ثانيا: عدم القدرة على استعمال الماء

الإسلام > الطهارة > التيمم > ثانيا: عدم القدرة على استعمال الماء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ثانيا: عدم القدرة على استعمال الماء - الأقوال والأدلة

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: هل الطَّلبُ شَرطٌ في جَوازِ التَّيممِ عندَ عَدمِ الماءِ أو لا؟

فإنَّ مالِكًا رضي الله عنه اشتَرَط الطَّلبَ، وكذلك الشافِعيُّ، ولم يَشتَرِطْه أبو حَنيفةَ.

وسَببُ اختِلافِهم في هذا هو: هل يُسمَّى مَنْ لم يَجدِ الماءَ دونَ طَلبٍ غيرَ واجِدٍ للماءِ، أو لا يُسمَّى غيرَ واجِدٍ للماءِ إلا إذا طلَبَ الماءَ، فلم يَجدْه، لكنَّ الحَقَّ في هذا أنْ يَعتقدَ أنَّ المُتيقِّنَ لعَدمِ الماءِ إمَّا بطَلبٍ مُتقدِّمٍ وإمَّا بغيرِ ذلك هو عادِمٌ للماءِ، وأمَّا الظَّانُّ فليسَ بعادِمٍ للماءِ، ولذلك يَضعفُ القَولُ بتَكرُّرِ الطَّلبِ الذي في المَذهبِ في المَكانِ الواحِدِ بعَينِه، ويَقوَى اشتِراطُه ابتِداءً إذا لم يَكنْ هنالك عِلمٌ قَطعيٌّ بعَدمِ الماءِ (١).

ثانيًا: عَدمُ القُدرةِ على استِعمالِ الماءِ:

يَجبُ على مَنْ وجَدَ الماءَ أنْ يَستعملَه في عِبادةٍ وجَبَت عليه لا تَصحُّ إلا بالطَّهارةِ كالصَّلاةِ ونَحوِها، ولا يَجوزُ العُدولُ عن ذلك إلى التَّيممِ إلا إذا عُدِمت قُدرتُه على استِعمالِ الماءِ، ويَتحقَّقُ ذلك بالمَرضِ، أو خَوفِ المَرضِ من البَردِ ونَحوِه، أو العَجزِ عن استِعمالِه.

أ- المَرضُ:

اتَّفَق الفُقهاءُ على جَوازِ التَّيممِ للمَريضِ إذا تيقَّنَ التَّلفَ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ولحَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: خرَجنا في سَفرٍ فأصابَ

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٤٨، ٤٩).

رَجلًا منَّا حَجرٌ فشَجَّه في رأسِه، ثم احتلَمَ، فسألَ أَصحابَه فقالَ: هل تَجدونَ لي رُخصةً في التَّيممِ؟ فقالوا: ما نَجدُ لك رُخصةً وأنتَ تَقدِرُ على الماءِ، فاغتسَلَ فماتَ، فلمَّا قدِمنا على النَّبيِّ أُخبِرَ بذلك، فقالَ: «قَتَلوه قتَلَهم اللهُ، ألَا سألوا إذْ لم يَعلَموا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» (١).

وإذا خافَ من استِعمالِ الماءِ للوُضوءِ أو الغُسلِ على نَفسِه، أو خافَ زيادةَ مَرضِه، أو تأخَّر بُرؤُه أو خافَ شَيئًا فاحِشًا أو ألمًا غيرَ مُحتمَلٍ يَجوزُ له التَّيممُ عندَ الحَنفيةِ ومالِكٍ والشافِعيِّ في قَولٍ وهو ظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ولأنَّه يَجوزُ له التَّيممُ إذا خافَ ذَهابَ شَيءٍ من مالِه أو ضَررًا في نَفسِه من لِصٍّ أو سَبعٍ، أو لم يَجدِ الماءَ إلا بزِيادةٍ كَثيرةٍ على ثَمنِ مِثلِه، فلَأنْ يَجوزَ ههنا أَولى، ولأنَّ تَركَ القيامِ في الصَّلاةِ وتأخيرَ الصَّلاةِ لا يَنحصِرانِ في خَوفِ التَّلفِ، وكذلك تَركُ الاستِقبالِ، فكذا ههنا، ويُعرفُ ذلك بالعادةِ أو بإِخبارِ طَبيبٍ حاذِقٍ مُسلمٍ عَدلٍ واكتَفى بعضُ الحَنفيةِ بأنْ يَكونَ مَستورًا أي غيرَ ظاهِرِ الفِسقِ.

فأمَّا المَريضُ أو الجَريحُ الذي لا يَخافُ الضَّررَ باستِعمالِ الماءِ مِثلَ مَنْ به صُداعٌ وحُمَّى حارةٌ أو أمكَنَه استِعمالُ الماءِ الحارِّ أو يَكونُ به مَرضٌ لا يَخافُ مَحذورًا من استِعمالِ الماءِ معه في العاقِبةِ وإنْ تألَّمَ في الحالِ لجِراحةٍ أو بَردٍ أو حَرٍّ … فلا يَجوزُ التَّيممُ لشَيءٍ من هذا؛ لأنَّ إِباحةَ التَّيممِ لنَفيِ الضَّررِ ولا ضَررَ ههنا (٢).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٣٦، ٣٣٧)، وابن ماجه (٥٧٢).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٩٧)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٦٢)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٦)، وحاشية الدسوقي على «الشرح الكبير» (١/ ١٤٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ٩٢، ١٠٦)، و «الجمل» (١/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «كفاية الأخيار» ص (٩٥)، و «المغني» (١/ ٣٣٤)، و «كشاف القناع» (١/ ١٦٢، ١٦٥)، و «الإفصاح» (١/ ٩٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)

(باب ما يفسد الماء)

قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء

(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )

التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :

إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ

أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .

وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.

والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ

الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.

والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ

والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.

وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 537 - 538

ارجع إلى التيمم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله