الإسلام > الطهارة > المسح على الخفين > المسح على الجوربين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالمَسحُ على الجَوربَينِ:
الجَورَبُ هو ما يَلبسُه الإِنسانُ في قَدمَيه سَواءٌ كانَ مَصنوعًا من الصُّوفِ أو القُطنِ أو الكَتَّانِ أو نَحوِ ذلك، وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ المَسحِ عليه.
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى عَدمِ جَوازِ المَسحِ على الجَوربَينِ إلا بشَرطَين:
١ - أنْ يَكونَ الجَورَبانِ مُجلَّدينِ -والمُجلَّدُ هو الذي وُضعَ الجِلدُ أَعلاه وأسفَلَه-؛ لأنَّهما يَقومانِ مَقامَ الخُفِّ في هذه الحالةِ.
٢ - أنْ يَكونَ الجَورَبانِ مُنعَّلينِ، أي: لهما نَعلٌ، وهو الجِلدةُ أسفَلَه.
وفي الحالَتينِ لا يَصلُ الماءُ إلى القَدمِ؛ لأنَّ الجِلدَ لا يَشفُّ الماءَ. أمَّا بدونِ هذَين الشَّرطَينِ فلا يَجوزُ المَسحُ عليهما؛ لأنَّهما لا يُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ عليهما كالرَّقيقَينِ؛ فإنَّهما إنْ كانا رَقيقَينِ يَشِفانِ الماءَ، لا يَجوزُ المَسحُ عليهما بالإِجماعِ، كما يَقولُ الإمامُ الكاسانِيُّ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا المَسحُ على الجَورَبينِ؛ فإنْ كانا مُجلَّدينِ أو مُنعَّلينِ يَجزيه بلا خِلافٍ عندَ أَصحابِنا، وإنْ لم يَكونا مُجلَّدينِ ولا مُنعَّلينِ؛ فإنْ كانا رَقيقَينِ يَشِفانِ الماءَ لا يَجوزُ المَسحُ عليهما بالإِجماعِ، وإنْ كانا ثَخينَين لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ، ويَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ.
ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه رجَعَ إلى قَولِهما في آخِرِ عُمرِه، وذلك أنَّه مسَحَ على جَورَبَيه في مَرضِه، ثم قالَ لعُوادِه: فَعَلت ما كُنْتُ أمنَعُ الناسَ عنه، فاستَدلُّوا به على رُجوعِه.
وعندَ الشافِعيِّ لا يَجوزُ المَسحُ على الجَواربِ، وإنْ كانَت مُنعَّلةً إلا إذا كانَت مُجلَّدةً إلى الكَعبَينِ.
احتَجَّ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ بحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ النَّبيَّ تَوضَّأ ومسَحَ على الجَورَبينِ»، ولأنَّ الجَوازَ في الخُفِّ لدَفعِ الحَرجِ لمَا يَلحقُه من المَشقةِ بالنَّزعِ، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الجَورَبِ بخِلافِ اللِّفافةِ والمُكعَّبِ؛ لأنَّه لا مَشقةَ في نَزعِهما.
ولأبي حَنيفةَ أنَّ جَوازَ المَسحِ على الخُفَّينِ ثبَتَ نَصًّا بخِلافِ القياسِ، فكلُّ ما كانَ في مَعنى الخُفِّ في إِمكانِ المَشيِ عليه وإمكانِ قَطعِ السَّفرِ به يَلحقُ به، وما لا فلا، ومَعلومٌ أنَّ غيرَ المُجلَّدِ والمُنعَّلِ من الجَواربِ لا يُشاركُ الخُفَّ في هذا المَعنى، فتَعذَّر الإِلحاقُ على أنَّ شَرعَ المَسحِ إنْ ثبَتَ للتَّرفيهِ فالحاجةُ إلى التَّرفيهِ فيما يَغلِبُ لُبسُه، ولُبسُ الجَواربِ مما لا يَغلِبُ، فلا حاجةَ فيها إلى التَّرفيهِ فبَقيَ أصلُ الواجِبِ بالكِتابِ، وهو غَسلُ الرِّجلَينِ.
وأمَّا الحَديثُ فيَحتملُ أنَّهما كانا مُجلَّدينِ أو مُنعَّلينِ، وبه نَقولُ، ولا عُمومَ له؛ لأنَّه حِكايةُ حالٍ، ألَا تَرى أنَّه لم يَتناولِ الرَّقيقَ من الجَواربِ؟
وأمَّا الخُفُّ المُتَّخذُ من اللُّبدِ فلم يَذكُرْه في ظاهِرِ الرِّوايةِ، وقيلَ: إنَّه على التَّفصيلِ والاختِلافِ الذي ذَكَرنا، وقيلَ: إنْ كانَ يُطيقُ السَّفرَ جازَ المَسحُ عليه، وإلا فلا، وهذا هو الأصَحُّ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٦، ٤٧)، وينظر: و «رد المحتار» (١/ ٤٥١)، و «البحر الرائق» (١/ ١٩١)، و «الاستذكار» (١/ ٢٢٢)، و «التاج والإكليل» (١/ ٣٢٠)، و «الخلاصة الفقهية» (١/ ٤٥)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٣٠)، و «المجموع» (١/ ٥٦٤)، و «الإفصاح» (١/ ١٠١)، و «عون المعبود» (١/ ١٨٧)، و «تحفة الأحوذي» (١/ ٢٧٨، ٢٨٣).
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وقيلَ: إنَّ أبا حَنيفةَ رحمة الله عليه رجَعَ إلى قَولِهما في آخِرِ عُمرِه إلى أنَّه يَجوزُ المَسحُ على الجَوربِ، لكنْ بشَرطَين:
الأولُ: أنْ يَكونَ صَفيقًا -ثَخينًا - لا يَبدو منه شَيءٌ من القَدمِ، فلا يَصفُ جِلدَ البَشرةِ.
الثاني: أنْ يُمكنَ مُتابعةُ المَشيِ فيه، وأنْ يَثبتَ بنَفسِه من غيرِ شَدٍّ بالعُرَى ونَحوِها.
وعنِ الإمامِ أحمدَ أيضًا قالَ: يَمسحُ عليه إنْ ثبَتَ في القَدمِ، وفي مَوضعٍ قالَ: إنْ كانَ يَمشي فيه فلا يَنثَني، فلا بأسَ بالمَسحِ عليه؛ فإنَّه إذا انثَنى ظهَرَ مَوضعُ الوُضوءِ.
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على الجَورَبينِ والنَّعلَين» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ النَّعلَين لم يَكونا عليهما؛ لأنَّهما لو كانا كذلك لم يَذكرِ النَّعلَينِ؛ فإنَّه لا يُقالُ: مسَحتُ على الخُفِّ ونَعلِه.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩)، والنسائي في «الكبري» (١٣٠)، وابن ماجه (٥٥٩)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٩٨)، وابن حبان في «صحيحه» (١٣٣٨).
ولأنَّ الجَوازَ في الخُفِّ لدَفعِ الحَرجِ لمَا يَلحقُه من المَشقةِ بالنَّزعِ، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الجَوربِ.
ولأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم مَسَحوا على الجَواربِ، قالَ الإمامُ أحمدُ: يُذكرُ المَسحُ على الجَورَبينِ عن سَبعةٍ أو ثَمانيةٍ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: ويُروَى إِباحةُ المَسحِ على الجَوربَينِ عن تِسعةٍ من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ، عليٍّ وعَمارٍ وابنِ مَسعودٍ وأنَسٍ وابنِ عُمرَ والبَراءِ وبِلالٍ وابنِ أبي أوْفَى وسَهلِ بنِ سَعدٍ، ولم يَظهرْ في عَصرِهم مُخالِفٌ، فكانَ إِجماعًا.
ولأنَّه ساتِرٌ لمَحلِّ الفَرضِ يَثبُتُ في القَدمِ فجازَ المَسحُ عليه كالنَّعلِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقَولُهم: لا يُمكنُ مُتابَعةُ المَشيِ فيه، قُلنا: لا يَجوزُ المَسحُ عليه إلا أنْ يَكونَ ممَّا يَثبتُ بنَفسِه، ويُمكنُ مُتابعةُ المَشيِ فيه، وأمَّا الرَّقيقُ فليسَ بساتِرٍ.
وقد سُئلَ أحمدُ عن جَوربِ الخِرقِ يُمسحُ عليه؟ فكرِهَ الخِرَقَ، ولعلَّ أحمدَ كرِهَها لأنَّ الغالِبَ عليها الخِفةُ وأنَّها لا تَثبتُ بأنفُسِها؛ فإنْ كانَت مِثلَ جَوربِ الصُّوفِ في الصَّفاقةِ والثُّبوتِ فلا فَرقَ، وقد قالَ أحمدُ في مَوضعٍ: لا يُجزئُه المَسحُ على الجَوربِ، حتى يَكونَ جَوربًا صَفيقًا يَقومُ قائِمًا في رِجلِه لا يَنكسِرُ مِثلَ الخُفَّينِ، إنَّما مسَحَ القَومُ على الجَوربَينِ؛ لأنَّهم كانَ عندَهم بمَنزِلةِ الخُفِّ في رِجلِ الرَّجلِ، يَذهبُ فيه الرَّجلُ ويَجيءُ (١).
(١) «المغني» (١/ ٣٧٦، ٣٧٧)، وينظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٤٦، ٤٧)، و «رد المحتار» (١/ ٤٥١)، و «البحر الرائق» (١/ ١٩١)، و «الإفصاح» (١/ ١٠١).
قالَ المِرداويُّ في «الإنصاف»: الجَوربُ إذا كان خَفيفًا يَصفُ القَدمَ أو يَسقطُ منه إذا مَشى لم يَجزِ المَسحُ عليه بلا نِزاعٍ (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ المَسحُ على الجَورَبينِ إذا كانَ يَمشي فيهما، سَواءٌ كانَت مُجلَّدةً أو لم تَكنْ في أصَحِّ قَولَيِ العُلماءِ، ففي السُّننِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على جَوربَيه ونَعلَيه» (٢).
وهذا الحَديثُ إذا لم يَثبتْ، فالقياسُ يَقتَضي ذلك؛ فإنَّ الفَرقَ بينَ الجَوربَينِ والنَّعلَين إنَّما هو كَونُ هذا من صُوفٍ وهذا من جِلدٍ، ومَعلومٌ أنَّ مِثلَ هذا الفَرقِ غيرُ مُؤثِّرٍ في الشَّريعةِ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ جُلودًا أو قُطنًا أو كَتَّانًا أو صُوفًا، كما لم يُفرَّقْ بينَ سَوادِ اللِّباسِ في الإحرامِ وبَياضِه ومَحظورِه ومُباحِه، وغايَتُه أنَّ الجِلدَ أبقَى من الصُّوفِ: فهذا لا تَأثيرَ له، كما لا تَأثيرَ لكَونِ الجِلدِ قَويًّا، بل يَجوزُ المَسحُ على ما يَبقى وما لا يَبقى.
وأيضًا فمن المَعلومِ أنَّ الحاجةَ إلى المَسحِ على هذا كالحاجةِ إلى المَسحِ على هذا سَواءٌ، ومع التَّساوي في الحِكمةِ والحاجةِ يَكونُ التَّفريقُ بينَهما تَفريقًا بينَ المُتماثِلَين، وهذا خِلافُ العَدلِ والاعتِبارِ الصَّحيحِ الذي جاءَ به الكِتابُ والسُّنةُ، وما أنزَلَ اللهُ به كُتُبَه وأرسَلَ به رُسلَه، ومن فرَّقَ بكَونِ هذا يَنفذُ الماءُ منه وهذا لا يَنفذُ منه، فقد ذكَرَ فَرقًا طَرديًّا عَديمَ التأثيرِ.
(١) «الإنصاف» (١/ ١٨٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم
ولو قالَ قائِلٌ: يَصلُ الماءُ إلى الصُّوفِ أكثَرَ من الجِلدِ يَكونُ المَسحُ عليه أَولى للصُوقِ الطَّهورِ به أكثَرَ، كان هذا الوَصفُ أَولى بالاعتِبارِ من ذلك الوَصفِ وأقرَبَ إلى الأَوصافِ المُؤثِّرةِ، وذلك أقرَبُ إلى الأَوصافِ الطَّرديةِ، وكِلاهما باطِلٌ وخُروقُ الطَّعنِ لا تَمنعُ جَوازَ المَسحِ.
ولو لم تَستُرِ الجَواربُ إلا بالشَّدِّ، جازَ المَسحُ عليها على الصَّحيحِ (١).
وقالَ أيضًا: وجَوربُ الخِرقِ كجَوربِ الصُّوفِ إذا كانَ صَفيقًا حيثُ يُمشَى في مِثلِه عادةً، وإنْ كانَ رَقيقًا يَتخرَّقُ في اليَومَين أو الثَّلاثةِ أو لا يَثبتُ بنَفسِه لم يُمسَحْ عليه؛ لأنَّ في مِثلِه لا يُمشَى عادةً ولا يُحتاجُ إلى المَسحِ عليه (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: المَسحُ على الجَوربَينِ قالَ به عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والحَسنُ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ كذلك قالا إذا كانا صَفيقَين، وبه قالَ النَّخعيُّ وسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ والأعمَشُ وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وابنُ المُبارَكِ وزُفرُ وأحمدُ وإِسحاقُ.
قالَ أحمدُ: قد فعَلَه سَبعةٌ أو ثَمانيةٌ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وقالَ إِسحاقُ: مَضَت السُّنةُ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن بعدَهم من التابِعين في المَسحِ على الجَورَبينِ لا اختِلافَ بينَهم في ذلك، وقالَ أبو ثَورٍ: يَمسحُ عليهما إذا كان يَمشي فيهما، وكذلك قالَ يَعقوبُ ومُحمدٌ إذا
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢١٤، ٢١٥).
(٢) «شرح العمدة» (١/ ٢٥١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل المسح على الخفين
بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا، وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَعْبَيْنِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَهُوَ أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ.
وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا، وَكَذَا فِي الْعُرْفِ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّاتِئُ، يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ» وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا فِي النَّاتِئِ، وَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ، فَقَالَ: إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الَّذِي فِي مِفْصَلِ الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذَلِكَ إلَى الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب المسح على الخفين
بابُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ
المَسْحُ على الخُفَّيْنِ جَائِزٌ عندَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. حَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ المُباركِ قال: ليس في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِى سَبْعُونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى البُخَارِيُّ، عن سَعْدِ بنِ مالِكٍ، والمُغِيرَةِ، وعَمْرِو بنِ أُمَيَّة . أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى أبو داود، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه
تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فقِيلَ له: أتَفْعَلُ هذا؟ قال: مَا يَمْنَعُنِى أنْ أمْسَحَ، وقد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمْسَحُ! فقِيلَ له: قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أو بَعْدَهُ؟ فقال: ما أسْلَمْتُ إلَّا بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وفي رِوَايةٍ، أنَّه قال: إنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَالَ، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على خُفَّيْه. قال إبراهيمُ : فكان يُعْجِبُهُم هذا؛ لأنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَاهُ حُذَيْفَة ، والمُغِيرَة ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مُتَّفَقٌ عليهما. قال أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أرْبَعُونَ حَدِيثًا عن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مَا رفعُوا إلى النَّبِيِّ، ومَا وقَفُوا.
فصل: ورُوِيَ عن أحمدَ، أَنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ. يَعْنِى مِن الغَسْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، والحَكَمِ، وإسْحَاق؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ" . وما
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب المسح على الخفين)
(باب المسح على الخفين)
قال الشافعي: " أخبرنا الثقفي يعني عبد الوهاب عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مخلدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) {المائدة: ٦) فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا وضوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ".
ارجع إلى المسح على الخفين للاطلاع على جميع المسائل.