الإسلام > الطهارة > التيمم > هل التيمم بدل عن الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى أو عن الصغرى فقط؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةهل التَّيممُ بَدلٌ عن الطَّهارةِ الصُّغرى والطَّهارةِ الكُبرى أو عن الصُّغرى فقط؟
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ هذه الطَّهارةَ بَدلٌ من هذه الطَّهارةِ الصُّغرى واختَلَفوا في الكُبرى فرُويَ عن عُمرَ وابنِ مَسعودٍ أنَّهما كانا لا يَرَيانِها بَدلًا من الكُبرى.
وكانَ عليٌّ وغيرُه من الصَّحابةِ يَرَوْن أنَّ التَّيممَ يَكونُ بَدلًا من الطَّهارةِ الكُبرى. وبه قالَ عامَّةُ الفُقهاءِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم الاحتِمالُ الوارِدُ في آيةِ التَّيممِ وأنَّه لم تَصحَّ عندَهم الآثارُ الوارِدةُ بالتَّيممِ للجُنبِ.
أمَّا الاحتِمالُ الوارِدُ في الآيةِ فلأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] يَحتملُ أنْ يَعودَ الضَّميرُ الذي فيه على المُحدِثِ حَدثًا أصغَرَ فقط، ويَحتملُ أنْ يَعودَ عليهما مَعًا لكنْ مَنْ كانَت المُلامَسةُ عندَه في الآيةِ الجِماعَ فالأظهَرُ أنَّه عائِدٌ عليهما مَعًا، ومَن كانَت المُلامَسةُ عندَه هي اللَّمسَ باليَدِ، أعني في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فالأظهَرُ أنَّه إنَّما يَعودُ الضَّميرُ عندَه على المُحدِثِ حَدثًا أصغَرَ فقط، إذْ كانَت الضَّمائرُ إنَّما يُحملُ أبدًا عَودُها على أقرَبِ مَذكورٍ إلا أنْ يُقدَّرَ في الآيةِ تَقديمٌ وتَأخيرٌ حتى
يَكونَ تَقديرُها هكذا: (يا أيُّها الذين آمَنوا إذا قُمتُم إلى الصَّلاةِ أو جاءَ أحَدٌ منكم من الغائِطِ أو لامَستُم النِّساءَ فاغسِلوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافِقِ وامسَحوا برُؤوسِكم وأرُجلَكم إلى الكَعبَينِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَروا وإنْ كُنْتُمْ مَرضى أو على سَفرٍ فلم تَجِدوا ماءً فتَيمَّموا صَعيدًا طَيبًا).
ومِثلُ هذا ليسَ يَنبَغي أنْ يُصارَ إليه إلا بدَليلٍ؛ فإنَّ التَّقديمَ والتأخيرَ مَجازٌ، وحَملُ الكَلامِ على الحَقيقةِ أَولى من حَملِه على المَجازِ، وقد يُظنُّ أنَّ في الآيةِ شَيئًا يَقتَضي تَقديمًا وتأخيرًا وهو أنَّ حَملَها على تَرتيبِها يُوجبُ أنَّ المَرضَ والسَّفرَ حَدَثان، لكنَّ هذا لا يُحتاجُ إليه إذا قُدِّرت «أو» ههنا بمَعنى الواوِ، وذلك مَوجودٌ في كَلامِ العَربِ في مِثلِ قَولِ الشاعِرِ:
وكانَ سيانِ ألَّا يُسرِحوا نَعمًا أو يُسرِحوه بها واغبَرَّت السُّوخُ
فإنَّه إنَّما يُقالُ: سِيانِ زَيدٌ وعَمرٌو، وهذا هو أحَدُ الأسبابِ التي أوجَبَت الخِلافَ في هذه المَسألةِ.
وأمَّا ارتِيابُهم في الآثارِ التي ورَدَت في هذا المَعنى فبيِّنٌ فيما خرَّجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ أنَّ رَجلًا أتى عُمرَ رضي الله عنه فقالَ: أجنَبتُ فلم أجِدِ الماءَ، فقالَ: لا تُصلِّ، فقالَ عَمارٌ: أمَا تَذكرُ يا أميرَ المُؤمِنينَ إذْ أنا وأنتَ في سَريةٍ فأجنَبْنا فلم نَجِدِ الماءَ، فأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتَمعَّكتُ في التُّرابِ فصَلَّيتُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: إنَّما كانَ يَكفيكَ أنْ تَضربَ بيَدَيك، ثم تَنفخَ فيهما، ثم تَمسحَ بهما وَجهَك وكَفَّيكَ، فقالَ عُمرُ: اتَّقِ اللهَ يا عَمارُ، فقالَ: إنِ شِئتَ لم أُحدِّثْ به».
وفي بعضِ الرِّواياتِ أنَّه قالَ له عُمرُ: «نُولِّيك ما تَولَّيتَ».
وخرَّجَ مُسلمٌ عن شَقيقٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مع عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأبي مُوسى فقالَ أبو مُوسى: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا أجنَبَ، فلم يَجِدِ الماءَ شَهرًا كيف يَصنَعُ بالصَّلاةِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ لأبي مُوسى: لا يَتيمَّمُ، وإنْ لم يَجِدِ الماءَ شَهرًا، فقالَ أبو موسى: فكيف بهذه الآيةِ في سُورةِ المائِدةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟ فقالَ عبدُ اللهِ: لو رُخِّصَ لهم في هذه الآيةِ لأوشَكَ إذا برَدَ عليهم الماءُ أنْ يَتيمَّموا بالصَّعيدِ، فقالَ أبو موسَى لعَبدِ اللهِ: ألم تَسمَعْ لقَولِ عَمارٍ؟ وذكَرَ له الحَديثَ المُتقدِّمَ، فقالَ له عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عُمرَ لم يَقنَعْ بقَولِ عَمارٍ».
لكنَّ الجُمهورَ رأوْا أنَّ ذلك قد ثبَتَ من حَديثِ عَمارٍ وعِمرانَ بنِ الحُصَينِ خرَّجَهما البُخاريُّ، وأنَّ نِسيانَ عُمرَ ليسَ مُؤثِّرًا في وُجوبِ العَملِ بحَديثِ عَمارٍ، وأيضًا فإنَّهم استدَلُّوا بجَوازِ التَّيممِ للجُنبِ والحائِضِ بعُمومِ قَولِه عليه الصلاة والسلام: «جُعِلت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا».
وأمَّا حَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ فهو «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رأى رَجلًا مُعتزلًا لم يُصلِّ مع القَومِ، فقالَ: يا فُلانُ، ما منَعَك أنْ تُصليَ مع القَومِ؟ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أصابَتني جَنابةٌ ولا ماءَ، فقالَ ﷺ: عليكَ بالصَّعيدِ؛ فإنَّه يَكفيكَ»، ولمَوضعِ هذا الاحتِمالِ اختَلَفوا هل لمَن ليسَ عندَه ماءٌ أنْ يَطأَ أهلَه أو ألَّا يَطأَها، أعني مَنْ يُجوِّزُ للجُنبِ التَّيممَ (١).
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٤٦، ٤٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من الحدث
كتاب التيمم
كِتَابُ التَّيَمُّمِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ:
الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.
الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الْخَامِسُ: فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
السَّادِسُ: فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ.
السَّابِعُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُبْرَى، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الْكُبْرَى، وَكَانَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب التيمم
بابُ التَّيّمُّمِ
التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ. قالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} . وقال امْرُؤُ القَيْسِ :
تَيَمَّمْتُ لِلْعَيْنِ الَّتِى عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِىءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِى
وقولُ اللهِ تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . أي: اقْصِدُوهُ. ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفقهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ. وهو جائِزٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعُ، أمَّا الكِتابُ، فَقَوْلُه تَعالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} . وأمَّا السُّنَّةُ، فحَديثُ عَمَّارٍ وغَيْرِه ، وأمَّا الإِجْمَاعُ، فأَجْمَعَت الأُمَّةُ على جَوازِ التَّيَمُّمِ في الجملةِ.
٦٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم : (ويَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وطَوِيلِهِ) .
طَوِيلُ السَّفَرِ: مَا يُبِيحُ القَصْرَ والفِطْرَ، وقَصِيرُه: ما دُونَ ذَلكَ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْه اسْمُ سَفَرٍ، مِثْلَ أن يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أو مُتَبَاعِدَتَيْنِ. قال القاضِى: لو خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، ففَارَقَ البُنْيانَ والمَنَازِلَ، ولَوْ بخَمْسِينَ خُطْوَةً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ،
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
باب نية الوضوء
باب نية الوضوء
قال الشافعي رضي الله عنه: وَلَا يُجْزِئُ طَهَارَةٌ مِنْ غُسْلٍ وَلَا وُضُوءَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْوُضُوءَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَهُمَا طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ يفترقان.
قال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الطَّهَارَةُ ضَرْبَانِ مِنْ نَجَسٍ وَحَدَثٍ.
فَأَمَّا طَهَارَةُ النَّجَسِ فَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ إِجْمَاعًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ إِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدُ مُفَارَقَةٍ وَتَرْكٍ، وَالتُّرُوكُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ مَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ فِي عِبَادَاتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا طَهَّرَ ما أصبته النَّجَاسَةُ مِنَ الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ بِمُرُورِ السَّيْلِ عَلَيْهِ وَإِصَابَةِ الْمَاءِ لَهُ عُلِمَ أَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّ النِّيَّةَ فِي إِزَالَتِهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
فَأَمَّا طَهَارَةُ الْحَدَثِ فَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَائِعٍ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، أَوْ بِجَامِدٍ كَالتُّرَابِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ تَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ وَالتَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تعالى: {ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} المائدة: ٦ . فَأَمَرَ بِغَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَلَمْ يذكر النية.
ارجع إلى التيمم للاطلاع على جميع المسائل.