الحجامة للصائم

الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > الحجامة للصائم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحجامة للصائم - الأقوال والأدلة

وقال الأوزاعيُّ وأبو ثَورٍ: عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ مِثلَ كَفَّارةِ الآكِلِ عامِدًا في رَمضانَ، وهو قَولُ عَطاءٍ، واحتَجُّوا بحَديثِ الأوزاعيِّ عن يَعيشَ بنِ الوَليدِ بنِ هِشامٍ أنَّ أباه حَدَّثه قال: حَدَّثنا مَعدانُ بنُ طَلحةَ أنَّ أبا الدَّرداءِ حَدَّثه: «أنَّ رَسولَ اللهِ قاءَ فأفطَرَ»، قالوا: وإذا كان القَيءُ يُفطِرُ الصائِمَ فعلى مَنْ تَعمَّده ما على مَنْ تَعمَّد الأكلَ والشُّربَ والجِماعَ القَضاءُ والكَفَّارةُ، وتأوَّل الفُقهاءُ هذا الحَديثَ قالوا: مَعنى قاء: استَقاءَ، قال الطَّحاويُّ: ويَجوزُ أنْ يَكونَ قَولُه: «قاءَ فأفطَر»: قاءَ فضَعُفَ فأفطَر، وقد يَجوزُ هذا في اللُّغةِ، وقد رَوى هذا المَعنى مُحمدُ بنُ إسحاقَ، عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبي مَرزوقٍ، عن فَضالةَ بنِ عُبَيدٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ دَعا بإناءٍ فشَرِب، فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا يَومٌ كُنْتَ تَصومُه، قال: «أجَلْ، إنِّي قِئتُ فأفطَرتُ»، وهذا مَعناه: ولكِنِّي قِئتُ فضَعُفتُ عن الصِّيامِ فأفطَرتُ، وليس في هذَيْن الحَديثَيْن دَليلٌ على أنَّ القَيءَ كان مُفطِرًا له، إنَّما فيهما أنَّه قاءَ فأفطَر بعدَ ذلك (١).

١٧ - الحِجامةُ لِلصائِمِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الصائِمِ إذا احتجَم هل يُفطِرُ بذلك أو لا؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ (الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ) إلى أنَّ الحِجامةَ لا تُفطِرُ الصائِمَ، لِما رَواه ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ» (٢).

(١) «شرح صحيح البخاري» (٤/ ٨٠، ٨١).
(٢) أَخرَجه البخاري (١٩٣٩).

ولِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه قال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْخَصَ في الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» (١).

وعن ثابِتٍ أنَّه قال لِأنسِ بنِ مالِكٍ: «أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ على عَهْدِ النَّبيِّ ؟ قال: لَا، إلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (٢). ولأنَّه دَمٌ خارِجٌ من البَدنِ فأشبَهَ الفَصدَ.

قالوا: ويُحمَلُ قَولُ النَّبيِّ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٣) على المَجازِ بمَعنى أنَّه سيَؤُولُ أمرُهما إلى الفِطرِ، وممَّا يُؤيِّدُ هذا ما رَواه أبو داودَ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى عن رَجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ : «نَهى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ ولم يُحَرِّمْهَا إِبْقَاءً على أَصْحَابِهِ … » (٤).

فدَلَّ على أنَّه إنَّما كَرِه ذلك في حَقِّ مَنْ كان يَضعُفُ به ويُؤكِّدُه حَديثُ ثابِتٍ المُتقدِّمُ أنَّه قال لِأنَسٍ: «أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ على عَهْدِ النَّبيِّ ؟ قال: «لَا، إلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (٥).

(١) رواه النسائي في «الكبرى» (٣٢٤١)، والدارقطني (٢/ ١٨٢)، والبيهقي (٤/ ٢٦٤)، وقال ابن حزم في «المحلي» (٦/ ٢٠٤): وإسنادُه صحيحٌ. وانظر: «الإرواء» (٤/ ٧٤).
(٢) رواه البخاري (١٩٤٠).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٦٧)، والترمذي (٧٧٤).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٧٤).
(٥) «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٦٨)، و «المبسوط» (٣/ ٥٧)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٧)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣٠)، و «الاستذكار» (٣/ ٣٢٤)، وما بعدها، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٣٥)، و «منح الجليل» (٢/ ١٤٥)، و «الذخيرة» (٢/ ٥٠٦)، و «المجموع» (٧/ ٥٩٠، ٥٧٨)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤١٣)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩١).

وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّ الحِجامةَ تُفطِرُ الحاجِمَ والمَحجومَ؛ لِقَولِ النَّبيِّ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١).

قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: الفِطرُ بالحِجامةِ على وَفقِ الأُصولِ والقياسِ من جِنسِ الفِطرِ بدَمِ الحَيضِ والاستِقاءةِ وبالاستِمناءِ، وإذا كان كذلك فبأيِّ وَجهٍ أراد إخراجَ الدَّمِ أفطَرَ كما أنَّه بأيِّ وَجهٍ أخرَج القَيءَ أفطَرَ سَواءٌ جذَب القَيءَ بإدخالِ يَدِه أو بشَمِّ ما يُقيئُه، أو وَضعِ يَدِه تحتَ بَطنِه واستِخراجِ القَيءِ، فتلك طُرُقٌ لِإخراجِ القَيءِ وهذه طُرُقٌ لِإخراجِ الدَّمِ، ولِهذا كان خُروجُ الدَّمِ بهذا، وهذا سَواءٌ في (بابِ الطَّهارةِ) فتَبيَّن بذلك كَمالُ الشَّرعِ واعتِدالُه وتَناسُبُه، وأنَّ ما ورَد من النُّصوصِ ومَعانيها؛ فإنَّ بَعضَه يُصدِّقُ بَعضًا ويُوافِقُه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)[النساء: ٨٢].

وأمَّا الحاجِمُ؛ فإنَّه يَجتذِبُ الهَواءَ في القارورةِ بامتِصاصِه، والهَواءُ يَجتذِبُ ما فيها، فرُبَّما صَعِد مع الهَواءِ شَيءٌ من الدَّمِ ودخَل في حَلقِه وهو لا يَشعُرُ، والحِكمةُ إذا كانت خَفيَّةً أو مُنتشِرةً عُلِّقَ الحُكمُ بالمَظنَّةِ كما أنَّ النائِمَ الذي تَخرُجُ منه الرِّيحُ ولا يَدري يُؤمَرُ بالوُضوءِ، فكذلك الحاجِمُ يَدخُلُ شَيءٌ من الدَّمِ مع رِيقِه إلى بَطنِه وهو لا يَدري والدَّمُ من أعظَمِ المُفطِراتِ؛ فإنَّه حَرامٌ في نَفسِه لِما فيه من طُغيانِ الشَّهوةِ والخُروجِ عن العَدلِ والصائِمُ أُمِرَ بحَسمِ مادَّتِه فالدَّمُ يَزيدُ الدَّمَ فهو من جِنسِ المَحظورِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٦٧)، والترمذي (٧٧٤)، وأبو داود (٢٣٦٧).

فيُفطِرُ الحاجِمُ لِهذا كما يَنتَقِضُ وُضوءُ النائِمِ وإنْ لم يَستيقِنْ خُروجَ الرِّيحِ منه؛ لأنَّه يَخرُجُ ولا يَدري، وكذلك الحاجِمُ قد يَدخُلُ الدَّمُ في حَلقِه وهو لا يَدري، وأمَّا الشارِطُ فليس بحاجِمٍ، وهذا المَعنى مُنتَفٍ فيه، فلا يُفطِرُ الشارِطُ، وكذلك لو قُدِّر حاجِمٌ لا يَمُصُّ القارَورةَ بل يَمتَصُّ غَيرَها أو يأخُذُ الدَّمَ بطَريقٍ أُخرى لم يُفطِرْ.

والنَّبيُّ كَلامُه خرَج على الحاجِمِ المَعروفِ المُعتادِ، وإذا كان اللَّفظُ عامًّا وإنْ كان قَصدُه شَخصًا بعَينِه فيَشترِكُ في الحُكمِ سائِرُ النَّوعِ لِلعادةِ الشَّرعيَّةِ من أنَّ ما ثبَت في حَقِّ الواحِدِ من الأُمَّةِ ثبَت في حَقِّ الجَميعِ فهذا أبلَغُ، فلا يَثبُتُ بلَفظِه ما يَظهَرُ لَفظًا ومَعنًى أنَّه لم يَدخُلْ فيه مع بُعدِه عن الشَّرعِ والعَقلِ واللهُ أعلَمُ (١).

وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الحِجامةُ؛ فإنَّ فيها ثَلاثةَ مَذاهِبَ، قَومٌ قالوا: إنَّها تُفطِرُ وإنَّ الإمساكَ عنها واجِبٌ، وبه قال أحمدُ وداودُ والأوزاعيُّ وإسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ، وقَومٌ قالوا: إنَّها مَكروهةٌ لِلصَّائِمِ وليست تُفطِرُ، وبه قال مالِكٌ والشافِعيُّ والثَّوريُّ، وقَومٌ قالوا: إنَّها غَيرُ مَكروهةٍ ولا مُفطِرةٍ، وبه قال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ.

(١) «مجموع الفتاوي» (٢٥/ ٢٥٨، ٢٥٧)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٦٨)، و «المبسوط» (٣/ ٥٧)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣٠)، و «الاستذكار» (٣/ ٣٢٤) وما بعدها، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٣٥)، و «منح الجليل» (٢/ ١٤٥)، و «الذخيرة» (٢/ ٥٠٦)، و «المجموع» (٧/ ٥٩٠، ٥٧٨)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤١٣)، و «المغني» (٤/ ١٥٥)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٩)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩١).

وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، وذلك أنَّه ورَد في ذلك حَديثان، أحَدُهما ما رُوي من طَريقِ ثَوبانَ ومِن طَريقِ رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».

وحَديثُ ثَوبانَ هذا كان يُصحِّحُه أحمدُ.

والحَديثُ الثاني حَديثُ عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ : «احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ».

وحَديثُ ابنِ عَباسٍ هذا صَحيحٌ، فذهَب العُلماءُ في هذَيْن الحَديثَيْن ثَلاثةَ مَذاهبَ:

أحَدُها: مَذهَبُ التَّرجيحِ.

والثاني: مَذهَبُ الجَمعِ.

والثالِثُ: مَذهَبُ الإسقاطِ عندَ التَّعارُضِ والرُّجوعِ إلى البَراءةِ الأصليَّةِ إذا لم يَعلَمِ الناسِخَ من المَنسوخِ.

فمَن ذهَب مَذهبَ التَّرجيحِ قال بحَديثِ ثَوبانَ، وذلك أنَّ هذا مُوجِبٌ حُكمًا، وحَديثُ ابنِ عَباسٍ رافِعُه، والمُوجِبُ مُرجَّحٌ عندَ كَثيرٍ من العُلماءِ على الرافِعِ؛ لأنَّ الحُكمَ إذا ثبَت بطَريقٍ يُوجِبُ العَملَ لم يَرتفِعْ إلا بطَريقٍ يُوجِبُ العَملَ برَفعِه، وحَديثُ ثَوبانَ قد وجَب العَملُ به، وحَديثُ ابنِ عَباسٍ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ ناسِخًا ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا، وذلك شَكٌّ والشَّكُّ لا يُوجِبُ عَملًا ولا يَرفَعُ العِلمَ المُوجِبَ لِلعَملِ، وهذا على طَريقةِ مَنْ لا يَرى الشَّكَّ مُؤثِّرًا في العِلمِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 517 - 521

ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
لا إله إلا الله