الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > حكم من سمع النداء والإناء على فمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةفمَن عارَضه بالقياسِ على الصَّلاةِ أدخَلَ قاعِدةً في قاعِدةٍ، ولو فُتِح بابُ رَدِّ الأحاديثِ الصَّحيحةِ بمِثلِ هذا لَما بَقيَ من الحَديثِ إلا القَليلُ.
وفي الحَديثِ لُطفُ اللهِ ﷾ بعِبادِه والتَّيسيرُ عليهم ورَفعُ المَشقَّةِ والحَرجِ عنهم، وقد رَوى أحمدُ لِهذا الحَديثِ سَببًا فأخرَج من طَريقِ أُمِّ حَكيمٍ بنتِ دِينارٍ عن مَولاتِها أُمِّ إسحاقَ أنَّها كانت عندَ النَّبيِّ ﷺ فأتى بقَصعةٍ من ثَريدٍ فأكلَت معه، ثم تَذكَّرت أنَّها كانت صائِمةً، فقال لها ذو اليَدَيْن: الآنَ بعدَما شَبِعتِ؟ فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «أتِمِّي صَومَكِ؛ فإنَّما هو رِزقٌ ساقَه اللهُ إليكِ»، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ فرَّق بينَ قَليلِ الأكلِ وكَثيرِه.
ومِن المُستَظرَفاتِ ما رَواه عَبدُ الرَّزاقِ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنَّ إنسانًا جاء إلى أبي هُرَيرةَ فقال: أصبَحتُ صائِمًا فنَسيتُ فطَعِمتُ، قال: لا بأسَ، قال: ثم دَخلتُ على إنسانٍ فنَسيتُ وطَعِمتُ وشَرِبتُ، قال: لا بأسَ، اللهُ أطعَمَكَ وسَقاكَ، ثم قال: دَخلتُ على آخَرَ فنَسيتُ فطَعِمتُ، فقال أبو هُرَيرةَ: أنتَ إنسانٌ لم تَتعَوَّدِ الصِّيامَ (١).
حُكمُ مَنْ سَمِع النِّداءَ والإناءُ على فَمِه:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وحَكاه البَيهَقيُّ والنَّوَويُّ عن عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّ الإنسانَ إنْ سَمِع النِّداءَ الثانيَ أو دخَل وَقتُ الفَجرِ الصادِقِ وكان يأكُلُ فليَقذِفْ ما في فَمِه ولا يَبتَلِعْه، وكذا إذا كان الإناءُ على فَمِه؛
(١) «فتح الباري» (٤/ ١٥٦، ١٥٧).
فإنَّه يُزيلُه عن فَمِه إذا سَمِعَ النِّداءَ ولْيُتِمَّ صَومَه، وأمَّا الحَديثُ الذي رَواه أبو هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ وَالإِنَاءُ على يَدِهِ فلا يَضَعْهُ حتى يَقضِيَ حاجَتَهُ منه» (١)، وفي رِوايةٍ: «وكان المُؤَذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بَزَغَ الفَجْرُ» (٢)، فالمُرادُ بالنِّداءِ أذانُ بِلالٍ الأولِ، لِقَولِه ﷺ: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، والإناءُ مَرفوعٌ على أنَّه مُبتدَأٌ وخَبَرُه ما بَعدَه.
أو يَكونُ المُرادُ منه أنَّ تَحريمَ الأكلِ مُتعلِّقٌ بالفَجرِ لا بالأذانِ؛ فإنَّ المُؤذِّنَ قد يُبادِرُ بالأذانِ قبلَ الفَجرِ، فلا عِبرةَ بالأذانِ إذا لم يَعلَمْ بطُلوعِ الفَجرِ، وهذا الحُكمُ لِلعارِفينَ بالفَجرِ، وأمَّا العَوامُّ الذين لا يَعرِفونَ فعليهم بالاحتياطِ.
قال الإمامُ البَيهَقيُّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ساقَ الحَديثَ: وهذا إنْ صحَّ فهو مَحمولٌ عندَ عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّه ﷺ عَلِم أنَّ المُناديَ كان يُنادي قبلَ طُلوعِ الفَجرِ بحيث يَقَعُ شُربُه قُبَيلَ طُلوعِ الفَجرِ، وقَولُ الراوي: وكان المُؤذِّنون يُؤذِّنون إذا بزَغ، يَحتمِلُ أنْ يَكونَ خَبرًا مُنقطِعًا ممَّن دون أبي هُرَيرةَ، أو يَكونَ خَبرًا عن الأذانِ الثاني، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه»، خَبرًا عن النِّداءِ الأولِ (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٥٠)، وأحمد (١٠٦٣٧)، والحاكم في «المستدرك» (٧٩٢)، والبيهقي (٧٨٠٩).
(٢) رواه أحمد (١٠٦٣٧)، والبيهقي (٧٨١٠).
(٣) «سنن البيهقي» (٤/ ٢١٨).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ: ذكَرنا أنَّ من طلَع الفَجرُ وفي فيه طَعامٌ فليَلفِظْه ويُتِمَّ صَومَه؛ فإنِ ابتلَعه بعدَ عِلمِه بالفَجرِ بطَل صَومُه، وهذا لا خِلافَ فيه. ودَليلُه حَديثُ ابنِ عُمَرَ وعائِشةَ رضي الله عنهم أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ. وفي الصَّحيحِ أحاديثُ بمَعناه.
وأمَّا حَديثُ أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه فلا يَضَعْه حتى يَقضيَ حاجَتَه منه»، وفي رِوايةٍ «وكان المُؤذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بزَغ الفَجرُ» فرَوى الحاكِمُ أبو عَبدِ اللهِ الرِّوايةَ الأُولى وقال: هذا صَحيحٌ على شَرطِ مُسلِمٍ.
ورَواهما البَيهَقيُّ ثم قال: وهذا إنْ صَحَّ مَحمولٌ عندَ عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّه ﷺ عَلِم أنَّه يُنادَى قبلَ طُلوعِ الفَجرِ بحيث يَقعُ شُربُه قُبَيلَ طُلوعِ الفَجرِ، قال: وقَولُه: «إذا بزَغ» يَحتمِلُ أنْ يَكونَ من كَلامِ مَنْ دونَ أبي هُرَيرةَ، أو يَكونَ خَبَرًا عن الأذانِ الثاني، ويَكونَ قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه» خَبرًا عن النِّداءِ الأولِ لِيَكونَ مُوافِقًا لِحَديثِ ابنِ عُمَرَ وعائِشةَ رضي الله عنهما قال: وعلى هذا تَتَّفِقُ الأخبارُ وباللهِ التَّوفيقُ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقال الإمامُ علِيٌّ القاريُّ رحمة الله عليه: (وعن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ: «إذا سَمِعَ النِّداءَ») أي: أذانَ الصُّبحِ («أحَدُكم والإناءُ») أي: الذي يأكُلُ منه
(١) «المجموع» (٦/ ٣١٩)، ويُنظَر: «معالم السنن» (٢/ ١٠٦)، و «الفروع» (٣/ ٥٢)، و «حاشية الروض المربع» (٣/ ٤٣١).
أو يَشرَبُ منه («في يَدِه») جُملةٌ حاليَّةٌ («فلا يَضَعْه») أي: الإناءَ («حتى يَقضيَ حاجَتَه منه») أي: بالأكلِ والشُّربِ، وهذا إذا عُلِم أو ظُنَّ عَدمُ الطُّلوعِ، وقال ابنُ المَلِكِ: هذا إذا لم يَعلَمْ طُلوعَ الصُّبحِ، أمَّا إذا علِم أنَّه قد طلَع أو شَكَّ فيه فلا، وقال الخَطَّابيُّ: هذا مَبنيٌّ على قَولِه عليه الصلاة والسلام: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، وفيه أنَّه لا يَظهَرُ حينَئِذٍ فائِدةُ القَيدِ.
قال: أو يَكونُ مَعناه أنْ يَسمَعَ النِّداءَ وهو شاكٌّ في الصُّبحِ، لِتَغييمِ الهَواءِ مَثَلًا، فلا يَقَعُ له العِلمُ بأذانِه أنَّ الفَجرَ قد طلَع لِعِلمِه أنَّ دَلائلَ الفَجرِ مَعدومةٌ، ولو ظهَرت لِلمُؤذِّنِ، لَظَهرتْ له أيضًا، فأمَّا إذا علِم طُلوعَه فلا حاجةَ إلى أذانِ الصارِخِ؛ فإنَّه مَأمورٌ بالإمساكِ إذا تَبيَّن له الخَيطُ الأبيضُ، من الخَيطِ الأسودِ. وقال الطَّيِّبيُّ: يُشعِرُ دَليلُ الخِطابِ بأنَّه لم يُفطِرْ إذا لم يَكُنِ الإناءُ في يَدِه، وقد سبَق أنَّ تَعجيلَ الإفطارِ مَسنونٌ، لكنَّ هذا من مَفهومِ اللَّقبِ، فلا يُعمَلُ به، وتَعقَّبه ابنُ حَجَرٍ في بابِ الصَّوابِ أنَّه ليس من مَفهومِ اللَّقبِ، والتَّقييدُ بالجُملةِ الحاليَّةِ له مَفهومٌ اتِّفاقًا. اه.
يَعني عندَ الشافِعيَّةِ، وإلا فعندَ الحَنفيَّةِ لا اعتبارَ بالمَفهومِ إلا في المَسألةِ لا في الأدِلَّةِ، وقال ابنُ حَجَرٍ -تَبعًا لِلطَّيِّبيِّ إيماءً-: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ من الحَديثِ طَلبُ تَعجيلِ الفِطرِ، أي: إذا سَمِع أحَدُكم نِداءَ المَغرِبِ وصادَفَ ذلك أنَّ الإناءَ في يَدِه لِحالةٍ أُخرى، فليُبادِرْ بالفِطرِ منه، ولا يُؤخِّرْ إلى وَضعِه، وبهذا يَندفِعُ قَولُ الشارِحِ ووَجهُ اندِفاعِه أنَّ قَولَه: «والإناءُ في يَدِه» ليس لِلتَّقييدِ، بل لِلمُبالَغةِ في السُّرعةِ. اه.
ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.