مدة المسح على الخفين

الإسلام > الطهارة > المسح على الخفين > مدة المسح على الخفين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

مدة المسح على الخفين - الأقوال والأدلة

مُدةُ المَسحِ على الخُفَّينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل للمَسحِ مُدةٌ لا يَجوزُ زَمنيًّا تَجاوُزُها أو يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَمسحَ على خُفَّيه ما شاءَ ولا حَدَّ فيه؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَسحَ على الخُفَّينِ مُؤقَّتٌ بيَومٍ ولَيلةٍ في الحَضرِ وثَلاثةِ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ، لمَا رَواه مُسلمٌ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «جعَلَ رَسولُ اللهِ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (١). قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه ففيه -أي: هذا الحَديثِ- الحُجةُ البَيِّنةُ والدِّلالةُ الواضِحةُ لمَذهبِ الجُمهورِ أنَّ المَسحَ على الخُفَّينِ مُؤقَّتٌ بثَلاثةِ أيامٍ في السَّفرِ وبيَومٍ ولَيلةٍ في الحَضرِ، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ وجَماهيرِ العُلماءِ من الصَّحابةِ فمَن بعدَهم (٢).

وبما رَواه عَوفُ بنُ مالِكٍ الأشجَعيُّ: «أنَّ رَسولَ اللهِ أمَرَ بالمَسحِ على الخُفَّينِ في غَزوةِ تَبوكَ ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليهِنَّ للمُسافِرِ، ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (٣)، رَواه الإمامُ أحمدُ وقالَ: هو أجوَدُ حَديثٍ في المَسحِ

(١) رواه مسلم (٢٧٦).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٤٤).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٢٤٠٤١)، وابن أبي شبيه (١٨٤٧، ٣٧٠١١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٢٣).

على الخُفَّينِ؛ لأنَّه في غَزوةِ تَبوكَ، وهي آخِرُ غَزوةٍ غَزاها النَّبيُّ وهو آخِرُ فِعلِه (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ المَسحُ على الخُفَّينِ من غيرِ تَوقيتٍ بزَمانٍ، فلا يَنزعُهما إلا لمُوجِبِ الغُسلِ، ويُندبُ للمُكلَّفِ نَزعُهما في كلِّ أُسبوعٍ مَرةً يَومَ الجُمُعةِ، ولو لم يُرِدِ الغَسلَ لها، فإذا نزَعَهما لسَببٍ أو لغيرِه وجَبَ غَسلُ الرِّجلَينِ.

واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه أُبيُّ بنُ عِمارةَ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أمسَحُ على الخُفَّينِ؟ قالَ: «نَعَمْ» قالَ: يَومًا؟ قالَ: «يَومًا» قالَ: ويَومَين؟ قالَ: «ويَومَين» قالَ: وثَلاثةً؟ قالَ: «نَعَمْ، وما شِئتَ» (٢). ولأنَّه مَسحٌ في طَهارةٍ لم يَتوقَّفْ كمَسحِ الرأسِ في الوُضوءِ، والمَسحِ على الجَبائرِ، ولأنَّ التَّوقيتَ لا يُؤثِّرُ في نَقضِ الطَّهارةِ، إنَّما الناقِضُ للطَّهارةِ الحَدثُ من البَولِ والغائِطِ والجَنابةِ؛ ولأنَّ التَّوقيتَ يُنافي أُصولَ الطَّهاراتِ؛ فإنَّها دائِرةٌ مع أسبابِها لا مع أزمانِها، وإذا تَقابَلت الأخبارُ بَقيَ معنا النَّظرُ (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٨، ٣٩)، و» رد المحتار» (١/ ٤٥٦)، و «الإفصاح» (١/ ٩٨)، و «المغني» (١/ ٣٦٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ٦٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٥٨) قالَ النوويُّ: ضَعيفٌ باتفاقِ أهلِ الحَديثِ.
(٣) «الذخيرة» (١/ ٣٢٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٠٦)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٢٤)، و «الإفصاح» (١/ ٩٨).

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وقالَ مالِكٌ في المَشهورِ عنه: يَمسحُ بلا تَوقيتٍ، وهو قَولٌ قَديمٌ ضَعيفٌ للشافِعيِّ، واحتَجُّوا بحَديثِ ابنِ أبي عِمارةَ (بكَسرِ العَينِ) في تَركِ التَّوقيتِ، رواه أبو داودَ وغيرُه، وهو حَديثٌ ضَعيفٌ باتِّفاقِ أهلِ الحَديثِ (١).

وقالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: وأمَّا حَديثُ أبي عِمارةَ … لو ثبَتَ كانَ قَولُه: «وما شِئتَ» على أنَّه يَمسحُ بالثَّلاثِ ما شاءَ، وغيرُ جائِزٍ الاعتِراضُ على أَخبارِ التَّوقيتِ بمِثلِ هذه الأخبارِ الشاذةِ المُحتمِلةِ للمَعاني مع استِفاضةِ الرِّوايةِ عن النَّبيِّ بالتَّوقيتِ؛ فإنْ قيلَ: لمَّا جازَ المَسحُ وجَبَ أنْ يَكونَ غيرَ مُؤقَّتٍ كمَسحِ الرأسِ. قيلَ له: لا حَظَّ للنَّظرِ مع الأثَرِ؛ فإنْ كانَت أَخبارُ التَّوقيتِ ثابِتةً فالنَّظرُ معها ساقِطٌ وإنْ كانَت غيرَ ثابِتةٍ فالكَلامُ حينَئذٍ يَنبَغي أنْ يَكونَ في إِثباتِها وقد ثبَتَ التَّوقيتُ بالأَخبارِ المُستفيضةِ من حيثُ لا يُمكنُ دَفعُها.

وأيضًا فإنَّ الفَرقَ بينَهما ظاهِرٌ من طَريقِ النَّظرِ، وهو أنَّ مَسحَ الرأسِ هو المَفروضُ في نَفسِه، وليسَ ببَدلٍ عن غيرِه، والمَسحُ على الخُفَّينِ بَدلٌ عن الغُسلِ مع إِمكانِه من غيرِ ضَرورةٍ، فلم يَجزْ إثباتُه بَدلًا إلا في المِقدارِ الذي ورَدَ به التَّوقيتُ (٢).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٤٥).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل المسح على الخفين

بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا، وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَعْبَيْنِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَهُوَ أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ.

وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا، وَكَذَا فِي الْعُرْفِ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّاتِئُ، يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ» وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا فِي النَّاتِئِ، وَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ، فَقَالَ: إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الَّذِي فِي مِفْصَلِ الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذَلِكَ إلَى الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب المسح على الخفين

بابُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ

المَسْحُ على الخُفَّيْنِ جَائِزٌ عندَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. حَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ المُباركِ قال: ليس في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِى سَبْعُونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى البُخَارِيُّ، عن سَعْدِ بنِ مالِكٍ، والمُغِيرَةِ، وعَمْرِو بنِ أُمَيَّة . أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى أبو داود، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه

تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فقِيلَ له: أتَفْعَلُ هذا؟ قال: مَا يَمْنَعُنِى أنْ أمْسَحَ، وقد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمْسَحُ! فقِيلَ له: قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أو بَعْدَهُ؟ فقال: ما أسْلَمْتُ إلَّا بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وفي رِوَايةٍ، أنَّه قال: إنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَالَ، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على خُفَّيْه. قال إبراهيمُ : فكان يُعْجِبُهُم هذا؛ لأنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَاهُ حُذَيْفَة ، والمُغِيرَة ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مُتَّفَقٌ عليهما. قال أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أرْبَعُونَ حَدِيثًا عن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مَا رفعُوا إلى النَّبِيِّ، ومَا وقَفُوا.

فصل: ورُوِيَ عن أحمدَ، أَنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ. يَعْنِى مِن الغَسْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، والحَكَمِ، وإسْحَاق؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ" . وما

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب المسح على الخفين)

(باب المسح على الخفين)

قال الشافعي: " أخبرنا الثقفي يعني عبد الوهاب عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مخلدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) {المائدة: ٦) فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا وضوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ".

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 443 - 445

ارجع إلى المسح على الخفين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله