الإسلام > الصيام > عوارض الإفطار > رابعا: الشيخوخة والهرم والمريض الذي لا يرجى برؤه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوالثاني: لا فِديةَ عليها، قياسًا على المَريضِ بجامِعِ الإباحةِ ولِما تَقدَّم ذِكرُه في الحامِلِ (١).
رابِعًا: الشَّيخوخةُ والهَرمُ والمَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ والمَرأةَ العَجوزَ العاجزَيْن عن الصَّومِ لهما أنْ يُفطِرا ويَدخُلُ في حُكمِهما المَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه.
قال ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ والعَجوزَ العاجزَيْن عن الصَّومِ لهما أنْ يُفطِرا (٢).
قال البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ومَن يَعجِزْ عن الصَّومِ لِكِبَرٍ أو مَرضٍ لا يُرجَى بُرؤُه أفطَر، أي: له ذلك إجماعًا، لِعَدمِ وُجوبِه -أي: الصَّومِ- عليه؛ لأنَّه عاجِزٌ عنه فلا يُكَلَّفُ به (٣).
وقال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: الشَّيخُ الكَبيرُ الذي يُجهِدُه الصَّومُ، أي: يُلحِقُ به مَشقَّةً شَديدةً، والمَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه لا صَومَ عليهما بلا خِلافٍ (٤).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٦٣٦، ٦٣٧)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «الاختيار» (١/ ١٣٥)، و «مختصر القدوري» (٦٣)، و «المبسوط» (٣/ ٩٩، ١٠٠)، و «مختصر الطحاوي» (٥٤)، و «المدونة» (١/ ١٨٦)، و «الإشراف» (٢٠٤)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٦٦)، و «الذخيرة» (٢/ ٥١٥)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤١٢)، و «الأم» (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، و «المجموع» (٧/ ٤٤٢، ٤٤٥)، و «المغني» (٤/ ٢٠٢)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٩٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).
(٢) «الإجماع» (٣٤)، و «القوانين الفقهية» (٨٢).
(٣) «كشاف القناع» (٢/ ٣٠٩).
(٤) «المجموع» (٧/ ٤٢٢)، و «رد المختار» (٢/ ١١٩)، و «مراقي الفلاح» (٣٧٥)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٨٤)، و «الروض المربع» (١/ ١٣٨)، و «المغني» (٤/ ٢٠٤).
لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ولِقَولِه ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ فقد قيل في بَعضِ وُجوهِ التَّأويلِ: إنَّ: «لا» مُضمَرةٌ في الآيةِ، والمَعنى: وعلى الذين لا يُطيقُونَه، كما في قَولِه تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: ألا تَضِلُّوا (١).
وعن عَطاءٍ أنَّه سَمِعَ ابنَ عَباسٍ يَقرأُ هذه الآيةَ فقال ابنُ عَباسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هو الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (٢).
والآيةُ في مَحلِّ الاستِدلالِ، حتى على القَولِ بنَسخِها كما ذهَب إليه الجُمهورُ؛ لأنَّهما إنْ ورَدت في الشَّيخِ الفاني، كما ذهَب إليه بَعضُ السَّلفِ، فظاهِرٌ، وإنْ ورَدت لِلتَّخييرِ فكذلك؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يَثبُتُ في حَقِّ القادِرِ على الصَّومِ، فبَقيَ الشَّيخُ الفاني على حالِه كما كان (٣).
إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قَيَّدوا عَجزَ الشَّيخوخةِ والهَرمِ، بأنْ يَكونَ مُستمِرًّا، فلو لم يَقدِرْ على الصَّومِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مَثلًا، كان لهما أنْ يُفطِرا ويَقضياه في الشِّتاءِ (٤).
(١) «البدائع» (٢/ ٦٣٨).
(٢) أخرجة البخاري (٤٢٣٥).
(٣) «العناية» للبابرتي على «الهداية بهامش فتح القدير» (٢/ ٢٧٧).
(٤) «حاشية الطحطاوي» (١/ ٤٥٣)، و «رد المحتار» (٢/ ١١٩).
إلا أنَّهم قد اختَلفُوا فيما عليهما لو أفطَرا:
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلزمُه الفِديةُ، وهي مُدٌّ مِنْ طَعامٍ لكلِّ يَومٍ، لِقَولِ ابنِ عَباسٍ المُتقدِّمِ.
ولِما رُوي أنَّ أنَسًا رضي الله عنه: «ضَعُفَ عن الصَّوْمِ سَنَةً قبلَ مَوْتِهِ فَأَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عن كلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (١)، ولأنَّ أداءَ الصَّومِ واجِبٌ، فجازَ أنْ يَسقُطُ إلى الكَفَّارةِ.
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولأنَّ الصَّومَ لَمَّا فاتَه مَسَّت الحاجةُ إلى الجابِرِ، وتَعذَّر جَبرُه بالصَّومِ فيُجبَرُ بالفِديةِ وتُجعَلُ الفِديةُ مَثلًا لِلصَّومِ شَرعًا في هذه الحالةِ لِلضَّرورةِ كالقيمةِ في ضَمانِ المُتلَفاتِ (٢).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى عَدمِ وُجوبِ الفِديةِ؛ لأنَّه مُفطِرٌ بعُذرٍ، فلم يَلزمْه إطعامٌ، كالمَريضِ والمُكرَهِ، ولأنَّه مُفطِرٌ لا يَلزمُه القَضاءُ، فلم يَلزمْه إطعامٌ كالطِّفلِ، ولأنَّ القَضاءَ إذا لم يَكُنْ لِاتِّصالِ العُذرِ، لا يَجِبُ بفَواتِه إطعامٌ، كالمَريضِ إذا اتَّصل به المَرضُ إلى أنْ مات، ولأنَّ الإطعامَ في الأُصولِ يَجِبُ في الصِّيامِ لِتأخُّرِ الصَّومِ، أو القَضاءِ، فأمَّا لِسُقوطِه جُملةً فليس في الأُصولِ كالطِّفلِ (٣).
(١) رواه الطحاوي في «شرح المشكل» (٦/ ١٨٨)، والطبراني في «الكبير» (١/ ٢٤٢)، والدارقطني (٢/ ٢٠٧)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٦٤): ورِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ.
(٢) «البدائع» (٢/ ٦٣٨).
(٣) «البدائع» (٢/ ٦٣٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و «الإشراف» (٢٠٤/ ٢٠٥)، و «شرح مختصر خليل للخرشي» (٢/ ٢٤٢)، و «المجموع» (٧/ ٤٢١/ ٤٢٥)، و «المغنى» (٤/ ٢٠٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٧٥)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٨٤)، و «الإفصاح» (١٤٠٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا)
ولأنَّه فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ عن طَرِيقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الهِمِّ ، وخَبَرُهمْ لم يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ، فكانتْ مَوْقُوفَةً على الدَّلِيلِ، كالقَضاءِ، فإنَّ الحَدِيثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا من هاتَيْنِ؛ لأنَّه يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَاجِبَ في إطْعَامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعٍ من تَمْرٍ، أو شَعِيرٍ. والخِلافُ فيه، كالخِلافِ في إطْعامِ المَساكِينِ في كَفَّارَةِ الجِماعِ، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ القَضاءَ لازِمٌ لهما. وقال ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ: لا قَضَاءَ عَليهما؛ لأنَّ الآيةَ تَنَاوَلَتْهُما، وليس فيها إلَّا الإِطْعَامُ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ والمُرْضِعِ الصَّوْمَ" . ولَنا، أنَّهما يُطِيقَانِ القَضاءَ، فَلَزِمَهُما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيةُ أوْجَبَتِ الإطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ لِلْقَضاءِ، فأخَذْنَاهُ من دَلِيلٍ آخَرَ. والمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ في مُدَّةِ عُذْرِهما، كما جاءَ في حَدِيثِ عَمْرِو بن أُمَيَّةَ، عن النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ اللَّه وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ" . ولا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الهِمَّ، لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِرَانِ عليه. قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ. يعنى ولا أقولُ بِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عمرَ في مَنْعِ القَضاءِ.
٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ، وأطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)
ارجع إلى عوارض الإفطار للاطلاع على جميع المسائل.