الإسلام > القضاء والشهادة > أركان الإقرار > الشرط الثاني: أن يكون صاحيا غير سكران
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوقالَ الحَنابِلةُ: إنْ كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ صحَّ إِقرارُه في قَدرِ ما أذِنَ له فيه.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ مِهَنا في اليَتيمِ إذا أُذِنَ له في التِّجارةِ وهو يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ فبَيعُه وشِراؤُه جائِزانِ، وإنْ أقَرَّ أنَّه اقتَضَى شَيئًا مِنْ مالِه جازَ بقَدرِ ما أذِنَ له وَليُّه فيه.
وقالَ أَبو بَكرٍ وابنُ أبي موسى: إنَّما يَصحُّ إِقرارُه فيما أذِنَ له في التِّجارةِ فيه في الشَّيءِ اليَسيرِ (١).
الشَّرطُ الثانِي: أنْ يَكونَ صاحِيًا غيرَ سَكرانَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ زالَ عَقلُه بسَببٍ مُباحٍ أو مَعذورٍ فيه فهو كالمَجنونِ، لا يُسمَعُ إِقرارُه، قالَ ابنُ قُدامةَ: بلا خِلافٍ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في السَّكرانِ بمُحرَّمٍ إذا أقَرَّ في حالِ سُكرِه هل يَصحُّ إِقرارُه ويُؤاخَذُ به أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِقرارُ السَّكرانِ؛ لأنَّه غيرُ عاقِلٍ، فلم يَصِحَّ إِقرارُه كالمَجنونِ الذي سَببُ جُنونِه فِعلٌ مُحرَّمٌ، ولأنَّ السَّكرانَ لا يُوثَقُ بصِحةِ ما يَقولُ، ولا تَنتَفي عنه التُّهمةُ فيما يُخبِرُ به فلم يُوجَدْ مَعنى الإِقرارِ المُوجِبِ لقَبولِ قَولِه، وهذا تَعليلُ الحَنابِلةِ (٣).
(١) «المغني» (٥/ ٨٧)، و «الإنصاف» (١٠/ ١٨٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧١٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٣٢).
(٢) «المغني» (٥/ ٨٧).
(٣) «المغني» (٥/ ٨٧)، و «المبدع» (١٠/ ٢٩٧)، و «الإنصاف» (١٢/ ١٣٢، ١٣٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٧٤، ٥٧٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧١٨).
وقالَ المالِكيةُ: لأنَّ السَّكرانَ -وإنْ كانَ مُكلَّفًا- مَحجورٌ عليه في المالِ، وكما لا يَلزَمُه إِقرارُه لا تَلزَمُه سائِرُ عُقودِه مِنْ بَيعٍ وإِجارةٍ وهِبةٍ وصَدَقةٍ وحَبسٍ، بخِلافِ جِناياتِه، فإنَّها تَلزَمُه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ الصَّحوُ فيَصِحُّ إِقرارُ السَّكرانِ بمُحرِّمٍ وتَنفُذُ أَقوالُه فيما له وعليه عندَ الشافِعيةِ حتى لو أقَرَّ بحَقٍّ للَّهِ أو لآدَميٍّ فإنَّه يُؤاخَذُ بهِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: يُؤاخَذُ السَّكرانُ بحُقوقِ العِبادِ الماليةِ بخِلافِ حُقوقِ اللهِ تَعالى، فلا يَصحُّ إِقرارُ السَّكرانِ به، وإنَّ ما لم يَكنْ خالِصًا للَّهِ تَعالى فإنَّه يَصحُّ إِقرارُه به كحَدِّ القَذفِ؛ لأنَّ فيه حَقَّ العَبدِ، والسَّكرانُ فيه كالصاحي عُقوبةً عليه كما في سائِرِ تَصرُّفاتِه.
والحاصِلُ أنَّ إِقرارَه بالحُدودِ لا يَصحُّ، إلا حَدَّ القَذفِ، وإِقرارُه بسَببِ القِصاصِ وسائِرِ الحُقوقِ مِنْ المالِ والطَّلاقِ والعَتاقِ وغَيرِها صَحيحٌ، لأنَّها لا تَقبَلُ الرُّجوعَ.
ولِذا إذا أقَرَّ بالسَّرِقةِ ولم يُقطَعْ لسُكرِه أُخِذَ منه المالُ وصارَ ضامِنًا له، وأمَّا ارتِدادُه فليسَ بصَحيحٍ، فلا تَبينُ منه امرَأتُه؛ لأنَّ الكُفرَ مِنْ بابِ
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٨٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٠٤).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢٠٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٨٠)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٥٧٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،
القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)
ارجع إلى أركان الإقرار للاطلاع على جميع المسائل.