ثالثا: الحمل والرضاع

الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > ثالثا: الحمل والرضاع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

ثالثا: الحمل والرضاع - الأقوال والأدلة

الفَرض قِتالًا -كما يَقولُ الغَزاليُّ-؛ فإنَّه يَترخَّصُ على أظهَرِ القَولَيْن، أو دخَل المُسلِمون أرضَ الحَربِ أو حاصَروا حِصنًا فيها، أو كانت المُحاصَرةُ لِلمِصرِ على سَطحِ البَحرِ؛ فإنَّ لِسَطحِ البَحرِ حُكمَ دارِ الحَربِ (١).

والدَّليلُ على ذلك ما رَواه ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ في رَمَضَانَ وصَامَ حتى إذا بَلَغَ الْكَدِيدَ، الْمَاءَ الذي بينَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ، أَفْطَرَ، فلم يَزَلْ مُفْطِرًا حتى انْسَلَخَ الشَّهْرُ» (٢).

ومَعلومٌ أنَّ الفَتحَ كان لِعَشرٍ بَقينَ من رَمضانَ، فعُلِم أنَّ النَّبيَّ أفطَر بمَكةَ عَشرةَ أيامٍ أو أحَدَ عَشَرَ على اختِلافِ الرِّواياتِ، ولا شَكَّ أنَّ فِطرَه في هذه المُدَّةِ لا يَنفي الفِطرَ فيما زاد عليهما؛ «ولأنَّه أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» (٣).

ونَجِدُ أنَّ الفِطرَ كالقَصرِ الذي نَصُّوا عليه في صَلاةِ المُسافِرِ من حيثُ التَّرخيصُ؛ فإنَّ المُسافِرَ له سائِرُ رُخصِ السَّفرِ (٤).

ثالثًا: الحَملُ والرَّضاعُ:

اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ لِلحامِلِ والمُرضِعِ أنْ تُفطِرا في رَمضانَ، إنْ خافَتا على نَفْسَيْهما أو على وَلَدَيْهما المَرضَ أو زيادَتَه، أو الضَّررَ أو

(١) «الدر المختار» (١/ ٥٢٩)، و «الاختيار» (٨٠)، و «القوانين الفقهية» (٥٩)، و «الإقناع بحاشية البجيرمي» (٢/ ١٥٤)، و «الوجيز» (١/ ٥٨، ٥٩)، و «الروض المربع» (١/ ٩٠).
(٢) أَخرَجه البخاري (٤٢٧٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حبان في «صحيحه» (٦/ ٤٥٦).
(٤) «حاشية البجيرمي على شرح الإقناع» للخطيب (٢/ ١٥٤).

الهَلاكَ، فالوَلدُ من الحامِلِ بمَنزِلةِ عُضوٍ منها، فالإشفاقُ عليه من ذلك كالإشفاقِ منه على بَعضِ أعضائِها (١).

قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: ويَجِبُ (يَعني الفِطرُ) إنْ خافَتا هَلاكًا أو شَديدَ أذًى، ويَجوزُ إنْ خافَتا عليه المَرضَ أو شَديدَ أذًى (٢).

ونَصَّ الحَنابِلةُ على كَراهةِ صَوْمِهما كالمَريضِ (٣).

والدَّليلُ على تَرخيصِ الفِطرِ لهما قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وليس المُرادُ عَينَ المَرضِ؛ فإنَّ المَريضَ الذي لا يَضُرُّه الصَّومُ ليس له أنْ يُفطِرَ، فكان ذِكرُ المَرضِ كِنايةً عن أمرٍ يَضُرُّ الصَّومُ معه وهو مَعنى المَرضِ، وقد وُجِد ههنا فتَدخلان تَحتَ رُخصةِ الإفطارِ (٤).

وقد صرَّح المالِكيَّةُ بأنَّ الحَملَ مَرضٌ حَقيقةً، والرَّضاعَ في حُكمِ المَرضِ وليس مَرضًا حَقيقةً (٥).

(١) «المغني» (٤/ ٢٠٢، ٢٠٣).
(٢) «الشرح الكبير» (١/ ٥٣٦)، و «جواهر الإكليل» (١/ ١٠٣)، و «منح الجليل» (١/ ٤١٠).
(٣) «كشاف القناع» (٢/ ٣١٣)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٩٠).
(٤) «البدائع» (٢/ ٦٣٦).
(٥) «الشرح الكبير» (١/ ٥٣٦)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٦٦).

ومن الأدِلَّةِ أيضًا قَولُ النَّبيِّ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصَّوْمَ أو الصِّيامَ». وفي لَفظٍ: «عَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ» (١).

إلا أنَّ العُلماءَ قد اختَلفُوا في الحامِلِ والمُرضِعِ إذا أفطَرَتا ماذا عليهما؟

وجُملةُ ذلك أنَّ الحامِلَ والمُرضِعَ إذا خافَتا على نَفْسَيْهما أو على وَلدَيْهما فلهما الفِطرُ، وعليهما القَضاءُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّهما بمنزِلةِ المَريضِ الخائِفِ على نَفسِه؛ لأنَّه إذا وجَب الفِطرِ لِلخَوفِ على النَّفسِ، فعندَ عَدمِه أوْلى، لِقَولِ النَّبيِّ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصَّوْمَ أو الصِّيامَ». وفي لَفظٍ: «عَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ» (٢).

فكما أنَّ المُسافِرَ يَجِبُ عليه القَضاءُ إذا أفطَر فكذا الحامِلُ والمُرضِعُ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يَجِبُ عليها الكَفَّارةُ أو لا؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّهما ليس عليهما إلا القَضاءُ فحَسبُ، ولا يَجِبُ عليهما الكَفَّارةُ؛ لأنَّه لا دَليلَ على وُجوبِ الكَفَّارةِ ولأنَّهما بمَنزِلةِ المَريضِ الخائِفِ على نَفسِه وهو لا يَجِبُ عليه الكَفَّارةُ إذا أفطَر.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٣١٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٣١٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 564 - 566

ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله