تبييت نية الفطر من الليل لمن أراد السفر

الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > تبييت نية الفطر من الليل لمن أراد السفر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

تبييت نية الفطر من الليل لمن أراد السفر - الأقوال والأدلة

تَبييتُ نيَّةِ الفِطرِ من اللَّيلِ لِمَنْ أرادَ السَّفرَ:

قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا في الذي يُريدُ السَّفرَ في رَمضانَ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُبيِّتَ الفِطرَ؛ لأنَّ المُسافِرَ لا يَكونُ مُسافِرًا بالنيَّةِ وإنَّما يَكونُ مُسافِرًا بالنُّهوضِ في سَفرِه أو بالأخذِ في أُهبَتِه، وليست النيَّةُ في السَّفرِ كالنيَّةِ في الإقامةِ؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا نَوى الإقامةَ كان مُقيمًا في الحينِ؛ لأنَّ الإقامةَ لا تَفتَقِرُ إلى عَملٍ، والمُقيمَ إذا نَوى السَّفرَ لم يَكُنْ مُسافِرًا حتى يأخُذَ في سَفرِه ويَبرُزَ عن الحَضرِ فيَجوزَ له حينَئِذٍ تَقصيرُ الصَّلاةِ وأحكامُ المُسافِرِ إلا مِنْ جَعلِ تأهُّبِه لِلسَّفرِ وعَملِه فيه كالسَّفرِ والبُروزِ عن الحَضرِ لَزِمه ألَّا يَجِبَ عليه في أكلِه قبلَ خُروجِه.

وقد أجمَعوا على أنَّه لو مَشى في سَفرِه حتى تَغيبَ بُيوتُ القَريةِ والمِصرِ فنزَل فأكَل ثم أعاقَه عائِقٌ عن النُّهوضِ في ذلك السَّفرِ لم تَلزَمْه كَفَّارةٌ (١).

وَقتُ جَوازِ الفِطرِ لِلمُسافِرِ:

في وَقتِ جَوازِ الفِطرِ لِلمُسافِرِ ثَلاثةُ أحوالٍ:

الحالةُ الأُولى: أنْ يَبدأَ السَّفرَ قبلَ الفَجرِ، أو يَطلُعَ الفَجرُ وهو مُسافِرٌ ويَنويَ الفِطرَ، فيَجوزُ له الفِطرُ إجماعًا؛ لأنَّه ابتَدأ السَّفرَ في زَمانٍ يَجوزُ له الفِطرُ فيه، ولأنَّه مُتَّصِفٌ بالسَّفرِ عندَ وُجودِ سَببِ الوُجوبِ (٢).

(١) «الاستذكار» (٣/ ٣٠٨).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٤٢٨)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٦٩)، و «المجموع» (٧/ ٤٣٢)، و «الدر المختار» (٣/ ١٢٢، ١٢٣)، و «مراقي الفلاح» (٣٦٩)، و «القوانين الفقهية» (٨٢)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤٤٥)، و «حاشية العدوي» (١/ ٥٦٩).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَبدأَ السَّفرَ بعدَ الفَجرِ، بأنْ يَطلُعَ الفَجرُ وهو مُقيمٌ ببَلدِه، ثم يُسافِرَ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ أو في خِلالِ النَّهارِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ له الفِطرُ في هذه الحالةِ أو لا يَجوزُ ويَلزَمُه الإفطارُ؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ ويَلزمُه إتمامُ الصِّيامِ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَختلِفُ بالسَّفرِ والحَضرِ فوجَب إذا ابتَدأها في الحَضرِ ثم طَرأ عليه السَّفرُ أنْ يُغلِّبَ حُكمَ الحَضرِ كالصَّلاةِ والمَسحِ على الخُفَّيْن، ولأنَّه قد خلَط إباحةً بحَظرٍ، ولا بُدَّ من تَغليبِ أحَدِهما في الحُكمِ، فكان تَغليبُ الحَضرِ أوْلى.

ومع ذلك إنْ أفطَر فلا كَفَّارةَ عليه عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ، وذلك لِلشُّبهةِ في آخِرِ الوَقتِ، ولأنَّه لَمَّا سافَر بعدَ الفَجرِ صارَ من أهلِ الفِطرِ، فسقَطت عنه الكَفَّارةُ.

والصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه يَحرُمُ عليه الفِطرُ حتى لو أفطَر بالجِماعِ لَزمتْه الكَفَّارةُ (١).

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والمُزَنيُّ وغَيرُه من الشافِعيَّةِ وحَكاه ابنُ هُبَيرةَ عن المَدنيِّين من أصحابِ مالِكٍ إلى أنَّ مَنْ نَوى الصَّومَ في الحَضرِ ثم سافَر في أثناءِ اليَومِ، طَوعًا أو كَرهًا له الفِطرُ في ذلك اليَومِ بعدَ خُروجِه ومُفارَقتِه بُيوتَ قَريَتِه العامِرةِ، وخُروجِه من بينِ بُنيانِها؛ لِعُمومِ قولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولِحَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ

(١) «التمهيد» (٢٢/ ٥٠)، والمَصادِر السَّابِقة.

حتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ الناسُ معه، فَقِيلَ له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصِّيامُ، وَإِنَّ الناسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ من مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فقال: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (١).

ولِحَديثِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ عَامَ الْفَتْحِ إلى مَكَّةَ في شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حتى مَرَّ بِغَدِيرٍ في الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. قال: فَعَطِشَ الناسُ وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إليه. قال: فَدَعَا رَسولُ اللَّهِ بِقَدَحٍ فيه مَاءٌ فأمسَكَه على يَدِهِ، حتى رَآهُ الناسُ، ثُمَّ شَرِبَ، فَشَرِبَ الناسُ» (٢).

وكذلك حَديثُ عُبَيدِ بنِ جُبَيرٍ قال: «رَكِبْتُ مع أبي بَصْرَةَ الغِفاريِّ صَاحِبِ رَسولِ اللَّهِ في سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، ثُمَّ قال: اقْتَرِبْ، فقُلتُ: أَلَسْتَ بينَ الْبُيُوتِ؟ فقال أبو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عن سُنَّةِ رَسولِ اللَّهِ ؟» (٣).

وكذلك حَديثُ مُحمدِ بنِ كَعبٍ قال: «أَتَيْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فقُلتُ له: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ» (٤).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (١/ ٣٦٦).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٤١٢)، وأحمد (٦/ ٣٩٨).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٧٩٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٧)، والبيهقي (٤/ ٢٤٧).

قال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه بعدَ ذِكرِ هذا الأثَرِ: وفيه حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّز لِلمُسافِرِ الفِطرَ في يَومٍ سافِرٍ في أثنائِه، وهو إحدى الرِّوايتَيْن عن الإمامِ أحمدَ، وقَولُ عَمرِو بنِ شُرَحبيلَ والشَّعبيِّ وإسحاقَ، وحَكاه عن أنَسٍ وهو قَولُ داودَ وابنِ المُنذِرِ.

وقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ.

وهو قَولُ الزُّهريِّ والأوزاعيِّ ومَكحولٍ (١).

وقالوا: ولأنَّ السَّفرَ مَعنًى لو وُجِد لَيلًا واستمَر في النَّهارِ لَأباحَ الفِطرَ، فإذا وُجِد في أثنائِه أباحَه كالمَرضِ؛ ولأنَّه أحَدُ الأمرَيْن المَنصوصِ عليهما في إباحةِ الفِطرِ بهما، فإباحَتُه في أثناءِ النَّهارِ كالآخَرِ (٢).

وقال الذين أباحوه من الشافِعيَّةِ: إنَّه تَغليبٌ لِحُكمِ السَّفرِ (٣).

وقد نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ الأفضَلَ لِمَنْ سافَر في أثناءِ يَومٍ نَوى صَومَه إتمامُ صَومِ ذلك اليَومِ، خُروجًا من خِلافِ مَنْ لم يُبَحْ له الفِطرُ، كما هو مَذهبُ الجُمهورِ، تَغليبًا لِحُكمِ الحَضرِ، كالصَّلاةِ (٤).

(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٧/ ٣٩).
(٢) «المغني» (٤/ ١٤٢، ١٤٦).
(٣) «شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي» (٢/ ٦٤).
(٤) «كشاف القناع» (٢/ ٣١٢)، و «الروض المربع» (١/ ١٣٩)، و «منار السبيل» (١/ ٢٥٨)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٧)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٨٩)، و «مجموع الفتاوي» (٢٥/ ٢١٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب النية في الصوم

باب النية في الصوم

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَجُوزُ لأحدٍ صِيَامُ فرضٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا نَذْرٍ وَلَا كَفَّارَةٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صِيَامُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِجْمَاعًا فَأَمَّا صِيَامُ رَمَضَانَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ زفر بن الهذيل، أَنَّهُ قَالَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) {البقرة: ٨٥) فَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَالَ: وَلِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مُسْتَحَقُّ الصَّوْمِ يَمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ كَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمَّا كَانَ الْفِطْرُ فِيهِمَا مُسْتَحَقًّا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى) {الليل: ١٩، ٢٠) فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُجَازَاةَ لَا تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ الْفَاعِلُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " فَنَفَى الْعَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا بِغَيْرِ نيةٍ " .

وَرَوَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ " .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 554 - 557

ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله