الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > الصحيح الذي يخاف المرض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةومنها ما لا أثَرَ لِلصَّومِ فيه، كوَجعِ الضِّرسِ وجُرحٍ في الأُصبُعِ والدُّمَّلِ والقُرحةِ اليَسيرةِ والجَرَبِ وأشباهِ ذلك، فلم يَصلُحِ المَرضُ ضابِطًا، وأمكَن اعتبارُ الحِكمةِ وهو ما يُخافُ منه الضَّررُ، فوجَب اعتِبارُه.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ تَحمَّلَ المَريضُ وصامَ مع هذا فقد فعَل مَكروهًا، لِما يَتضمَّنُه من الإضرارِ بنَفسِه، وتَركِه تَخفيفَ اللهِ تَعالى، وقَبولَ رُخصتِه، ويَصحُّ صَومُه ويُجزِئُه؛ لأنَّه عَزيمةٌ ترَكها رُخصةً، فإذا تَحمَّله أجزأه كالمَريضِ الذي يُباحُ له تَركُ الجُمُعةِ إذا حضَرها، والذي يُباحُ له تَركُ القيامِ إذا قامَ فيها (١).
الصَّحيحُ الذي يَخافُ المَرضَ:
تقدَّم أنَّ شِدَّةَ المَرضِ تُجيزُ الفِطرَ لِلمَريضِ إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الصَّحيحِ إذا خافَ الشِّدَّةَ أو التَّعَبَ هل يُباحُ له الفِطرُ أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ عندَهم أنَّ الصَّحيحَ إذا خاف المَرضَ بغَلبةِ الظَّنِّ بأمارةٍ وتَجرِبةٍ أو بإخبارِ طَبيبٍ أنَّ له الفِطرَ.
قال الحَنفيَّةُ: إنْ خاف الصَّحيحُ المَرضَ بغَلبةِ الظَّنِّ بأمارةٍ وتَجرِبةٍ، أو بإخبارٍ مِنْ طَبيبٍ حاذِقٍ مُسلِمٍ مَستورٍ فله الفِطرُ؛ فإنْ خافَه بمُجرَّدِ الوَهمِ فليس له الفِطرُ (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٢١١)، و «الفروع» (٣/ ٢٠)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٨٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٠).
(٢) «الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه» (٢/ ٤٢٢).
وقال الشافِعيَّةُ: مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ فخاف الهَلاكَ لَزِمه الفِطرُ، وإنْ كان صَحيحًا مُقيمًا، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ويَلزمُه القَضاءُ كالمَريضِ.
وإنْ تَعدَّى المَريضُ بفِعلِ ما أمرَضه يُباحُ له تَركُ الصَّومِ، إذا وجَد به ضَررًا شديدًا، لكنَّهم شَرَطوا لِجَوازِ فِطرِه نيَّةَ التَّرخيصِ كما قال الرَّمليُّ واعتمَدَه.
وفرَّقوا بينَ المَرضِ المُطبِقِ وبينَ المَرضِ المُتقطِّعِ: فإنْ كان المَرضُ مُطبِقًا، فله تَركُ النيَّةِ في اللَّيلِ.
وإنْ كان يُحَمُّ ويَنقطِعُ، نُظِرَ: فإنْ كان مَحمومًا وَقتَ الشُّروعِ في الصَّومِ فله تَركُ النيَّةِ، وإلا فعليه أنْ يَنويَ من اللَّيلِ فإنِ احتاجَ إلى الإفطارِ أفطَرَ.
ومِثلُ ذلك: الحَصادُ والبِناءُ والحارِسُ -ولو مُتبرِّعًا- فتَجِبُ عليهم النيَّةُ لَيلًا، ثم إنْ لَحِقتْهم مَشقَّةٌ أفطَروا (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ أنَّ الذي يَخشى المَرضَ بالصِّيامِ كالمَريضِ الذي يُخافُ زيادَتُه في إباحةِ الفِطرِ؛ لأنَّ المَريضَ إنَّما أُبيحَ له الفِطرُ خَوفًا مما يَتجدَّدُ بصيامِه من زِيادةِ المَرضِ وتَطاوُلِه، فالخَوفُ من تَجدُّدِ المَرضِ في مَعناه.
(١) «المجموع» (٧/ ٤٢٣)، و «حاشية قليوبي» (٢/ ٨١)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٦٩).
قال أحمدُ فيمَن به شَهوةٌ غالِبةٌ لِلجِماعِ يَخافُ أنْ تَنشَقَّ أُنثَياه فله الفِطرُ، وقال في الجاريةِ تَصومُ إذا حاضَت؛ فإنْ جهَدها الصَّومُ فلتُفطِرْ ولتَقضِ، يَعني: إذا حاضَت وهي صَغيرةٌ لم تَبلُغْ خَمسَ عَشرةَ سَنةً.
قال القاضي: هذا إذا كانت تَخافُ المَرضَ بالصِّيامِ أُبيحَ لها الفِطرُ وإلا فلا.
فَصلٌ: ومَن أُبيحَ له الفِطرُ لِشِدَّةِ شَبَقِه إنْ أمكَنه استِدفاعُ الشَّهوةِ بغَيرِ جِماعٍ كالاستِمناءِ بيَدِه أو بيَدِ امرأتِه أو جاريَتِه لم يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه فِطرٌ لِلضَّرورةِ، فلَم تُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تَندَفِعُ به الضَّرورةُ كأكلِ المَيتةِ عندَ الضَّرورةِ، وإنْ جامَع فعليه الكَفَّارةُ، وكذلك إنْ أمكَنَه دَفعُها بما لا يُفسِدُ صَومَ غَيرِه كوَطءِ زَوجَتِه أو أمَتِه الصَّغيرةِ أو الكِتابيَّةِ أو مُباشَرةِ الكَبيرةِ المُسلِمةِ دونَ الفَرجِ، أو الاستِمناءِ بيَدِها أو بيَدِه لم يُبَحْ له إفسادُ صَومِ غَيرِه؛ لأنَّ الضَّرورةَ إذا اندَفَعت لم يُبَحْ له ما وراءَها كالشِّبعِ من المَيتةِ إذا اندفَعت الضَّرورةُ بسَدِّ الرَّمقِ، وإنْ لم تَندفِعِ الضَّرورةُ إلا بإفسادِ صَومِ غَيرِه أُبيحَ ذلك؛ لأنَّه مما تَدعو الضَّرورةُ إليه، فأُبيحَ كفِطرِه، وكالحامِلِ والمُرضِعِ تُفطِران خَوفًا على وَلَدَيْهما.
فإنْ كان له امرأتان حائِضٌ وطاهِرةٌ صائِمةٌ ودَعَتْه الضَّرورةُ إلى وَطءِ إحداهما احتمَل وَجهَيْن، أحَدُهما وَطءُ الصائِمةِ أوْلى؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَصَّ على النَّهيِ عن وَطءِ الحائِضِ في كِتابِه، ولأنَّ وَطأها فيه أذًى لا يَزولُ بالحاجةِ إلى الوَطءِ.
والثاني يَتخيَّرُ؛ لأنَّ وَطءَ الصائِمةِ يُفسِدُ صيامَها، فتَتعارَضُ المَفسَدتان فيَتساوَيان (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الصَّحيحَ إذا خافَ الشِّدَّةَ أو التَّعبَ لا يَجوزُ له الفِطرُ، إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وإنْ قيلَ بجَوازِ فِطرِه.
قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: (و) جازَ الفِطرُ (بمَرضٍ خافَ) أي: ظَنَّ لِقَولِ طَبيبٍ عارِفٍ أو تَجرِبةٍ أو لِمُوافِقٍ في المِزاجِ (زيادَتَه أو تَماديَه) بأنْ يَتأخَّرَ البُرءُ، وكذا إنْ حصَل لِلمَريضِ بالصَّومِ شِدَّةُ تَعبٍ بخِلافِ الصَّحيحِ.
قال الدُّسوقيُّ: قَولُه: (بخِلافِ الصَّحيحِ) أي؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وهذا هو المَشهورُ، وسيأتي لِلشارِحِ قَولٌ آخَرُ بجَوازِ فِطرِه، وكذلك لو خاف الصَّحيحُ حُصولَ أصلِ المَرضِ بصَومِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ على المَشهورِ؛ إذ لَعَلَّه لا يَنْزِلُ به المَرضُ إذا صام، وقيل: يَجوزُ له الفِطرُ.
وقال الدَّرديرُ أيضًا: ووجَب الفِطرُ لِمَريضٍ وصَحيحٍ إنْ خاف على نَفسِه بصَومِه هَلاكًا أو شَديدَ أذًى كتَعطيلِ مَنفَعةٍ مِنْ سَمْعٍ أو بَصَرٍ أو غَيرِهما لِوُجوبِ حِفظِ النَّفسِ، وأمَّا الجَهدُ الشَّديدُ فيُبيحُ الفِطرَ لِلمَريضِ، وقيلَ: والصَّحيحُ أيضًا (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٢١١، ٢١٢)، و «الفروع» (٣/ ٢٠)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٨٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٠).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٥٣٥)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصوم
فصل حكم فساد الصوم
الشَّهْوَةَ» .
وَلَوْ عَالَجَ ذَكَرَهُ فَأَمْنَى اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَفْسُدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَفْسُدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ لِوُجُودِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِفِعْلِهِ فَكَانَ جِمَاعًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي امْرَأَتِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ ثُمَّ خَشِيَ الصُّبْحَ فَانْتَزَعَ مِنْهَا فَأَمْنَى بَعْدَ الصُّبْحِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِلَامِ.
وَلَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْقُصُورِ لِسَعَةِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ جَامَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ.
وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ وَنَفِسَتْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَسَدَ صَوْمُهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ، وَالنِّفَاسَ مُنَافِيَانِ لِلصَّوْمِ لِمُنَافَاتِهِمَا أَهْلِيَّةَ الصَّوْمِ شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا إذَا جُنَّ إنْسَانٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ إنَّ صَوْمَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ جَائِزٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجُنُونَ، وَالْإِغْمَاءَ لَا يُنَافِيَانِ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يُنَافِيَانِ النِّيَّةَ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ حُكْمُ فَسَادِ الصَّوْمِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.