الشرط الرابع: ألا يكون سفيها (إقرار السفيه)

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان الإقرار > الشرط الرابع: ألا يكون سفيها (إقرار السفيه)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: ألا يكون سفيها (إقرار السفيه) - الأقوال والأدلة

سَواءٌ كانَ الإِكراهُ على الإِقرارِ في حَقٍّ مِنْ حُقوقِ اللهِ تَعالى أو في حُقوقِ الآدَميِّ.

إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا: إنْ أقَرَّ بغَيرِ ما أُكرِهَ عليه مِثلَ أنْ يُكرَهَ على الإِقرارِ لرَجلٍ فأقَرَّ لغَيرِه أو بنَوعٍ مِنْ المالِ، فيُقِرَّ بغَيرِه، أو على الإِقرارِ بطَلاقِ امرَأةٍ فأقَرَّ بطَلاقِ أُخرى أو أقَرَّ بعِتقِ عَبدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكرَهْ عليه، فصَحَّ كما لو أقَرَّ به ابتِداءً، ولو أُكرِهَ على أَداءِ مالٍ فباعَ شَيئًا مِنْ مالِه ليُؤَديَ ذلك صحَّ بَيعُه؛ لأنَّه لم يُكرَهْ على البَيعِ.

ومَن أقَرَّ بحَقٍّ ثم ادَّعَى أنَّه كانَ مُكرَهًا لم يُقبَلْ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ سَواءٌ أقَرَّ عندَ السُّلطانِ أو عندَ غَيرِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الإِكراهِ إلا أنْ يَكونَ هُناكَ دِلالةٌ على الإِكراهِ كالقَيدِ والحَبسِ والتَّنكيلِ به، فيَكونُ القَولُ قَولَه مع يَمينِه؛ لأنَّ هذه الحالَ تَدلُّ على الإِكراهِ.

ولو ادَّعَى أنَّه كانَ زائِلَ العَقلِ حالَ إِقرارِه لم يُقبَلْ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ حتى يُعلَمَ غَيرُها، ولو شهِدَ الشُّهودُ بإِقرارِه لم تَفتَقِرْ صِحةُ الشَّهادةِ إلى أنْ يَقولوا طَوعًا في صِحةِ عَقلِه؛ لأنَّ الظاهِرَ سَلامةُ الحالِ وصِحةُ الشَّهادةِ (١).

الشَّرطُ الرابِعُ: ألَّا يَكونَ سَفيهًا (إِقرارُ السَّفيهِ):

نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ على أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ بالمالِ عَدمُ السَّفهِ.

(١) «المغني» (٥/ ٨٨)، و «المبدع» (١٠/ ٢٩٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٧٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧١٩)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦٥٨).

فإذا كانَ المُقِرُّ سَفيهًا وأقَرَّ بمالٍ لا يَصحُّ إِقرارُه بهذا المالِ، وكذا سائِرُ تَصرُّفاتِه الماليةِ لأنَّه مَحجورٌ عليه.

وخالَفَ في ذلك الإمامُ أَبو حَنيفةَ فقالَ بعَدَمِ الحَجرِ على السَّفيهِ إذا بلَغَ عاقِلًا ثم حصَلَ له سَفهٌ ويَصحُّ منه جَميعُ تَصرُّفاتِه؛ لأنَّه لا يَرى الحَجرَ عليه أصلًا (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ في المَذهبِ فقالوا: إنْ أقَرَّ السَّفيهُ بمالٍ صحَّ إِقرارُه، ولم يَلزَمْه ما أقَرَّ به في حالِ حَجرِه، بل يُتبَعُ به بعدَه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلزَمُه في الحالِ، فلزِمَه بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه كالعَبدِ يُقِرُّ بدَينٍ والراهِنِ على الرَّهنِ والمُفلِسِ على المالِ. لكنْ إنْ علِمَ الوَليُّ صِحةَ ما أقَرَّ به السَّفيهُ كدَينِ جِنايةٍ ونَحوِه لزِمَه أَداؤُه.

وفي قَولٍ أنَّ السَّفيهَ إذا أقَرَّ بمالٍ كالدَّينِ أو بما يُوجِبُه كجِنايةِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ وإِتلافِ المالِ وغَصبِه وسَرِقَتِه لم يُقبَلْ إِقرارُه به؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لحَظِّه، فلم يَصحَّ إِقرارُه بالمالِ كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنا لو قَبِلنا إِقرارَه في مالِه لَزالَ مَعنى الحَجرِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مالِه ثم يُقِرُّ به فيَأخذُه المُقِرُّ له؛ ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمنوعٌ مِنْ التَّصرُّفِ فيه كإِقرارِ الراهِنِ على الرَّهنِ والمُفلِسِ على المالِ.

(١) «المبسوط» (١٨/ ١٤٥، ١٤٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٢٢)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٧٦٦)، و «غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر» (٣/ ١٧٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٨٥)، و «البيان» (١٣/ ٤١٩).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتمَلُ ألَّا يَصِحَّ إِقرارُه ولا يُؤخَذَ به في الحُكمِ بحالٍ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لعَدمِ رُشدِه، فلم يَلزَمْه حُكمُ إِقرارِه بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّ المَنعَ مِنْ نُفوذِ إِقرارِه في الحالِ إنَّما ثبَتَ لحِفظِ مالِه عليه ودَفعِ الضَّررِ عنه، فلو نفَذَ بعدَ فَكِّ الحَجرِ لم يُفِدْ إلا تَأخيرَ الضَّررِ عليه إلى أكمَلِ حالَتَيه، وفارَقَ المَحجورَ عليه لحَقِّ غَيرِه، فإنَّ المانِعَ تَعلُّقُ حَقِّ الغَيرِ بمالِه، فيَزولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه فيَثبُتُ مُقتَضى إِقرارِه.

وفي مَسألَتِنا انتَفى الحُكمُ لخَللٍ في الإِقرارِ، فلم يَثبُتْ كَونُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجرِ لم يَكمُلِ السَّببُ فلا يَثبُتُ الحُكمُ مع اختِلالِ السَّبَبِ، كما لم يَثبُتْ قبلَ فَكِّ الحَجرِ، ولأنَّ الحَجرَ لحَقِّ الغَيرِ لم يُمنَعْ تَصرُّفُهم في ذِمَمِهم، فأمكَنَ تَصحيحُ إِقرارِهم في ذِمَمِهم على وَجهٍ لا يَضُرُّ بغَيرِهم بأنْ يَلزَمَهم بعدَ زَوالِ حَقِّ غَيرِه، والحَجرُ ههُنا لحَظِّ نَفسِه مِنْ أجلِ ضَعفِ عَقلِه وسُوءِ تَصرُّفِه، ولا يَندفِعُ الضَّررُ إلا بإِبطالِ إِقرارِه بالكُليةِ كالصَّبيِّ والمَجنونِ.

وأمَّا صِحَّتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى فإنْ عُلمَ صِحةُ ما أقَرَّ به كدَينٍ لزِمَه مِنْ جِنايةٍ أو ديَنٍ لزِمَه قبلَ الحَجرِ عليه، فعليه أداؤُه لأنَّه علِمَ أنَّ عليه حَقًّا فلزِمَه أَداؤُه، كما لو لم يَكنْ يُقِرُّ به، وإنْ عُلمَ فَسادُ إِقرارِه مِثلَ أنْ عُلِمَ أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايةٍ لم تُوجَدْ منه أو أقَرَّ بما لا يَلزَمُه، مِثلَ إن أتلَفَ مالَ مَنْ دَفعَه إليه بقَرضٍ أو بَيعٍ لم يَلزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، فلم يَلزَمْه شَيءٌ، كما لو لم يُقِرَّ به.

وإذا أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ له في البَيعِ والشِّراءِ فهل يَصحُّ منه على وَجهَينِ:

أحَدُهما: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ فملَكَه بالإذنِ كالنِّكاحِ، ولِأنَّه عاقِلٌ مَحجورٌ عليه، فصَحَّ تَصرُّفُه بالإذنِ فيه كالصَّبيِّ يُحقِّقُ هذا أنَّ الحَجرَ على الصَّبيِّ أعلَى مِنْ الحَجرِ عليه ثم يَصحُّ تَصرُّفُه بالإذنِ، فههنا أوْلَى، ولِأنَّا لو مَنَعنا تَصرُّفَه بالإذنِ لم يَكنْ لنا طَريقٌ إلى مَعرِفةِ رُشدِه واختِبارِه.

والثانِي: لا يَصحُّ لأنَّ الحَجرَ عليه لتَبذيرِه وسُوءِ تَصرُّفِه، فإذا أذِنَ له فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، فلم يَصحَّ كما لو أذِنَ في بَيعِ ما يُساوي عَشرةً بخَمسةٍ.

وحُكمُ تَصرُّفِ وَليِّ السَّفيهِ كحُكمِ تَصرُّفِ وَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ؛ لأنَّ وِلايَتَه على السَّفيهِ لحَظِّه، أشبَهَ وَليَّ الصَّبيِّ (١).

وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك كُلِّه في كِتابِ الحَجرِ، وبَيَّنتُ الفَرقَ إذا أقَرَّ على نَفسِه بشَيءٍ قبلَ الحُكمِ عليه بالحَجرِ وبعدَه.

وأمَّا إذا أقَرَّ السَّفيهُ بحَدٍّ أو قِصاصٍ فإنَّ العُلَماءَ أجمَعوا على أنَّه يُؤاخَذُ بإِقرارِه في ذلك.

السَّفيهُ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ والهِبةِ والعِتقِ فلا يَجوزُ تَصرُّفُه عندَ عامةِ الفُقهاءِ؛ إلا بإذنِ وَليِّه على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ كما سَيأتي.

(١) «المغني» (٤/ ١٧١، ١٧٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٣٤، ٣٣٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٢٨، ٥٣٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٨٧، ٤٨٩)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤١٥، ٤١٧).

وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ ليسَ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالطَّلاقِ والظِّهارِ والإِيلاءِ والإِقرارِ بحَدٍّ أو قِصاصٍ، فيَصِحَّ منه هذا عندَ عامةِ الفُقهاءِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المَحجورُ عليه لفَلسٍ أو سَفهٍ إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ والقَذفِ والقَتلِ العَمدِ أو قَطعِ اليَدِ وما أشبَهَها؛ فإنَّ ذلك مَقبولٌ ويَلزَمُه حُكمُ ذلك في الحالِ، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا.

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كُلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إِقرارَ المَحجورِ عليه على نَفسِه جائِزٌ إذا كانَ إِقرارُه بزِنًا أو سَرِقةٍ أو شُربِ خَمرٍ أو قَذفٍ أو قَتلٍ، وإنَّ الحُدودَ تُقامُ عليه، وهذا قَولُ الشافِعيِّ، وأبي ثَورٍ، وأَصحابِ الرَّأيِ، ولا أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافًا لقَولِهِم (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهمٍ في حَقِّ نَفسِه، والحَجرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه فقُبِلَ إِقرارُه على نَفسِه بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ، وإنْ طلَّقَ زَوجَتَه نفَذَ طَلاقُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ بتَصرُّفٍ في المالِ ولا يَجري مَجراه فلا يُمنَعُ منه؛ كالإِقرارِ بالحَدِّ والقِصاصِ، ودَليلُ أنَّه لا يَجري مَجرى المالِ أنَّه يَصحُّ مِنْ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سَيِّدِه مع مَنعِه مِنْ التَّصرُّفِ في المالِ ولا يَملِكُ بالمِيراثِ، ولأنَّه مُكلَّفٌ طلَّقَ امرَأتَه مُختارًا فوقَعَ طَلاقُه كالعَبدِ والمُكاتَبِ (٢).

(١) «الإشراف» (٦/ ٢٣٤)، و «الإجماع» (٥٣٨).
(٢) «المغني» (٤/ ٣٠٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.

١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 231 - 235

ارجع إلى أركان الإقرار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله