أ- أن يكون الخف سليما من الخروق

الإسلام > الطهارة > المسح على الخفين > أ- أن يكون الخف سليما من الخروق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

أ- أن يكون الخف سليما من الخروق - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الشُّروطُ المُختلَفُ فيها:

أ- أنْ يَكونَ الخُفُّ سَليمًا من الخُروقِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الخُفِّ هل يُشترطُ فيه أنْ يَكونَ سَليمًا من الخُروقِ ولا يَصحُّ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ أو يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ المَسحُ على الخُفِّ المُخرَّقِ ولو كانَ يَسيرًا؛ لأنَّ ما انكشَفَ حُكمُه الغَسلُ، وما استتَرَ حُكمُه المَسحُ، والجَمعُ بينَهما لا يَجوزُ، فغلَبَ حُكمُ الغَسلِ كما لو انكشَفَت إحدَى القَدَمَين واستتَرَت الأُخرى (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ المَسحِ على الخُفِّ المُخرَّقِ إذا كانَ الخَرقُ يَسيرًا دَفعًا للحَرجِ عن المُكلَّفينَ؛ إذْ إنَّ الخِفافَ لا تَخلو من خَرقٍ في العادةِ، ولأنَّه يُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ فيه، فأشبَهَ الصَّحيحَ، ولأنَّ الغالِبَ على خِفافِ العَربِ كَونُها مُخرَّقةً، وقد أمَرَ النَّبيُّ بمَسحِها من غيرِ تَفصيلٍ فيَنصرِفُ إلى الخِفافِ المَلبوسةِ عندَهم غالِبًا.

وقدَّرَ الحَنفيةُ الخَرقَ اليَسيرَ بمِقدارِ ثَلاثِ أَصابعَ من أصغَرِ أَصابعِ القَدمِ (٢).

(١) «المجموع» (١/ ٥٦١، ٥٦٢)، و «كفاية الأخيار» ص (٨٩)، و «المغني» (١/ ٣٧٨)، و «الإنصاف» (١/ ١٧٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٥٠، ٥١)، و «رد المختار» (١/ ٤٣٧).

وقدَّرَه المالِكيةُ بمِقدارِ ثُلثِ القَدمِ؛ فإنَّ هذا القَدرَ مَعفوٌّ عنه (١).

قالَ شَيخُ الإِسلامِ رحمة الله عليه: وهذا القَولُ هو الراجِحُ؛ فإنَّ الرُّخصةَ عامَّةٌ، ولَفظُ الخُفِّ يَتناولُ ما فيه الخَرقُ، وما لا خَرقَ فيه، لا سيَّما أنَّ الصَّحابةَ كانَ فيهم فُقراءُ كَثيرون، وكانوا يُسافِرون، وإذا كانَ كذلك فلا بدَّ أنْ يَكونَ في بعضِ خِفافِهم خُروقٌ، والمُسافِرون قد يَتخرَّقُ خُفُّ أحَدِهم ولا يُمكنُه إصلاحُه في السَّفرِ؛ فإنْ لم يَجزِ المَسحُ عليه لم يَحصُلْ مَقصودُ الرُّخصةِ.

وأيضًا فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَعفون عن ظُهورِ يَسيرِ العَورةِ، وعن يَسيرِ النَّجاسةِ التي يَشقُّ الاحتِرازُ عنها: فالخَرقُ اليَسيرُ في الخُفِّ كذلك.

وقَولُ القائِلِ: إنَّ ما ظهَرَ فَرضُه الغَسلُ مَمنوعٌ؛ فإنَّ الماسِحَ على الخُفِّ لا يَستوعِبُه بالمَسحِ كالماسِحِ على الجَبيرةِ، بل يَمسحُ أعلاه دونَ أسفَلِه وعَقبِه، وذلك يَقومُ مَقامَ غَسلِ الرِّجلِ، فمَسحُ بعضِ الخُفِّ كافٍ عما يُحاذي المَمسوحَ وما لا يُحاذيه؛ فإنْ كانَ الخَرقُ في العَقبِ لم يَجبْ غَسلُ ذلك المَوضعِ ولا مَسحُه، ولو كانَ على ظَهرِ القَدمِ لا يَجبُ مَسحُ كلِّ جُزءٍ من ظَهرِ القَدمِ، وبابُ المَسحِ على الخُفَّينِ مما جاءَت السُّنةُ فيه بالرُّخصةِ حتى جاءَت بالمَسحِ على الجَواربِ والعَمائمِ وغيرِ ذلك، فلا يَجوزُ أنْ يَتناقَضَ مَقصودُ الشارِعِ من التَّوسِعةِ بالحَرجِ والتَّضييقِ (٢).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم في ذلك: اختِلافُهم في انتِقالَ الفَرضِ من الغَسلِ إلى المَسحِ هل هو لمَوضعِ السَّترِ -أعني سَتْرَ خُفِّ

(١) «الاستذكار» (١/ ٢٢٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٠٨).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢١٢، ٢١٣)، و «الاختيارات الفقهية» ص (٢٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل المسح على الخفين

بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا، وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَعْبَيْنِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَهُوَ أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ.

وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا، وَكَذَا فِي الْعُرْفِ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّاتِئُ، يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ» وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا فِي النَّاتِئِ، وَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ، فَقَالَ: إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الَّذِي فِي مِفْصَلِ الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذَلِكَ إلَى الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 453 - 454

ارجع إلى المسح على الخفين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله