الإسلام > الصيام > مفسدات الصوم > مداومة الآمة والجائحة والجراح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءة٢١ - مُداوَمةُ الآمةِ والجائِحةِ والجِراحِ:
الآمةُ: جِراحةٌ في الرأسِ.
والجائِحةُ: جِراحةٌ في البَطنِ.
والمُرادُ بهذا -كما يَقولُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ما يَصِلُ إلى الجَوفِ من غَيرِ المَخارِقِ الأصليَّةِ (١).
فإنْ داوى الصائِمُ الآمةَ أو الجائِحةَ أو الجِراحَ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا داوى فوصَل على داخِلِ دِماغِه صَومُه فاسِدٌ ويَجِبُ عليه القَضاءُ: لأنَّ الصَّومَ هو الإمساكُ عن كلِّ ما يَصِلُ إلى الجَوفُ، وهذا ما أمسَك، ولأنَّه واصِلٌ إلى جَوفِه باختيارِه، فأشبَهَ ما لو أكَل، ولأنَّه إذا بطَل الصَّومُ بما وصَل إلى الجَوفِ مما ليس بأكلٍ، كالسَّعوطِ والحُقنةِ، فكذلك إذا دخَل الدَّواءُ عن طَريقِ تَداوي الجائِفةِ أو المأمومةِ.
قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: لو داوى جُرحَه فوصَل الدَّواءُ إلى جَوفِه أو دِماغِه أفطَر عندَنا سَواءٌ كان الدَّواءُ رَطبًا أو يابِسًا (٢).
أمَّا إذا شَكَّ في وُصولِ الدَّواءِ إلى الجَوفِ، فعندَ الحَنفيَّةِ بَعضُ التَّفصيلِ والخِلافِ: فإنْ كان الدَّواءُ رَطبًا، فعندَ أبي حَنيفةَ الظاهِرُ هو
(١) «البدائع» (٢/ ٦٢٧).
(٢) «المجموع» (٧/ ٥١٦).
الوُصولُ لِوُجودِ المَنفَذِ إلى الجَوفِ، وهو السَّببُ، فيُبنى الحُكمُ على الظاهِرِ، وهو الوُصولُ عادةً.
وقال الصاحبان: لا يُفطِرُ لِعَدمِ العِلمِ به، فلا يُفطِرُ بالشَّكِّ، فهما يُعتبَران المَخارِقَ الأصليَّةَ؛ لأنَّ الوُصولَ إلى الجَوفِ من المَخارِقِ الأصليَّةِ مُتيَقَّنٌ به، ومِن غَيرِهما مَشكوكٌ به، فلا نَحكُمُ بالفَسادِ مع الشَّكِّ.
وأمَّا إذا كان الدَّواءُ يابِسًا، فلا فِطرَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لم يَصِلْ إلى الجَوفِ ولا إلى الدَّماغِ.
لكنْ قال البابَرتيُّ رحمة الله عليه: وأكثَرُ مَشايِخِنا على أنَّ العِبرةَ بالوَصلِ، حتى إذا عَلِم أنَّ الدَّواءَ اليابِسَ وصَل إلى جَوفِه، لم يَفسُدْ صَومُه عندَه، إلا أنَّه ذكَر الرَّطبَ واليابِسَ بِناءً على العادةِ، وإذا لم يَعلَمْ يَقينًا فسَد عندَ أبي حَنيفةَ، نَظرًا إلى العادةِ، لا عِندَهما (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه إلى عَدمِ الإفطارِ بمُداواةِ الجِراحِ؛ لأنَّه ليس بمَنفذٍ إلى الجَوفِ، فحُصولُ الشَّيءِ، فيه لا يُوجِبُ الإفطارَ، كداخِلِ الفَمِ والأنفِ.
وقال الدَّرديريُّ، مُعلِّلًا عَدمَ الإفطارِ بوَضعِ الدُّهنِ على الجائِحةِ والجُرحِ الكائِنِ في البَطنِ الواصِلِ لِلجَوفِ: أنَّه لا يَصِلُ لِمَحلِّ الطَّعامِ والشَّرابِ وإلا ماتَ من ساعَتِه (٢).
(١) «شرح الهداية مع العناية» للبابرتي مع «فتح القدير» (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧).
(٢) «الشرح الكبير» (١/ ٥٣٣)، و «المدونة» (١/ ١٩٨)، و «القوانين الفقهية» (٨٠)، و «الإنصاف» (٣/ ٢٩٩)، و «مراقي الفلاح» (٣٦٨)، و «فتح القدير» (٢/ ٢٦٧)، و «كشاف القناع» (٣١٨)، و «المغني» (٤/ ١٥٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٢)، و «الإشراف» (٢٠٤)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٦٣).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: والأظهَرُ أنَّه لا يُفطِرُ بشَيءٍ من ذلك؛ فإنَّ الصِّيامَ من دينِ المُسلِمين الذي يَحتاجُ إلى مَعرِفتِه الخاصُّ والعامُّ، فلو كانت هذه الأُمورُ مما حَرَّمها اللهُ ﷾ ورَسولُه ﷺ في الصِّيام، ويَفسُدُ الصَّومُ بها لَكان هذا مما يَجِبُ على الرَّسولِ بَيانُه، ولو ذكَر ذلك لَعَلِمَه الصَّحابةُ وبلَّغوه الأُمَّةَ كما بَلَّغوا سائِرَ شَرعِه، فلَمَّا لم يَنقُلْ أحَدٌ من أهلِ العِلمِ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك حَديثًا صَحيحًا ولا ضَعيفًا ولا مُسنَدًا ولا مُرسَلًا عُلِم أنَّه لم يُذكَرْ شَيءٌ من ذلك.
والذين قالوا: إنَّ هذه الأُمورَ تُفطِرُ، كالحُقنةِ ومُداواةِ المأمومةِ والجائِفةِ لم يكنْ معهم حُجَّةٌ عن النَّبيِّ ﷺ وإنَّما ذكَروا ذلك بما رأوْه من القياسِ، وأقوى ما احتَجُّوا به قَولُه ﷺ: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»؛ قالوا: فدَلَّ ذلك على أنَّ ما وصَل إلى الدِّماغِ يُفطِرُ الصائِمَ إذا كان بفِعلِه، وعلى القياسِ كلُّ ما وصَل إلى جَوفِه بفِعلِه من حُقنةٍ وغَيرِها سَواءٌ كان ذلك في مَوضِعِ الطَّعامِ والغِذاءِ أو غَيرِه من حَشوِ جَوفِه.
وإذا كان عُمدتُهم هذه الأقيسةَ ونَحوَها لم يَجُزْ إفسادُ الصَّومِ بمِثلِ هذه الأقيسةِ لِوُجوهٍ: ثم ذكَرها رحمة الله عليه (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٤) وهذه الوُجوهُ: أحَدُها: أنَّ القياسَ -وإنْ كان حُجَّةً إذا اعتُبِرت شُروطُ صِحَّتِه- فقد قُلنا في الأُصولِ: إنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ كلَّها بَيَّنتها النُّصوصُ أيضًا، وإنْ دَلَّ القياسُ الصَّحيحُ على مِثلِ ما دَلَّ عليه النَّصُّ دِلالةً خَفيَّةً، فإذا عَلِمْنا بأنَّ الرَّسولَ ﷺ لم يُحرِّمِ الشَّيءَ ولم يُوجِبْه عَلِمنا أنَّه ليس بحَرامٍ ولا واجِبٍ. وأنَّ القياسَ المُثبِتَ لِوُجوبِه وتَحريمِه فاسِدٌ، ونحن نَعلَمُ أنَّه ليس في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَدُلُّ على الإفطارِ بهذه الأشياءِ التي ذكَرها بَعضُ أهلِ الفِقهِ فعَلِمنا أنَّها ليسَت مُفطِرةً.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني: أنَّ الأحكامَ التي تَحتاجُ الأُمَّةُ إلى مَعرِفتِها لا بُدَّ أنْ يُبيِّنَها الرَّسولُ ﷺ بَيانًا عامًّا ولا بُدَّ أنْ تَنقُلَها الأُمَّةُ فإذا انتَفى هذا عُلِم أنَّ هذا ليس مِنْ دِينِه، وهذا كما يُعلَمُ لم يَفرِضْ صيامَ شَهرٍ غَيرِ رَمضانَ ولا حَجَّ بَيتٍ غَيرِ البَيتِ الحَرامِ ولا صَلاةً مَكتوبةً غَيرَ الخَمسِ، ولم يُوجِبِ الغُسلَ في مُباشَرةِ المَرأةِ بلا إنزالٍ، ولا أوجَبَ الوُضوءَ من الفَزَعِ العَظيمِ، وإنْ كان في مَظِنَّةِ خُروجِ الخارِجِ ولا سَنَّ الرَّكعتَيْن بعدَ الطَّوافِ بينَ الصَّفا والمَروةِ كما سَنَّ الرَّكعتَيْن بعدَ الطَّوافِ بالبَيتِ … وإذا كانت الأحكامُ التي تَعُمُّ بها البَلوى لا بُدَّ أنْ يُبيِّنَها الرَّسولُ ﷺ بَيانًا عامًّا ولا بُدَّ أنْ تَنقُلَ الأُمَّةُ ذلك: فمَعلومٌ أنَّ الكُحلَ ونَحوَه ممَّا تَعُمُّ به البَلوى كما تَعُمُّ بالدُّهنِ والاغتِسالِ والبَخورِ والطِّيبِ. فلو كان هذا مما يُفطِرُ لَبَيَّنه النَّبيُّ ﷺ كما بيَّن الإفطارَ بغَيرِه، فلَمَّا لم يُبيِّنْ ذلك عُلِم أنَّه من جِنسِ الطِّيبِ والبَخورِ والدُّهنِ، والبَخورُ قد يَتصاعَدُ إلى الأنفِ ويَدخُلُ في الدِّماغِ ويَنعقِدُ أجسامًا، والدُّهنُ يَشرَبُه البَدنُ ويَدخُلُ إلى داخِلِه ويَتقوَّى به الإنسانُ، وكذلك يَتقوَّى بالطِّيبِ قُوَّةً جَيِّدةً، فلَمَّا لم يَنهَ الصائِمَ عن ذلك دَلَّ على جَوازِ تَطييبِه وتَبخيرِه وادِّهانِه، وكذلك اكتِحالُه. وقد كان المُسلِمون في عَهدِه ﷺ يُجرَحُ أحَدُهم إمَّا في الجِهادِ وإمَّا في غَيرِه مَأمومةً وجائِفةً فلو كان هذا يُفطِرُ لَبَيَّن لهم ذلك، فلَمَّا لم يَنهَ الصائِمَ عن ذلك عُلِم أنَّه لم يَجعَلْه مُفطِرًا.
الوَجهُ الثالِثُ: إثباتُ التَّفطيرِ بالقياسِ يَحتاجُ إلى أنْ يَكونَ القياسُ صَحيحًا، وذلك إمَّا قياسُ عِلَّةٍ بإثباتِ الجامِعِ وإمَّا بإلغاءِ الفارِقِ، فإمَّا أنْ يَدُلَّ دَليلٌ على العِلَّةِ في الأصلِ فيُعدَّى بها إلى الفَرعِ، وإمَّا أنْ يُعلَمَ أنَّه لا فارِقَ بينَهما من الأوصافِ المُعتَبَرةِ في الشَّرعِ، وهذا القياسُ هنا مُنتَفٍ. وذلك أنَّه ليس في الأدِلَّةِ ما يَقتَضي أنَّ المُفطِرَ الذي جعَله اللهُ ﷾ ورَسولُه ﷺ مُفطِرًا هو ما كان واصِلًا إلى دِماغٍ أو بَدنٍ أو ما كان داخِلًا من مَنفَذٍ أو واصِلًا إلى الجَوفِ. ونَحوُ ذلك من المَعاني التي يَجعَلُها أصحابُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= هذه الأقاويلِ هو مَناطُ الحُكمِ عندَ اللهِ ﷾ ورَسولِه ﷺ ويَقولونَ: إنَّ اللهَ ﷾ ورَسولَه ﷺ إنَّما جعَلا الطَّعامَ والشَّرابَ مُفطِرَيْن لِهذا المَعنى المُشتَرَكِ من الطَّعامِ والشَّرابِ، وممَّا يَصِلُ إلى الدِّماغِ والجَوفِ مِنْ دَواءِ المَأمومةِ والجائِفةِ، وما يَصِلُ إلى الجَوفِ من الكُحلِ ومِن الحُقنةِ والتَّقطيرِ في الإحليلِ ونَحوِ ذلك. وإذا لم يَكُنْ على تَعليقِ اللهِ ورَسولِه لِلحُكمِ بهذا الوَصفِ دَليلٌ كان قَولُ القائِلِ: إنَّ اللهَ ورَسولَه إنَّما جَعَلا هذا مُفطِرًا لِهذا قَولًا بلا عِلمٍ، وكان قَولُه: «إنَّ اللهَ حَرَّم على الصائِمِ أنْ يَفعَلَ هذا» قَولًا بأنَّ هذا حَلالٌ، وهذا حَرامٌ، بلا عِلمٍ، وذلك يَتضمَّنُ القَولَ على اللهِ بما لا يَعلَمُ، وهذا لا يَجوزُ. ومَن اعتقَد من العُلماءِ أنَّ هذا المُشترَكَ مَناطُ الحُكمِ فهو بمَنزِلةِ مَنْ اعتقَد صِحَّةَ مَذهَبٍ لم يَكُنْ صَحيحًا، أو دِلالةَ لَفظٍ على مَعنًى لم يُرِدْه الرَّسولُ ﷺ، وهذا اجتِهادٌ يُثابُونَ عليه، ولا يَلزَمُ أنْ يَكونَ قَولًا بحُجَّةٍ شَرعيَّةٍ يَجِبُ على المُسلِمِ اتِّباعُها.
الوَجهُ الرابِعُ: أنَّ القياسَ إنَّما يَصحُّ إذا لم يَدُلَّ كَلامُ الشارِعِ على عِلَّةِ الحُكمِ إذا سَبَرْنا أوصافَ الأصلِ، فلم يَكُنْ فيها ما يَصلُحُ لِلعِلَّةِ إلا الوَصفَ المُعيَّنَ وحيث أثبَتْنا عِلَّةَ الأصلِ بالمُناسَبةِ أو الدَّورانِ أو الشَّبهِ المُطَّرِدِ عندَ مَنْ يَقولُ به فلا بُدَّ من السَّبرِ، فإذا كان في الأصلِ وَصفان مُناسِبان لم يَجُزْ أنْ يَقولَ الحُكمُ بهذا دونَ هذا. ومَعلومٌ أنَّ النَّصَّ والإجماعَ أثبَتا الفِطرَ بالأكلِ والشُّربِ والجِماعِ والحَيضِ، والنَّبيُّ ﷺ قد نَهى المُتوضِّئَ عن المُبالَغةِ في الاستِنشاقِ إذا كان صائِمًا، وقياسُهم على الاستِنشاقِ أقوى حُجَجِهم كما تَقدَّم، وهو قياسٌ ضَعيفٌ، وذلك لأنَّ مَنْ نشَق الماءَ بمَنخَرَيْه يَنْزِلُ الماءُ إلى حَلقِه وإلى جَوفِه فحصَل له بذلك ما يَحصُلُ لِلشارِبِ بفَمِه ويُغذَّى بَدَنُه من ذلك الماءِ ويَزولُ العَطشُ ويُطبَخُ الطَّعامُ في مَعِدتِه كما يَحصُلُ بشُربِ الماءِ، فلو لم يَرِدِ النَّصُّ بذلك لَعُلِم بالعَقلِ أنَّ هذا مِنْ جِنسِ الشُّربِ فإنَّهما لا يَفترِقان إلا في دُخولِ الماءِ من الفَمِ، وذلك غَيرُ مُعتَبَرٍ، بل دُخولُ الماءِ إلى الفَمِ وَحدَه لا يُفطِرُ، فليس هو مُفطِرًا ولا جُزءًا من المُفطِرِ لِعَدمِ تأثيرِه، بل هو طَريقٌ إلى الفِطرِ وليس كذلك الكُحلُ والحُقنةُ ومُداواةُ الجائِفةِ والمَأمومةِ. فإنَّ الكُحلَ لا يُغذِّي ألبَتَّةَ ولا يُدخِلُ أحَدٌ كُحلًا إلى جَوفِه=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا مِنْ أنفِه ولا فَمِه وكذلك الحُقنةُ لا تُغذِّي بل تَستفرِغُ ما في البَدنِ كما لو شَمَّ شَيئًا من المُسهِّلاتِ أو فزِع فَزعًا أوجَبَ استِطلاقَ جَوفِه، وهي لا تَصِلُ إلى المَعِدةِ، والدَّواءُ الذي يَصِلُ إلى المَعِدةِ في مُداواةِ الجائِفةِ والمَأمومةِ لا يُشبِهُ ما يَصِلُ إليها مِنْ غِذائِه واللهُ سُبحانَه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقالَ ﷺ: «الصَّومُ جُنَّةٌ»، وقال: «إنَّ الشَّيطانَ يَجري من ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ، فضَيِّقوا مَجاريه بالجُوعِ بالصَّومِ». فالصائِمُ نُهِي عن الأكلِ والشُّربِ لأنَّ ذلك سَببُ التَّقوى. فتَركُ الأكلِ والشُّربِ الذي يُولِّدُ الدَّمَ الكَثيرَ الذي يَجري فيه الشَّيطانُ إنَّما يَتولَّدُ من الغِذاءِ لا عن حُقنةٍ ولا كُحلٍ ولا ما يُقطَّرُ في الذَّكرِ ولا ما يُداوَى به المَأمومةُ والجائِفةُ، وهو مُتولَّدٌ مما استُنشِق من الماءِ؛ لأنَّ الماءَ ممَّا يَتولَّدُ منه الدَّمُ، فكان المَنعُ منه من تَمامِ الصَّومِ. فإذا كانت هذه المَعاني وغَيرُها مَوجودةً في الأصلِ الثابِتِ بالنَّصِّ والإجماعِ فدَعواهم أنَّ الشارعَ عَلَّق الحُكمَ بما ذَكَروه من الأوصافِ، مُعارَضةٌ بهذه الأوصافِ، والمُعارَضةُ تُبطِلُ كلَّ نَوعٍ من الأقيِسةِ إنْ لم يَتبيَّنُ أنَّ الوَصفَ الذي ادَّعَوْه هو العِلَّةُ دونَ هذا. الوَجهُ الخامِسُ: أنَّه ثبَت بالنَّصِّ والإجماعِ مَنعُ الصائِمِ من الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ، وقد ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ الشَّيطانَ يَجري منَ ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ»، ولا رَيبَ أنَّ الدَّمَ يَتولَّدُ من الطَّعامِ والشَّرابِ، وإذا أكلَ أو شَرِب اتَّسعَت مَجاري الشَّياطينِ؛ ولِهذا قال: «فضَيِّقوا مَجاريه بالجُوعِ»، وبَعضُهم يَذكُرُ هذا اللَّفظَ مَرفوعًا. ولِهذا قال النَّبيُّ ﷺ: «إذا دخَل رَمضانُ فُتِّحت أبوابُ الجَنَّةِ وغُلِّقت أبوابُ النارِ وصُفِّدت الشَّياطينُ»؛ فإنَّ مَجاريَ الشياطين الذي هو الدَّمُ ضاقَت، وإذا ضاقَت انبَعَثت القُلوبُ إلى فِعلِ الخَيراتِ التي بها تَفتَّحُ أبوابُ الجَنَّةِ، وإلى تَركِ المُنكَراتِ التي بها تُفتَحُ أبوابُ النارِ، وصُفِّدت الشَّياطينُ فضَعُفت قُوَّتُهم وعَملُهم بتَصفيدِهم فلم يَستطيعوا أنْ يَفعَلوا في شَهرِ رَمضانَ ما كانوا يَفعَلونه في غَيرِه، ولم يَقُلْ: إنَّهم قُتِلوا ولا ماتوا، بل قال: «صُفِّدت»، والمُصفَّدُ من الشَّياطينِ قد يُؤذي لكنَّ هذا أقَلُّ وأضعَفُ مما يَكونُ في غَيرِ رَمضانَ، فهو بحَسَبِ كَمالِ الصَّومِ ونَقصِه فمَن كان صَومُه كامِلًا دفَع الشَّيطانَ دَفعًا لا يَدفَعُه دَفعُ الصَّومِ الناقِصِ، فهذه المُناسَبةُ ظاهِرةٌ في مَنعِ الصائِمِ من =
ارجع إلى مفسدات الصوم للاطلاع على جميع المسائل.