاوي» (١/ ٢٩٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ١٢٥).
(٢) رواهُ مُسلِم (٥٧٢).
(٣) رواهُ مُسلِم (٥٧١).
(٤) «المغني» (٢/ ١٩٥)، و «كشَّاف القناع» (١/ ٤٠٨)، و «منار السبيل» (١/ ١٢٣). و «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٨، ٢٩)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٦).

وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه سُنَّةٌ، لقولِه : «إِذَا شَكَّ أَحدُكُم في صَلاتِه فَليُلقِ الشَّكَّ وَليَبنِ على اليَقِينِ؛ فَإِنِ استَيقَنَ التَّمَامَ سجدَ سَجدتَينِ؛ فَإِنْ كانَت صَلاتُه تَامَّةً كانَتِ الرَّكعَةُ نَافِلَةً (وَالسَّجدَتَانِ نَافِلَةً)، وَإِنْ كانَت نَاقِصَةً كانَتِ الرَّكعَةُ تَمَامًا لِصَلاتِه، وَالسَّجدَتَانِ تُرغِمَانِ أَنفَ الشَّيطَانِ» (١).

ولأنَّه يُفعَلُ جَبرًا لمَا لا يجبُ فلا يجبُ، والبَدلُ إمَّا كمُبدَلِه وإمَّا أخَفُ.

فإن قيلَ: قَولهُ عليه الصلاة والسلام: «وليَسجُد سَجدتَينِ» ظاهرُه الوُجوبُ، ويَعتَضِدُ بجُبرانِ الحَجِّ، أي: فإنَّه واجِبٌ … قيلَ: إنما وجبَ جُبرانُ الحَجِّ لكَونِه بَدلًا من واجِبٍ بخِلافِ هذا، وسَواءٌ في ذلك صَلاةُ الفَرضِ وصَلاةُ النَّفلِ على المَذهبِ عندَ الشافِعيَّةِ، وعنِ القَديمِ قَولٌ: إنَّه لا يُشرعُ في صَلاةِ النَّفلِ؛ لأنَّها أخَفُّ مِنْ الفَرضِ. قِيلَ: ولا يُعرَفُ هذا لِلشافِعيِّ، بَلْ نصَّ في القَديمِ على أنَّه يَسجُدُ لها (٢).

وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقَد فرَّق بينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأفعالِ وبينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأقوالِ وبينَ الزِّيادةِ والنُقصانِ، فقالَ: سُجودُ السَّهوِ الذي يَكونُ لِلأفعالِ الناقِصةِ واجِبٌ، وهو عندَهُ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، هذا في المَشهورِ، وعنه: أنَّ سُجودَ السَّهوِ لِلنُقصانِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواهُ أبو دَاودَ (١٠٢٤)، وابنُ ماجَه (١٢١٠)، وابنُ خُزَيمةَ في «صحيحه» (٢/ ١١٠)، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (٦/ ٣٨٧).
(٢) «المجموع» (٤/ ١٤٤)، و «النجم الوهاج» (٢/ ٢٤٨)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٦٢)، و «كفاية الأخيار» (١٧٢)، و «المغني» (٢/ ١٩٥).

واجِبٌ، وسُجودَ الزِّيادةِ مَندوبٌ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلَفوا في سُجودِ السَّهوِ، هل هوَ فَرضٌ أو سُنَّةٌ؛ فذَهب الشافِعيُّ إلى أنَّه سُنَّةٌ، وَذَهب أبو حَنيفَةَ إلى أنَّه فَرضٌ لكِن مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، وفرَّق مالِكٌ بينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأفعالِ، وبينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأقوالِ وبينَ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ فقالَ: سُجودُ السَّهوِ الذي يَكونُ لِلأفعالِ النَّاقِصةِ واجبٌ. وهوَ عندَهُ مِنْ شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ، هذا في المَشهورِ، وعنهُ: أنَّ سُجودَ السَّهوِ لِلنُّقصانِ واجِبٌ، وسُجودَ الزِّيادةِ مَندوبٌ.

والسَّببُ في اختِلافِهم في حَملِ أفعالِه عليه الصلاة والسلام في ذلك على الوُجوبِ، أو على النَّدبِ؛ فأمَّا أبو حَنيفَةَ فحَمَلَ أفعالَه عليه الصلاة والسلام في السُّجودِ على الوُجوبِ، إذا كانَ هوَ الأصلَ عندَهم؛ إذ جاءَ بَيانًا لِواجِبٍ، كما قالَ عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي»، وأمَّا الشافِعيُّ فحَمَلَ أفعالَه في ذلك على النَّدبِ، وأخرَجها عن الأصلِ بالقياسِ، وذلكَ أنَّه لمَّا كانَ السُّجودُ عندَ الجُمهورِ ليس يَنوبُ عن فَرضٍ، وإنَّما يَنوبُ عن نَدبٍ؛ رَأى أنَّ البَدلَ عما ليس بواجِبٍ ليس هوَ بواجِبٍ. وأمَّا مالِكٌ فتأكَّدت عندَهُ الأفعالُ أكثرَ مِنْ الأقوالِ؛ لكَونِها مِنْ صُلبِ الصَّلاةِ أكثرَ مِنْ الأقوالِ، أعني أنَّ الفُروضَ التي هيَ أفعالٌ أكثرُ مِنْ فُروضِ الأقوالِ؛ فكَأنَّه رَأى أنَّ الأفعالَ آكَدُ مِنْ الأقوالِ، وإن كانَ ليس يَنوبُ سُجودُ السَّهوِ إلا عمَّا كانَ منها ليس بفَرضٍ، وتَفريقُهُ أيضًا بينَ سُجودِ النُّقصانِ والزِّيادةِ على الرِّوايةِ الثانيةِ؛ ليَكونَ سُجودُ النُّقصانِ شُرِعَ بَدلًا

(١) «القَوانينُ الفِقهيَّةُ» (١/ ٥١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٦).

مسائل سجود السهو الفقهية

ارجع إلى الصلاة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله