أيهما أفضل: غسل الرجلين أم المسح على الخفين؟

الإسلام > الطهارة > المسح على الخفين > أيهما أفضل: غسل الرجلين أم المسح على الخفين؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

أيهما أفضل: غسل الرجلين أم المسح على الخفين؟ - الأقوال والأدلة

قالَ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا مالِكٌ فما رُويَ عنه من الإنكارِ فهو مُنكَرٌ لا يَصحُّ، والصَّحيحُ ما قالَه عندَ مَوتِه لابنِ نافِعٍ قالَ: إنِّي كُنْتُ آخُذُ في خاصَّةِ نَفسي بالطَّهورِ ولا أَرى مَنْ مسَحَ مُقصِّرًا فيما يَجبُ عليه. وعلى هذا حمَلَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ ما رَواه ابنُ وَهبٍ عنه أنَّه قالَ: لا أمسَحُ في حَضرٍ ولا في سَفرٍ، قالَ: أمَرَهم أنْ يَمسَحوا خِفافَهم وخلَعَ هو وتَوضَّأ، وقال: حُبِّب إليَّ الوُضوءُ، ونَحوُه عن أبي أيُّوبَ، وقالَ أحمدُ رحمة الله عليه فمَن ترَكَ ذلك على نَحوِ ما ترَكَه ابنُ عُمرَ وأبو أيُّوبَ ومالِكٌ لم أُنكِرْه عليه، وصَلَّينا خلفَه ولم نَعِبْه إلا أنْ يَتركَ ذلك، ولا يَراه كما صنَعَ أهلُ البِدعِ فلا يُصلَّى خلفَه واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ أحَدًا من فُقهاءِ المُسلِمينَ رُويَ عنه إِنكارُ المَسحِ إلا مالِكًا، والرِّواياتُ الصِّحاحُ عنه بخِلافِ ذلك في مُوطَّئِه فيَشهدُ للمَسحِ على الخُفَّينِ في الحَضرِ والسَّفرِ على ذلك جَميعُ أَصحابِه وجَميعُ أهلِ السُّنةِ (٢).

أيُّهما أفضَلُ: غَسلُ الرِّجلَينِ أم المَسحُ على الخُفَّينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في: أيُّهما أفضَلُ غَسلُ الرِّجلَينِ في الوُضوءِ أم المَسحُ على الخُفَّينِ أم الأفضَلُ الحالةُ التي عليها الإِنسانُ؟

(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٦٥).
(٢) «الاستذكار» (١/ ٢١٨).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الغُسلَ أفضَلُ من المَسحِ؛ لأنَّ المُفترَضَ في كِتابِ اللهِ تَعالى هو الغَسلُ، والمَسحُ رُخصةٌ، فالغاسِلُ لرِجلَيه مُؤدٍّ لمَا افتَرَض اللهُ عليه، والماسِحُ على خُفَّيه فاعِلٌ لمَا أُبيحَ له (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَسحَ أفضَلُ؛ لأنَّه رُخصةٌ من الشارِعِ؛ فإنَّ النَّبيَّ قالَ: «إنَّ اللهَ يُحبُّ أنْ تُؤتَى رُخصُه كما يُحبُّ أنْ تُؤتَى عَزائِمُه» (٢)، ولأنَّ فيه مُخالَفةَ أهلِ البِدعِ.

وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّهما سَواءٌ في الفَضيلةِ (٣).

قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وفَصلُ الخِطابِ أنَّ الأفضَلَ في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ ما هو المُوافِقُ لحالِ قَدمِه، فالأفضَلُ لمَن قَدَماه مَكشوفَتانِ غَسلُهما، ولا يَتحرَّ لُبسَ الخُفِّ ليَمسحَ عليه، كما كانَ عليه الصلاة والسلام يَغسلُ قَدَمَيه إذا كانَتا مَكشوفَتَين ويَمسحُ قَدَمَيه إذا كان لابِسًا للخُفِّ (٤).

(١) «رد المحتار» (١/ ٤٤١)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٠٥)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٣٦)، و «المغني» (١/ ٣٦٠)، و «الإنصاف» (١/ ١٦٩)، و «الأوسط» (١/ ٤٧٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حبان في «موارد الظمآن» (١/ ٢٢٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٤٠)، وغيرهما من حَديثِ ابن عمرَ رضي الله عنه.
(٣) «المغني» (١/ ٣٦٠)، و «الإنصاف» (١/ ١٦٩).
(٤) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٣٩٠)، و «الاختيارات الفقهية» ص (١/ ١٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل المسح على الخفين

بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا، وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَعْبَيْنِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَهُوَ أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ.

وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا، وَكَذَا فِي الْعُرْفِ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّاتِئُ، يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ» وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا فِي النَّاتِئِ، وَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ، فَقَالَ: إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الَّذِي فِي مِفْصَلِ الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذَلِكَ إلَى الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب المسح على الخفين

بابُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ

المَسْحُ على الخُفَّيْنِ جَائِزٌ عندَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. حَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ المُباركِ قال: ليس في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِى سَبْعُونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى البُخَارِيُّ، عن سَعْدِ بنِ مالِكٍ، والمُغِيرَةِ، وعَمْرِو بنِ أُمَيَّة . أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى أبو داود، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه

تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فقِيلَ له: أتَفْعَلُ هذا؟ قال: مَا يَمْنَعُنِى أنْ أمْسَحَ، وقد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمْسَحُ! فقِيلَ له: قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أو بَعْدَهُ؟ فقال: ما أسْلَمْتُ إلَّا بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وفي رِوَايةٍ، أنَّه قال: إنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَالَ، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على خُفَّيْه. قال إبراهيمُ : فكان يُعْجِبُهُم هذا؛ لأنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَاهُ حُذَيْفَة ، والمُغِيرَة ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مُتَّفَقٌ عليهما. قال أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أرْبَعُونَ حَدِيثًا عن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مَا رفعُوا إلى النَّبِيِّ، ومَا وقَفُوا.

فصل: ورُوِيَ عن أحمدَ، أَنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ. يَعْنِى مِن الغَسْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، والحَكَمِ، وإسْحَاق؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ" . وما

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب المسح على الخفين)

(باب المسح على الخفين)

قال الشافعي: " أخبرنا الثقفي يعني عبد الوهاب عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مخلدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) {المائدة: ٦) فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا وضوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ".

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 441 - 442

ارجع إلى المسح على الخفين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد