الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > المرض الذي يباح له الفطر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوالأصلُ فيه قَولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
واتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ المَريضَ الذي يَخافُ زِيادةً في مَرضِه بالصَّوم أو إبطاءَ البُرءِ أو فَسادَ عُضوٍ، له أن يُفطِرَ ويَقضيَ، بل يُسَنُّ فِطرُه، ويُكرهُ إتمامُه؛ لأنَّه قد يُفضي إلى الهَلاكِ، فيَجِبُ الاحتِرازُ عنه (١).
المَرضُ الذي يُباحُ له الفِطرُ:
قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه نَقلًا عن القاضي عِياضٍ: جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ المَرضَ المُبيحَ لِلفِطرِ هو ما يَشُقُّ معه الصَّومُ، وأباحَه بَعضُهم لِكُلِّ مَريضٍ، هذا آخِرُ كَلامِ القاضي (٢).
وقال النَّوَويُّ رحمة الله عليه أيضًا: المَريضُ العاجِزُ عن الصَّومِ لِمَرضٍ يُرجى زَوالُه، لا يَلزمُه الصَّومُ في الحالِ، ويَلزَمُه القَضاءُ، لِما ذكَره المُصنِّفُ، هذا إذا لَحِقه مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ بالصَّومِ، ولا يُشترَطُ أنْ يَنتهيَ إلى حالةٍ لا يُمكِنُه فيها الصَّومُ، بل قال أصحابُنا: شَرطُ إباحةِ الفِطرِ أنْ يَلحَقَه مَشقَّةٌ يَشُقُّ احتِمالُها، وأمَّا المَرضُ اليَسيرُ الذي لا يَلحَقُه به مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ، لم يَجُزْ له الفِطرُ بلا خِلافٍ عندَنا، خِلافًا لِأهلِ الظاهِرِ.
(١) «الإفصاح» (١/ ٤١١)، و «مراتب الإجماع» لابن حزم ص (٤٠)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٥٠)، و «البدائع» (٦٣٠)، و «مختصر القدوري» (٦٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٦٥)، و «المجموع» (٧/ ٤٢٣)، و «المغني» (٤٠/ ٢١٠).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٨/ ٢١).
قال أصحابُنا: ثم المَرضُ المُجوِّزُ لِلفِطرِ إنْ كان مُطيقًا فله تَركُ النيَّةِ باللَّيلِ، وإنْ كان يُحَمُّ ويَنقَطِعُ، ووَقتُ الحُمَّى لا يَقدِرُ على الصَّومِ، وإذا لم تَكُنْ حُمَّى يَقدِرُ عليها؛ فإنَّ كان مَحمومًا وَقتَ الشُّروعِ في الصَّومِ فله تَركُ النيَّةِ، وإلا فعليه أنْ يَنويَ من اللَّيلِ، ثم إنْ عاد المَرَضُ واحتاجَ إلى الفِطرِ أفطَر، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المَرضُ المُبيحُ لِلفِطرِ هو الشَّديدُ الذي يَزيدُ بالصَّومِ أو يُخشَى تَباطُؤُ بُرئِه، قيلَ لِأحمدَ: متى يُفطِرُ المَريضُ؟ قال: إذا لم يَستطِعْ. قيل: مِثلَ الحُمَّى؟ قال: وأيُّ مَرضٍ أشَدُّ من الحُمَّى.
وحُكي عن بَعضِ السَّلفِ أنَّه أباحَ الفِطرَ بكلِّ مَرضٍ حتى من وَجعِ الإصبَعِ والضِّرسِ لِعُمومِ الآيةِ فيه، ولأنَّ المُسافِرَ يُباحُ له الفِطرُ وإنْ لم يَحتَجْ إليه، فكذلك المَريضُ.
ولنا: أنَّه شاهِدٌ لِلشَّهرِ لا يُؤذيه الصَّومُ فلَزمه كالصَّحيحِ، والآيةُ مَخصوصةٌ بالمُسافِرِ والمَريضِ جَميعًا بدَليلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطرُ في السَّفرِ القَصيرِ والفَرقُ بينَ المُسافِرِ والمَريضِ أنَّ السَّفرَ اعتُبِرت فيه المَظِنَّةُ وهو السَّفرُ الطَّويلُ حيثُ لم يُمكِنِ اعتبارُ الحِكمةِ بنَفسِها.
فإنَّ قَليلَ المَشقَّةِ لا يُبيحُ وكَثيرَها لا ضابِطَ له في نَفسِه، فاعتُبِرت بمَظِنَّتِها وهو السَّفرُ الطَّويلُ، فدارَ الحُكمُ مع المَظِنَّةِ وُجودًا وعَدمًا والمَرضُ لا ضابِطَ له؛ فإنَّ الأمراضَ تَختلِفُ، منها ما يَضُرُّ صاحِبَه الصَّومُ،
(١) «المجموع» (٧/ ٤٢٣)، و «حاشية قليوبي» (٢/ ٨١)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٦٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيام
أحكام من يجوز له الفطر إذا أفطر
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ فَقَطْ وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ وَيُطْعِمَانِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَامِلَ تَقْضِي وَلَا تُطْعِمُ، وَالْمُرْضِعُ تَقْضِي وَتُطْعِمُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ شَبَهِهِمَا بَيْنَ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ، فَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالْمَرِيضِ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْإِطْعَامُ فَقَطْ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة: ١٨٤ الْآيَةَ.
وَأَمَّا مَنْ جَمَعَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَيْنِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَبَهًا فَقَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الْمَرِيضِ، وَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الَّذِينَ يُجْهِدُهُمُ الصِّيَامُ، وَشَبَهِ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُمَا بِالْمُفْطِرِ الصَّحِيحِ لَكِنْ يَضْعُفُ هَذَا، فَإِنَّ الصَّحِيحَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَلْحَقَ الْحَامِلَ بِالْمَرِيضِ، وَأَبْقَى حُكْمَ الْمُرْضِعِ مَجْمُوعًا مِنْ حُكْمِ الْمَرِيضِ وَحُكْمِ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ، أَوْ شَبَّهَهَا بِالصَّحِيحِ.
ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.