الإسلام > الطهارة > التيمم > ب- خوف المريض من البرد ونحوه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوذهَبَ الشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ الجَريحَ والمَريضَ إذا أمكَنَه غَسلُ بعضِ جَسدِه دونَ بَعضٍ لزِمَه غَسلُ ما أمكَنَه وتَيممَ للباقي (١).
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ أكثَرُ بَدنِه صَحيحًا غسَلَه ويَسقطُ حُكمُ الجَريحِ إلا أنَّه يُستحبُّ مَسحُه، وإنْ كانَ أكثَرُه جَريحًا تَيممَ ولا غَسلَ عليه؛ لأنَّ الجَمعَ بينَ البَدلِ والمُبدلِ لا يَجبُ كالصيامِ والإطعامِ (٢).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: الصَّحيحُ يَغسلُ، ويَمسحُ الجَريحُ ولا يَتيممُ (٣).
ب- خَوفُ المَريضِ من البَردِ ونَحوِه:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ التَّيممِ في السَّفرِ والحَضرِ خِلافًا لأبي يُوسفَ ومُحمدٍ في الحَضرِ، لمَن خافَ من استِعمالِ الماءِ هَلاكًا أو حُدوثَ مَرضٍ، أو زيادَتَه، أو بُطءَ بُرءٍ إذا لم يُوجدِ الحَدثُ الأصغَرُ أو الحَدثُ الأكبَرُ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولمَا رَوى عَمرُو بنُ العاصِ رضي الله عنه قالَ: «احتَلَمتُ في لَيلةٍ بارِدةٍ
(١) «المجموع» (٣/ ٣١٣)، و «المغني» (١/ ٣٠٨، ٣٣٥)، و «الإشراف» (١/ ٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٩٦).
(٢) «الاختيار» (١/ ٢٣) «بدائع الصنائع» (١/ ١٩٠)، و «الإشراف» (١/ ٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٩٦)، و «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٣٣).
(٣) الإشراف (١/ ٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٩٦).
في غَزوةِ ذاتِ السَّلاسِلِ فأشفَقتُ إنِ اغتَسَلت أنْ أهلِكَ فتَيمَّمت ثم صلَّيت بأَصحابي الصُّبحَ فذَكَروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ يا عَمرُو: صَلَّيتَ بأَصحابِكَ وأنتَ جُنبٌ؟ فأخبَرتُه بالذي منَعَني من الاغتِسالِ وقُلتُ: إنِّي سمِعتُ اللهَ ﷿ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ ولم يَقُلْ شَيئًا» (١)، وسُكوتُ النَّبيِّ ﷺ يَدلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقرُّ على خَطأٍ، ولأنَّه خائِفٌ على نَفسِه فأُبيحَ له التَّيممُ كالجَريحِ والمَريضِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ جَوازَ التَّيممِ للبَردِ خاصٌّ بالجُنبِ؛ لأنَّ المُحدِثَ لا يَجوزُ له التَّيممُ للبَردِ إلا إذا تحقَّقَ الضَّررُ من الوُضوءِ فيَجوزُ التَّيممُ حينَئذٍ.
ثم إنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما إذا تَيممَ وصلَّى هل يُعيدُ؟
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه الإعادةُ لحَديثِ عَمرِو بنِ العاصِ المُتقدِّمِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرْه بالإعادةِ ولو وجَبَت لأمَرَه بها، ولأنَّه خائِفٌ على نَفسِه أشبَهَ المَريضَ؛ لأنَّه أتى بما أمَرَ به فأشبَهَ سائِرَ من يُصلِّي بالتَّيممِ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٣٤)، وأحمد (١٧٨٤٥)، والحاكم في «المستدرك» (٢٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠١١).
(٢) «رد المحتار» (١/ ٣٩٨)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٦، ٢١٧)، والزرقاني (١/ ١١٥)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٩)، و «المغني» (١/ ٣٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٩٢، ٩٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٦، ٢١٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من الحدث
كتاب التيمم
كِتَابُ التَّيَمُّمِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ:
الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.
الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الْخَامِسُ: فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
السَّادِسُ: فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ.
السَّابِعُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُبْرَى، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الْكُبْرَى، وَكَانَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
ارجع إلى التيمم للاطلاع على جميع المسائل.