إذا أكل أو شرب متعمدا هل عليه كفارة أو لا؟

الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > إذا أكل أو شرب متعمدا هل عليه كفارة أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

إذا أكل أو شرب متعمدا هل عليه كفارة أو لا؟ - الأقوال والأدلة

وحَكَوْا عن أبي طَلحةَ أنَّه كان يَتناوَلُ البَرَدَ وهو صائِمٌ ويَبتَلِعُه ويَقولُ: ليس هو بطَعامٍ ولا شَرابٍ، واستدَلَّ أصحابُنا بما ذكَره المُصنِّفُ وبما رَواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ، أو صَحيحٍ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: «إنَّما الوُضوءُ مما يَخرُجُ وليس مما يَدخُلُ، وإنَّما الفِطرُ مما دخَل وليس مما خرَج» (١).

إذا أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل عليه كَفَّارةٌ أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكلَ الصائِمُ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل يَجِبُ عليه الكَفَّارةُ والقَضاءُ أو يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط، وأنَّ الكَفَّارةَ تَجِبُ بسَببِ الجِماعِ فقط؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ من أفطَر مُتعمِّدًا بأكلٍ أو شُربٍ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ الصَّومَ شَرعًا الامتِناعُ من الطَّعامِ والجِماعِ، فإذا ثبَت في وَجهٍ من ذلك شَيءٌ ثبَت في نَظيرِه، والجامِعُ بينَهما انتِهاكُ حُرمةِ الشَّهرِ بما يُفسِدُ الصَّومَ عَمدًا.

إلا أنَّ أبا حَنيفةَ اشترَط في وُجوبِ الكَفَّارةِ أنْ يَكونَ المُتناوِلُ مما يُتغَذَّى به، أو يُتداوى به، فأمَّا إنِ ابتلَع حَصاةً أو نَواةً فلا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ، وعن مالِكٍ فيمَن ابتلَع حَصاةً أو نَحوَها رِوايتان.

والكَفَّارةُ ككَفَّارةِ الظِّهارِ.

(١) «المجموع» (٧/ ٥٢٢).

وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط دونَ الكَفَّارةِ.

قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُهم في جَوازِ قياسِ المُفطِرِ بالأكلِ والشُّربِ على المُفطِرِ بالجِماعِ.

فمَن رأى أنَّ شَبَهَهما فيه واحِدٌ وهو انتِهاكُ حُرمةِ الصَّومِ جعَل حُكمَهما واحِدًا.

ومَن رأى أنَّ الكَفَّارةَ -وإنْ كانت عِقابًا لِانتِهاك الحُرمةِ- أشَدُّ مُناسَبةً لِلجِماعِ منها لِغَيرِه، وذلك أنَّ المَقصودَ بالعِقابِ الرَّدعُ، والعِقابُ الأكبَرُ قد يُوضَعُ لِما إليه النَّفسُ أمْيَلُ، وهو لها أغلَبُ من الجِناياتِ، وإنْ كانت الجِنايةُ مُتقارِبةً، إذ كان المَقصودُ من ذلك التِزامَ الناسِ الشَّرائِعَ، وأنْ يَكونوا أخيارًا عُدولًا، كما قال تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)[البقرة: ١٨٣] قال: هذه الكَفَّارةُ المُغلَّظةُ خاصَّةٌ بالجِماعِ، وهذا إذا كان ممَّن يَرى القياسَ.

وأمَّا مَنْ لا يَرى القياسَ فأمرُه بَيِّنٌ أنَّه ليس يَتعدَّى حُكمَ الجِماعِ إلى الأكلِ والشُّربِ.

وأمَّا ما رَوى مالِكٌ في: «المُوطَّأِ»: أنَّ رَجلًا أفطَر في رَمضانَ فأمَرَه النَّبيُّ بالكَفَّارةِ المَذكورةِ، فليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ قَولَ الراوي: فأفطَر، هو مُجمَلٌ، والمُجمَلُ ليس له عُمومٌ فيُؤخَذُ به، لكنَّ هذا قَولٌ على أنَّ

الراويَ كان يَرى أنَّ الكَفَّارةَ كانت لِمَوضِعِ الإفطارِ، ولولا ذلك لَمَا عَبَّر بهذا اللَّفظِ، ولَذَكر النَّوعَ من الفِطرِ الذي أفطَر به (١).

إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: إنَّما تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ إذا نَوى الصِّيامَ ثم أفطَر، أمَّا مَنْ أصبَح من رَمضانَ لا يَنوي الصَّومَ فأكَل أو شَرِب أو جامَع فعليه قَضاءُ ذلك اليَومِ ولا كَفَّارةَ عليه (٢).

قال الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: (وكذلك إنْ أكَل أو شَرِب مُتعمِّدًا فعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ عندَنا)، وعندَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه: لا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّ سَببَ وُجوبِ الكَفَّارةِ بالنَّصِّ المُواقَعةِ المُعدِمةِ لِلصَّومِ فلو أوجَب بالأكلِ كان بالقياسِ على المُواقَعةِ ولا مَدخَلَ لِلقياسِ في الكَفَّارةِ ألَا تَرى أنَّه لا تُقاسُ دَواعي الجِماعِ على الجِماعِ فيه، ولأنَّ الحُرمةَ تارةً تَكونُ لِأجلِ العِبادةِ، وتارةً لِعَدمِ المِلكِ، ثم ما يَتعلَّقُ بالأكلِ لا يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ متى كانت الحُرمةُ لِعَدمِ المِلكِ، فكذلك العِبادةُ، واستدَلَّ بالحَجِّ؛ فإنَّ ما يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ فيه، وهو فَسادُ النُّسُكِ لا يَتعلَّقُ بسائِرِ المَحظوراتِ، فكذلك الصَّومُ، والجامِعُ أنَّ هذه عِبادةٌ لِلكَفَّارةِ العُظمى فيها فتَختَصُّ بالمُواقَعةِ.

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٤١٤، ٤١٥)، وانظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ٦٣٩) وما بعدها، و «المبسوط» (٣/ ٧٣)، و «الاختيار» (١/ ١٦٦)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «الإشراف» (٢٠٠، ٢٠١)، و «مختصر القدوري» (٦٣)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٢٩)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧)، و «المجموع» (٧/ ٤٥٤، ٥٤٧)، و «المغني» (٤/ ١٧٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٦)، و «شرح السُّنَّة» (٦/ ٢٨٩).
(٢) «البدائع» (٢/ ٦٤٩).

(ولنا) حَديثُ أبي هُرَيرةَ أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسولَ اللهِ، أفطَرتُ في رَمضانَ، فقال: «من غَيرِ مَرَضٍ ولا سَفَرٍ؟»، فقال: نَعَمْ، فقال: «أعتِقْ رَقبةً»، وإنَّما فَهِم رَسولُ اللهِ من سُؤالِه الفِطرَ بما يُحوِجُه إليه كالمَرضِ والسَّفرِ، وذكَر أبو داودَ أنَّ الرَّجلَ قال: شَرِبتُ في رَمضانَ، وقال علِيٌّ رضي الله عنه: «إنَّما الكَفَّارةُ في الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ»، ولأنَّ فِطرَه تَضمَّن هَتكَ حُرمةِ النَّصِّ فكان كالفِطرِ بالجِماعِ.

وبَيانُه أنَّ نَصَّ التَّحريمِ بالشَّهرِ يَتناوَلُ ما يَتناوَلُه نَصُّ الإباحةِ باللَّيالي وهَتكُ حُرمةِ النَّصِّ جِنايةٌ مُتكامِلةٌ ثم نَحنُ لا نُوجِبُ الكَفَّارةَ بالقياسِ، وإنَّما نُوجِبُها استِدلالًا بالنَّصِّ؛ لأنَّ السائِلَ ذكَر المُواقَعةَ وعَيَّنها ليس بجِنايةٍ، بل هو فِعلٌ في مَحلٍّ مَملوكٍ، وإنَّما الجِنايةُ الفِطريَّةُ، فتَبيَّن أنَّ المُوجِبَ لِلكَفَّارةِ فِطرٌ هو جِنايةٌ، ألَا تَرى أنَّ الكَفَّارةَ تُضافُ إلى الفِطرِ، والواجِباتِ تُضافُ إلى أسبابِها؟ والدَّليلُ عليه أنَّه لا تَجِبُ على الناسي لِانعدامِ الفِطرِ، والفِطرُ الذي هو جِنايةٌ مُتكامِلةٌ يَحصُلُ بالأكلِ كما يَحصُلُ بالجِماعِ، ولأنَّه آلةٌ له، وتَعلُّقُ الحُكمِ بالسَّببِ لا بالآلةِ، ثم إيجابُه في الأكلِ أوْلى؛ لأنَّ الكَفَّارةَ أُوجِبت زاجِرةً، ودُعاءُ الطَّبعِ في وَقتِ الصَّومِ إلى الأكلِ أكثَرُ منه إلى الجِماعِ، والصَّبرُ عنه أشَدُّ، فإيجابُ الكَفَّارةِ فيه أوْلى كما أنَّ حُرمةَ التَّأفيفِ تَقتَضي حُرمةَ الشَّتمِ بطَريقِ الأوْلى، ثم لِأجلِ العِبادةِ استَوى حُرمةُ الجِماعِ وحُرمةُ الأكلِ، بخِلافِ حالِ عَدمِ المِلكِ؛ فإنَّ حُرمةَ الجِماعِ أغلَظُ حتى تَزيدَ حُرمةُ الجِماعِ على حُرمةِ الأكلِ، وبخِلافِ الحَجِّ، فإنَّ حُرمةَ الجِماعِ فيه أقوى، حتى لا يَرتَفِعَ بالحَلقِ.

والدَّليلُ على المُساواةِ هنا فَصلُ الناسي؛ فقد جَعلْنا النَّصَّ الوارِدَ في الأكلِ حالَ النِّسيانِ كالوارِدِ في الجِماعِ، فكذلك يَجعَلُ النَّصَّ الوارِدَ في إيجابِ الكَفَّارةِ بالمُواقَعةِ كالوارِدِ في الأكلِ، والدَّواعي تَبَعٌ فلا تَتكامَلُ به الجِنايةُ.

ثم حاصِلُ المَذهَبِ عندَنا أنَّ الفِطرَ متى حصَل بما يُتغَذَّى به أو يُتداوَى به تَتعلَّقُ الكَفَّارةُ به زَجرًا؛ فإنَّ الطِّباعَ تَدعو إلى الغِذاءِ وكذلك إلى الدَّواءِ لِحِفظِ الصِّحَّةِ أو إعادَتِها.

فأمَّا إذا تَناوَل ما لا يُتغَذَّى به كالتُّرابِ والحَصاةِ يَفسُدُ صَومُه إلا على قَولِ بَعضِ من لا يُعتمَدُ على قَولِه؛ فإنَّه يَقولُ: حُصولُ الفِطرِ بما يَكونُ به اقتِضاءُ الشَّهوةِ.

ولكنَّا نَقولُ: رُكنُ الصَّومِ الكَفُّ عن إيصالِ الشَّيءِ إلى باطِنِه، وقد انعَدَم ذلك بتَناوُلِ الحَصاةِ ثم لا كَفَّارةَ عليه إلا على قَولِ مالِكٍ رَحمه اللهُ تَعالى؛ فإنَّه قال: هو مُفطِرٌ غَيرُ مَعذورٍ، قال: وجِنايَتُه هنا أظهَرُ؛ إذ لا غَرضَ له في هذا الفِعلِ سِوى الجِنايةِ على الصَّومِ بخِلافِ ما يُتغذَّى به.

ولكنَّا نَقولُ: عَدمُ دُعاءِ الطَّبعِ إليه يُغني عن إيجابِ الكَفَّارةِ فيه زاجرًا كما لم نُوجِبِ الحَدَّ في شُربِ الدَّمِ والبَولِ بخِلافِ الخَمرِ، ثم تَمامُ الجِنايةِ بانعِدامِ رُكنِ الصَّومِ صُورةً ومَعنًى فانعِدامُ مَعنى ما يَحصُلُ به اقتِضاءُ الشَّهوةِ إذا انعَدَم لم تَتمَّ الجِنايةُ وفي النُّقصانِ شُبهةُ العَدمِ، والكَفَّارةُ تَسقُطُ بالشُّبهةِ (١).

(١) «المبسوط» (٣/ ٧٣، ٧٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٤٨٩ - مسألة؛ قال: (ومن أكل أو شرب، أو احتجم، أو استعط، أو أدخل إلى جوفه شيئا من أى موضع كا

ما يُنَافِى الصَّوْمَ، من الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصَّوْمِ، فتَزُولُ بِزَوَالِه، كما لو زَالَ بمَجِىءِ اللَّيْلِ.

فصل: وليس لِلْمُسَافِرِ أن يَصُومَ في رمضانَ عن غيرِه، كالنَّذْرِ والقَضاءِ؛ لأنَّ الفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وتَخْفِيفًا عنه، فإذا لم يُرِدِ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه، لَزِمَه أن يَأْتِىَ بالأصْلِ. فإنْ نَوَى صَوْمًا غيرَ رمضانَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا عن رمضانَ، ولا عن ما نَوَاهُ. هذا الصَّحِيحُ في المذهبِ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ ما نَوَاهُ إذا كان وَاجِبًا ؛ لأنَّه زَمَنٌ أُبِيحَ له فِطْرُه، فكان له صَوْمُه عن واجِبٍ عليه، كغيرِ شهرِ رمضانَ. ولَنا، أنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ لِلْعُذْرِ، فلم يَجُزْ له أن يَصُومَه عن غيرِ رمضانَ، كالمَرِيضِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، ويُنْقَضُ أيضا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فإنَّهم سَلَّمُوه. قال صالِحٌ: قِيلَ لأبي: منَ صامَ شهرَ رمضانَ، وهو يَنْوِى به تَطَوُّعًا، يُجْزِئُه؟ قال: أو يَفْعَلُ هذا مُسْلِمٌ!

٤٨٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ، أو احْتَجَمَ، أو اسْتَعَطَ، أو أَدخَلَ إلَى جَوْفِه شِيْئًا مِنْ أىِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى، أوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أىَّ ذلِكَ فَعَلَ عَامِدًا، وهو ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، إِذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 474 - 478

ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله