الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > الصائم إذا فكر فأنزل منيا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالشَّرعُ، وقد ورَد الشَّرعُ بإيجابِ الكَفَّارةِ في الجِماعِ، وما سِواه ليس في مَعناه: لأنَّ الجِماعَ أغلَظُ، ولِهذا يَجِبُ به الحَدُّ في مِلكِ الغَيرِ، ولا يَجِبُ فيما سِواه، فبَقيَ على الأصلِ، وإنْ بلَغ ذلك السُّلطانَ عَزَّره؛ لأنَّه مُحرَّمٌ ليس فيه حَدٌّ ولا كَفَّارةٌ، فثبَت به التَّعزيرُ كالمُباشِرِ فيما دونَ الفَرجِ من الأجنَبيَّةِ؛ ولأنَّ الكَفَّارةَ تَفتقِرُ إلى كَمالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها تَندَرِئُ بالشُّبُهاتِ كالحُدودِ.
وقال الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه إنزالٌ عن مُباشَرةٍ أشبَهَ الإنزالَ عن جِماعٍ (١).
١٢ - الصائِمُ إذا فكَّر فأنزَلَ مَنيًّا:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ فكَّر فأنزَلَ صَومُه صَحيحٌ.
لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢).
ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطرِ به ولا إجماعَ، ولا يُمكِنُ قياسُه على المُباشَرةِ ولا تَكرارِ النَّظرِ؛ لأنَّه دونَهما في استِدعاءِ الشَّهوةِ وإفضائِه إلى الإنزالِ،
(١) «حاشية الطحطاوي» (١/ ٤٣٧)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٣٥٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧)، و «الإشراف» ص (٢٠٢)، والإفصاح» (١/ ٣٩٤)، و «المجموع» (٧/ ٥٢٩، ٥٣٢)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٤٣٦)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٠١)، و «المغني» (٤/ ١٧٠)، و «المدونة» (١/ ١٩٩).
(٢) رواه البخاري (٤٩٦٨)، وقد رُوي بلفظِ: «عُفِيَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما حَدَّثَت به أَنْفُسَها ما لم تَعْمَلْ أو تَتَكَلَّمْ».
ويُخالِفُهما في التَّحريمِ إذا تَعلَّق ذلك بالأجنبيَّةِ أو الكَراهةِ إنْ كان في زَوجةٍ فيَبقَى على الكَراهةِ.
ونقَل الإمامُ النَّوَويُّ عن صاحِبِ الحاوي «الماوَرديِّ» قَولَه: أمَّا إذا فكَّر بقَلبِه من غَيرِ نَظرٍ فتَلذَّذ فأنزَلَ، فلا قَضاءَ عليه، ولا كَفَّارةَ بالإجماعِ، قال: وإذا كرَّر النَّظرَ فأنزَل أثِمَ، وإنْ لم يَجِبِ القَضاءُ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وأبو حَفصٍ البَرمَكيُّ وهو اختيارُ ابنِ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ إلى أنَّ مَنْ فكَّر فأنزَل فسَد صَومُه ويَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لأنَّ الفِكرةَ تُستحضَرُ، فتَدخُلُ تحتَ الاختيارِ، بدَليلِ تأثيمِ صاحبِها في مُساكَنتِها في بِدعةٍ أو كُفرٍ، ومَدَح اللهُ ﷾ الذين يَتفكَّرون في خَلقِ السَّمواتِ والأرضِ، ونَهى النَّبيَّ ﷺ عن التَّفكُّرِ في ذاتِ اللهِ، وأمَرَ بالتَّفكُّرِ في آلائِه، ولو كان غَيرَ مَقدورٍ عليها لم يَتعلَّقْ ذلك بها، كالاحتِلامِ (٢).
وحاصِلُ مَذهَبِ المالِكيَّةِ أنَّه إنْ أمْنَى بمُجرَّدِ الفِكرِ أو النَّظرِ من غَيرِ استِدامةٍ لهما فلا كَفَّارةَ قَطعًا، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إلا أنْ يَكونَ ذلك غَلبةً ويَعسُرَ عليه فلا قَضاءَ أيضًا لِلمَشقَّةِ، وإنِ استَدامَهما حتى أنزَل؛ فإنْ كانت عادَتُه الإنزالَ بهما عندَ الاستِدامةِ فالكَفَّارةُ قَطعًا، وإنْ كانت عادَتُه عَدَمَ الإنزالِ بهما عندَ الاستِدامةِ فخالَفَ عادَتَه وأمْنى فقَولانِ أظهَرُهما سُقوطُ الكَفَّارةِ (٣).
(١) «المجموع» (٧/ ٥٣٢)، ويُنظَر: «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «المغني» (٤/ ١٦٩)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٩٤).
(٢) «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧)، و «المغني» (٤/ ١٦٩)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٩٤).
(٣) «التاج والإكليل» (٤/ ٤٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ١٥٩)، و «تحبير المختصر» (١/ ٦٥٧)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٣٦٩)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٥٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٤٨٩ - مسألة؛ قال: (ومن أكل أو شرب، أو احتجم، أو استعط، أو أدخل إلى جوفه شيئا من أى موضع كا
ما يُنَافِى الصَّوْمَ، من الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصَّوْمِ، فتَزُولُ بِزَوَالِه، كما لو زَالَ بمَجِىءِ اللَّيْلِ.
فصل: وليس لِلْمُسَافِرِ أن يَصُومَ في رمضانَ عن غيرِه، كالنَّذْرِ والقَضاءِ؛ لأنَّ الفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وتَخْفِيفًا عنه، فإذا لم يُرِدِ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه، لَزِمَه أن يَأْتِىَ بالأصْلِ. فإنْ نَوَى صَوْمًا غيرَ رمضانَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا عن رمضانَ، ولا عن ما نَوَاهُ. هذا الصَّحِيحُ في المذهبِ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ ما نَوَاهُ إذا كان وَاجِبًا ؛ لأنَّه زَمَنٌ أُبِيحَ له فِطْرُه، فكان له صَوْمُه عن واجِبٍ عليه، كغيرِ شهرِ رمضانَ. ولَنا، أنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ لِلْعُذْرِ، فلم يَجُزْ له أن يَصُومَه عن غيرِ رمضانَ، كالمَرِيضِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، ويُنْقَضُ أيضا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فإنَّهم سَلَّمُوه. قال صالِحٌ: قِيلَ لأبي: منَ صامَ شهرَ رمضانَ، وهو يَنْوِى به تَطَوُّعًا، يُجْزِئُه؟ قال: أو يَفْعَلُ هذا مُسْلِمٌ!
٤٨٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ، أو احْتَجَمَ، أو اسْتَعَطَ، أو أَدخَلَ إلَى جَوْفِه شِيْئًا مِنْ أىِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى، أوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أىَّ ذلِكَ فَعَلَ عَامِدًا، وهو ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، إِذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا)
ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.