الحكم بغير ما أنزل الله

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الحكم بغير ما أنزل الله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

الحكم بغير ما أنزل الله - الأقوال والأدلة

وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ إنْ لمْ يَكنْ مُتعينًا جازَ له أَخذُ الرِّزقِ عليه، وإنْ تعيَّنَ لمْ يَجزْ إلا معَ الحاجةِ.

والصَّحيحُ جَوازُ أَخذُ الرِّزقِ عليه بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه لمَا ولِيَ الخِلافةَ فرَضُوا له الرِّزقَ كلَّ يَومٍ دِرهمينِ، ولمَا ذكَرْناه مِنْ أنَّ عُمرَ رزَقَ زَيدًا وشُريحًا وابنَ مَسعودٍ، وأمَرَ بفَرضِ الرِّزقِ لمَن تَولى مِنْ القُضاةِ، ولأنَّ بالناسِ حاجةً إليه، ولو لمْ يَجزْ فَرضُ الرِّزقِ لتعطَّلَ وضاعَتِ الحُقوقُ.

فأمَّا الاستِئجارُ عليه فلا يَجوزُ، قالَ عُمرُ رضي الله عنه: «لا يَنبغي لقاضِي المُسلِمينَ أنْ يَأخذَ على القَضاءِ أَجرًا»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّه قُربةٌ يَختصُّ فاعلُه أنْ يَكونَ في أَهلِ القُربةِ فأشبَهَ الصَّلاةَ، ولأنَّه لا يَعملُه الإِنسانُ عن غيرِه، وإنما يَقعُ عن نَفسِه فأشبَهَ الصَّلاةَ، ولأنَّه عَملٌ غيرُ مَعلومٍ، فإنْ لمْ يَكنْ للقاضِي رِزق فقالَ للخَصمينِ: «لا أَقضي بينَكما حتى تَجعَلا لي رِزقًا عليه» جازَ ويَحتملُ ألَّا يَجوزَ» (١).

الحُكمُ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الواجبَ على الحاكمِ والقاضِي أنْ يَحكمَ بما أنزَلَ اللهُ، وإذا لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ فهذا لا يَخلو حالُه مِنْ أنْ يُنكرَ ويَجحدَ ما أنزَلَ اللهُ أو يَرى أنَّ ما يَحكمُ به خيرٌ مما حكَمَ به اللهُ، فهذا لا خِلافَ بينَ أَحدٍ مِنْ المُسلِمينَ في كُفرِه.

(١) «المغني» (١٠/ ٩٠، ٩١).

وأمَّا مَنْ حكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ، ولكنَّه يَرى أنَّ حُكمَ اللهِ أَفضلُ مِنْ حُكمِه فهو فاسقٌ، وهل يَكفرُ بذلك؟ فيه كَلامٌ للعُلماءِ.

قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: «قولُه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤] لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُرادُه كُفرُ الشِّركِ والجُحودِ أو كُفرُ النِّعمةِ مِنْ غيرِ جُحودِ، فإنْ كانَ المُرادُ جُحودَ حُكمِ اللهِ أو الحُكمُ بغيرِه معَ الإِخبارِ بأنَّه حُكمُ اللهِ فهذا كُفرٌ يُخرجُ عن المِلةِ، وفاعلُه مُرتدٌ إنْ كانَ قبلَ ذلك مُسلمًا، وعلى هذا تأوَّلَه مَنْ قالَ: «إنَّها نزَلَتْ في بَني إِسرائيلَ وجرَتْ فينا» يَعنونَ أنَّ مَنْ جحَدَ منا حُكمًا أو حكَمَ بغيرِ حُكمِ اللهِ، ثُم قالَ إنَّ هذا حُكمُ اللهِ فهو كافرٌ كما كفَرَتْ بَنو إِسرائيلَ حينَ فعَلُوا ذلك.

وإنْ كانَ المُرادُ به كُفرَ النِّعمةِ فإنَّ كُفرانَ النِّعمةِ قد يَكونُ بتَركِ الشُّكرِ عليها مِنْ غيرِ جُحودٍ، فلا يَكونُ فاعلُه خارجًا مِنْ المِلةِ، والأَظهرُ هو المَعنى الأَولُ لإِطلاقِه اسمَ الكُفرِ على مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ» (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ أَقوالَ العُلماءِ في نُزولِ الآيةِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤]: «وأَولى هذه الأَقوالِ عِندي بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ نزَلَتْ هذه الآياتُ في كُفارِ أَهلِ الكِتابِ؛ لأنَّ ما قبلَها وما بعدَها مِنْ الآياتِ ففيهم نزلَتْ، وهم المَعنيونَ بها، وهذه الآياتُ سياقُ الخبَرِ عنهم فكونُها خبرًا عنهم أَولى.

(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٩٣).

فإنْ قالَ قائلٌ: فإنَّ اللهَ -تَعالى ذِكرُه- قد عمَّ بالخبَرِ بذلك عن جَميعِ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ فكيفَ جعلْتَه خاصًّا؟ قيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى عمَّ بالخبَرِ بذلك عن قَومٍ كانوا بحُكمِ اللهِ الذي حكَمَ به في كِتابِه جاحدينَ، فأخبَرَ عنهم أنَّهم بتَركِهم الحُكمَ على سَبيلِ ما تَركوه كافِرونَ.

وكذلك القَولُ في كلِّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا به هو باللهِ كافرٌ كما قالَ ابنُ عَباسٍ؛ لأنَّه بجُحودِه حُكمَ اللهِ بعدَ عِلمِه أنَّه أنزَلَه في كِتابِه نَظيرُ جُحودِه نُبوةَ نَبيِّه بعدَ عِلمِه أنَّه نَبيٌّ» (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: «قالَ طاوسٌ وغيرُه -في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤]-: «ليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ، ولكنهَّ كُفرٌ دونَ كُفرٍ، وهذا يَختلفُ إنْ حكَمَ بما عندَه على أنَّه مِنْ عندِ اللهِ فهو تَبديلٌ له يُوجبُ الكُفرَ، وإنْ حكَمَ به هَوى ومَعصيةً فهو ذَنبٌ تُدركُه المَغفرةُ على أَصلِ أَهلِ السُّنةِ في الغُفرانِ للمُذنبينَ» (٢).

وقالَ الإِمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: «قالَ ابنُ مَسعودٍ والحَسنُ: هي عامةٌ في كلِّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ مِنْ المُسلِمينَ واليَهودِ والكُفارِ، أيْ: مُعتقدًا ذلك ومُستحلًّا له، فأمَّا مَنْ فعَلَ ذلك وهو مُعتقدٌ أنَّه راكبُ مُحرمٍ فهو مِنْ فُساقِ المُسلِمينَ وأَمرُه إلى اللهِ تَعالى إنْ شاءَ عذَّبَه وإنْ شاءَ غفَرَ له» (٣).

(١) «تفسير الطبري» (٦/ ٢٥٧).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ١٢٧).
(٣) «تفسير القرطبي» (٦/ ١٩٠).

وقالَ الإِمامُ ابنُ الجَوزيِّ رحمة الله عليه: «فأمَّا قَولُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤] وقَولُه تَعالى بعدَها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)[المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)[المائدة: ٤٧].

فاختَلفَ العُلماءُ فيمن نزلَتْ على خَمسةِ أَقوالٍ:

أَحدُها: أنَّها نزلَتْ في اليَهودِ خاصَّةً رَواه عُبيدُ بنُ عَبدِ اللهِ عن ابنِ عَباسٍ وبه قالَ قَتادةُ.

والثانِي: أنَّها نزلَتْ في المُسلِمينَ، رَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عَباسٍ نحوَ هذا المَعنى.

والثالثُ: أنَّها عامةٌ في اليَهودِ وفي هذه الأُمةِ، قالَه ابنُ مَسعودٍ والحَسنُ والنَّخعيُّ والسُّديُّ.

والرابعُ: أنَّها نزلَتْ في اليَهودِ والنَّصارى قالَه أَبو مِجلزٍ.

والخامسُ: أنَّ الأُولى في المُسلِمينَ، والثانيةَ في اليَهودِ، والثالثةَ في النَّصارى قالَه الشِّعبيُّ.

وفي المُرادِ بالكُفرِ المَذكورِ في الآيةِ الأُولى قَولانِ:

أَحدُهما: أنَّه الكُفرُ باللهِ تَعالى.

والثانِي: أنَّه الكُفرُ بذلك الحُكمِ، وليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ.

وفَصلُ الخِطابِ أنَّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا له وهو يَعلمُ أنَّ اللهَ أنزَلَه كما فعلَتِ اليَهودُ فهو كافرٌ، ومَن لمْ يَحكمْ به مَيلًا إلى الهَوى مِنْ غيرِ جُحودٍ فهو ظالمٌ وفاسقٌ، وقد رَوى عَليُّ بنُ أَبي طَلحةَ عن ابنِ عَباسٍ

أنَّه قالَ: «مَنْ جحَدَ ما أنزَلَ اللهُ فقد كفَرَ، ومَن أقَرَّ به ولمْ يَحكمْ به فهو فاسقٌ وظالمٌ» (١).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: «وجَبَ على كلِّ مَنْ حكَمَ بينَ اثنينِ أنْ يَحكمَ بالعَدلِ لقَولِه تَعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] فليسَ لحاكمٍ أنْ يَحكمَ بظُلمٍ أبدًا، والشَّرعُ الذي يَجبُ على حُكامِ المُسلِمينَ الحُكمُ به عَدلٌ كلُّه ليسَ في الشَّرعِ ظُلمٌ أَصلًا بل حُكمُ اللهِ أَحسنُ الأَحكامِ.

والشَّرعُ هو ما أنزَلَ اللهُ، فكلُّ مَنْ حكَمَ بما أنزَلَ اللهُ فقد حكَمَ بالعَدلِ، لكنَّ العَدلَ قد يَتنوعُ بتَنوعِ الشَّرائعِ والمَناهجِ فيَكونُ العَدلُ في كلِّ شِرعةٍ بحسَبِها، ولهذا قالَ تَعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ

يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٢، ٤٤] إلى قَولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا

(١) «زاد المسير» (٢/ ٣٦٦، ٣٦٧).

مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)[المائدة: ٤٧ - ٥٠].

ذكَرَ سبُحانَه حُكمَ التَّوراةِ والإِنجيلِ ثُم ذكَرَ أنَّه أنزَلَ القُرآنَ وأمَرَ نَبيَّه أنْ يَحكمَ بينهم بالقُرآن ولا يَتبعْ أَهواءَهم عما جاءَه مِنْ الكِتابِ، وأخبَرَ أنَّه جعَلَ لكلِّ واحدٍ مِنْ الأَنبياءِ شِرعةً ومِنهاجًا، فجعَلَ لمُوسى وعيسى ما في التَّوراةِ والإِنجيلِ مِنْ الشِّرعةِ والمِنهاجِ، وجعَلَ للنَّبيِّ ما في القُرآنِ مِنْ الشَّرعةِ والمِنهاجِ، وأمَرَه أنْ يَحكمَ بما أنزَلَ اللهُ، وحذَّرَه أنْ يَفتنوه عن بعضِ ما أنزَلَ اللهُ، وأخبَرَه أنَّ ذلك هو حُكمُ اللهِ، ومَنِ ابتَغى غيرَه فقد ابتَغى حُكمَ الجاهِليةِ.

وقالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤] ولا رَيبَ أنَّ مَنْ لمْ يَعتقدْ وُجوبَ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ على رَسولِه فهو كافرٌ، فمَن استحَلَّ أنْ يَحكمَ بينَ الناسِ بما يَراه هو عَدلًا من غيرِ اتباعٍ لمَا أنزَلَ اللهُ فهو كافرٌ، فإنَّه ما مِنْ أُمةٍ إلا وهي تَأمرُ بالحُكمِ بالعَدلِ، وقد يَكونُ العَدلُ في دينِها ما رَآه أَكابرُهم، بل كَثيرٌ مِنْ المُنتسبينَ إلى الإِسلامِ يَحكمونَ بعاداتِهم التي لمْ يُنزلْها اللهُ كسَوالفِ الباديةِ، وكأَوامرِ المُطاعينَ فيهم، ويَرونَ أنَّ هذا هو الذي يَنبغي الحُكمُ به دونَ الكِتابِ والسُّنةِ، وهذا

هو الكُفرُ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ الناسِ أسلَمُوا، ولكنْ مع هذا لا يَحكمونَ إلا بالعاداتِ الجاريةِ لهم التي يَأمرُ بها المُطاعونَ، فهؤلاء إذا عرَفُوا أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ إلا بما أنزَلَ اللهُ فلمْ يَلتزموا ذلك، بل استحَلُّوا أنْ يَحكموا بخِلافِ ما أنزَلَ اللهُ، فهم كُفارٌ وإلا كانوا جُهالًا، كمَن تقدَّمَ أَمرُهم، وقد أمَرَ اللهُ المُسلِمينَ كلَّهم إذا تَنازعوا في شَيءٍ أنْ يَردوه إلى اللهِ والرَّسولِ، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)[النساء: ٥٩].

وقالَ تَعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)[النساء: ٦٥] فمَن لمْ يَلتزمْ تَحكيمَ اللهِ ورَسولِه فيما شجَرَ بينهم فقد أقسَمَ اللهُ بنَفسِه أنَّه لا يُؤمنُ، وأمَّا مَنْ كانَ مُلتزمًا لحُكمِ اللهِ ورَسولِه باطنًا وظاهرًا، لكنْ عَصى واتبَعَ هواه فهذا بمَنزلةِ أَمثالِه مِنْ العُصاةِ.

وهذه الآيةُ مما يَحتجُّ بها الخَوارجُ على تَكفيرِ وُلاةِ الأَمرِ الذين لا يَحكمونَ بما أنزَلَ الله ثُم يَزعمونَ أنَّ اعتقادَهم هو حُكمُ اللهِ، وقد تكلَّمَ الناسُ بما يَطولُ ذِكرُه هنا، وما ذكَرْتُه يَدلُّ عليه سياقُ الآيةِ.

والمَقصودُ أنَّ الحُكمَ بالعَدلِ واجبٌ مُطلقًا في كلِّ زَمانٍ ومَكانٍ على كلِّ أَحدٍ ولكلِّ أَحدٍ، والحُكمُ بما أنزَلَ اللهُ على مُحمدٍ هو عَدلٌ خاصٌّ وهو أَكملُ أَنواعِ العَدلِ وأَحسنُها، والحُكمُ به واجبٌ على النَّبيِّ وكلِّ مَنْ اتبعَه، ومَن لمْ يَلتزمْ حُكمَ اللهِ ورَسولِه فهو كافرٌ.

وهذا واجبٌ على الأُمةِ في كلِّ ما تنازعَتْ فيه مِنْ الأُمورِ الاعتقاديةِ والعِمليةِ قالَ تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣].

وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فالأُمورُ المُشتركَةُ بينَ الأُمةِ لا يَحكمُ فيها إلا الكِتابُ والسُّنةُ ليسَ لأَحدٍ أنْ يُلزمَ الناسَ بقَولِ عالمٍ ولا أَميرٍ ولا شَيخٍ ولا مَلكٍ.

ومَن اعتقَدَ أنَّه يَحكمُ بينَ الناسِ بشَيءٍ مِنْ ذلك ولا يَحكمُ بينهم بالكِتابِ والسُّنةِ فهو كافرٌ، وحُكامُ المُسلِمينَ يَحكمونَ في الأُمورِ المُعينةِ لا يَحكمونَ في الأُمورِ الكُليةِ، وإذا حكَمُوا في المُعيَّناتِ فعليهم أنْ يَحكموا بما في كِتابِ اللهِ، فإنْ لمْ يَكنْ فبما في سُنةِ رَسولِ اللهِ ، فإنْ لمْ يَجدوا اجتهَدَ الحاكمُ برَأيه.

وقد قالَ النَّبيُّ : «القُضاةُ ثَلاثةٌ: قاضِيانِ في النارِ، وقاضٍ في الجَنةِ، فمَن علِمَ الحقَّ وقَضى به فهو في الجَنةِ، ومَن علِمَ الحقَّ وقَضى بخِلافِه فهو في النارِ، ومَن قَضى للناسِ على جَهلٍ فهو في النار» (١).

وإذا حكَمَ بعِلمٍ وعَدلٍ فإذا اجتهَدَ فأصابَ فله أَجرانِ، وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أَجرٌ كما ثبَتَ ذلك في الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ » (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥).
(٢) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ١٢٨، ١٣٢).

وقالَ أيضًا: «والإِنسانُ متى حلَّلَ الحَرامَ المُجمعَ عليه أو حرَّمَ الحَلالَ المُجمعَ عليه أو بدَّلَ الشَّرعَ المُجمعَ عليه كانَ كافرًا مُرتدًا باتفاقِ الفُقهاءِ، وفي مثلِ هذا نزَلَ قَولُه -على أَحدِ القَولينِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤] أي هو المُستحِلُّ للحُكمِ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ.

ولَفظُ الشَّرعِ يُقالُ في عُرفِ الناسِ على ثَلاثةِ مَعانٍ:

الشَّرعُ المُنزَّلُ وهو ما جاءَ به الرَّسولُ، وهذا يَجبُ اتباعُه، ومَن خالَفَه وجبَتْ عُقوبتُه.

والثانِي: الشَّرعُ المُؤوَّلُ، وهو آراءُ العُلماءِ المُجتهدِينَ فيها كمَذهبِ مالِكٍ ونَحوِه، فهذا يَسوغُ اتباعُه ولا يَجبُ ولا يَحرمُ، وليسَ لأَحدٍ أنْ يُلزمَ عُمومَ الناسِ به، ولا يَمنعَ عُمومَ الناسِ منه.

والثالثُ: الشَّرعُ المُبدَّلُ، وهو الكَذبُ على اللهِ ورَسولِه أو على الناسِ بشَهاداتِ الزُّورِ ونَحوِها والظُّلمِ البَينِ، فمَن قالَ إنَّ هذا مِنْ شَرعِ اللهِ فقد كفَرَ بلا نِزاعٍ، كمَن قالَ: إنَّ الدَّمَ والمَيتةَ حَلالٌ، ولو قالَ هذا مَذهبي ونَحوُ ذلك» (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: «تَأويلُ ابنِ عَباسٍ وعامةِ الصَّحابةِ في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)[المائدة: ٤٤] قالَ ابنُ عَباسٍ: «ليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ، بل إذا فعَلَه فهو به

(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٦٧، ٢٦٨).

كُفرٌ، وليسَ كمَن كفَرَ باللهِ واليَومِ الآخرِ»، وكذلك قالَ طاوسٌ، وقالَ عَطاءٌ: «هو كُفرٌ دونَ كُفرٍ، وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ، وفِسقٌ دونَ فِسقٍ».

ومنهم: مَنْ تأوَّلَ الآيةَ على تَركِ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا له وهو قَولُ عِكرمةَ، وهو تَأويلٌ مَرجوحٌ، فإنَّ نَفسَ جُحودِه كُفرٌ، سَواءٌ حكَمَ أو لمْ يَحكمْ.

ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على تَركِ الحُكمِ بجَميعِ ما أنزَلَ اللهُ، قالَ: ويَدخلُ في ذلك الحُكمُ بالتَّوحيدِ والإِسلامِ، وهذا تَأويلُ عَبدِ العَزيزِ الكِنانِيِّ، وهو أيضًا بعيدٌ؛ إذ الوَعيدُ على نَفي الحُكمِ بالمُنزِّلِ وهو يَتناولُ تَعطيلَ الحُكمِ بجَميعِه وببعضِه.

ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على الحُكمِ بمُخالفةِ النصِّ تَعمدًا مِنْ غيرِ جَهلٍ به ولا خَطأٍ في التَّأويلِ، حَكاه البَغويُّ عن العُلماءِ عُمومًا.

ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على أَهلِ الكِتابِ، وهو قَولُ قَتادةَ والضَّحاكِ وغيرِهما، وهو بَعيدٌ، وهو خِلافُ ظاهرِ اللَّفظِ فلا يُصار إليه.

ومنهم: مَنْ جعَلَه كُفرًا يَنقلُ عن المِلةِ.

والصَّحيحُ: أنَّ الحُكمَ بغير ما أنزَلَ اللهُ يَتناولُ الكُفرينِ الأَصغرَ والأَكبَرَ بحسَب حالِ الحاكمِ، فإنَّه إنِ اعتقَدَ وُجوبَ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ في هذه الواقِعةِ وعدَلَ عنه عِصيانًا؛ لأنَّه معَ اعتِرافِه بأنَّه مُستحِقٌّ للعُقوبةِ فهذا كُفرٌ أَصغرُ، وإنِ اعتَقدَ أنَّه غيرُ واجبٍ وأنَّه مُخيَّرٌ فيه معَ تَيقنِه أنَّه حُكمُ اللهِ تَعالى فهذا كُفرٌ أَكبَرُ، وإنْ جهِلَه وأخطَأَه فهذا مُخطِئٌ له حُكمُ المُخطِئينَ (١).

(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٦، ٣٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.

١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 411 - 420

ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله