الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه
مسائلُ فقهيةٌ في أركان القضاء وشروطه على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 5 دقيقة قراءةأَركانُ القَضاءِ وشُروطُه:
أَركانُ القَضاءِ عندَ العُلماءِ سِتةٌ: القاضِي، والمَقضيُّ به، والمَقضيُّ له، والمَقضيُّ فيه، والمَقضيُّ عليه، وكَيفيةُ القَضاءِ (الحُكمُ) (١).
الرُّكنُ الأَولُ: القاضِي:
تُوجدُ أَحكامٌ كَثيرةٌ تَختصُّ بالقاضِي، منها: شُروطُه التي لا بدَّ أنْ تَتوفرَ حتى تَصحَّ تَوليتُه للقَضاءِ، ومنها: آدابُه التي يَنبغي أنْ يَتحلى بها، ومنها: أَحكامُ عَزلِه.
والفُقهاءُ اشتَرطُوا في القاضِي عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافرِها لصِحةِ القَضاءِ. وبيانُ هذه الشُّروطِ فيما يلي:
الشَّرطُ الأَولُ: الإِسلامُ:
أجمَعَ أَهلُ العِلم على أنَّه يُشترطُ في القاضِي الذي يَحكمُ بينَ المُسلِمينَ أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا تَصحُّ تَوليةُ الكافرِ ليَقضيَ بينَ مُسلمَينِ أو بينَ مُسلِمٍ وغيرِه، ولا بينَ مُسلِمٍ وكافرٍ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. وأيُّ سَبيلٍ أَعظمُ مِنْ أنْ يُلزمَه، ويَحكمَ عليه بغيرِ اختيارِه؟ فإنَّه ليسَ هناك سَبيلٌ ولا سُلطانٌ أَعظمُ مِنْ القَضاءِ؛ لأنَّ به إِقامةَ مَوازينِ العَدلِ وَحسمَ دَواعي النِّزاعِ بينَ المُتخاصِمينِ، وهذا لا يَكونُ إلا بشَرعِ اللهِ -المَأمورِ به- الذي لا يُؤتمَنُ عليه إلا المُسلِمُ، وإنِ ادَّعى الكافرُ عِلمَه فَضلًا عن غَلبةِ جَهلِه، وأمَّا جَريانُ العادةِ بنَصبِ حاكمٍ
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٤)، و «معين الحكام» (١/ ٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٢٦).
مِنْ أَهلِ الذِّمةِ، فقد قالَ الماوَرديُّ الرّويانِيُّ: «إنما هي رِياسةٌ وزَعامةٌ لا تَقليدُ حُكمٍ وقَضاءٌ، ولا يَلزمُهم حُكمُه بإِلزامِه بل بالتِزامِهم، ولا يُلزمونَ بالتَّحاكمِ عندَه» (١).
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦].
وَجهُ الدِّلالةِ: أنَّ الآيةَ أَوجبَتِ التَّبينَ في حالِ الشَّهادةِ وخاصةً إذا كانَ الشاهدُ فاسقًا، مما يَعني عَدمَ قَبولِ شَهادتِه، فيَكون عَدمُ قَبولِ شَهادةِ الكافرِ أَولى وكذا عَدمُ جَوازِ قَضائِه بينَ المُسلِمينَ؛ لأنَّه إذا لمْ يَصحَّ شاهدًا فأَولى ألَّا يَكونَ قاضيًا فلا تَجوزُ تَوليةُ مَنْ فيه نَقصٌ يَمنعُ قَبولَ قَولِه، ولا يَجوزُ أنْ يَكونُ الحاكمُ مِمَّنْ لا يُقبلُ قَولُه ويَجب التَّبيينُ عندَ حُكمِه.
ولأنَّ الكُفرَ يَقتضي إِذلالَ صاحبِه والقَضاءُ يَقتضِي احترامَه، وبينَهما مُنافاةٌ، ولأنَّه يُشترطُ في الشَّهادةِ الإِسلامُ فالقَضاءُ أَولى (٢).
وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك جَماعةٌ مِنْ أَهلِ العِلمِ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «الذي أَحفظُ مِنْ قَولِ أَصحابِنا وَقياسِه أنَّهم لا يَنظرونَ فيما بينَ أَهلِ الكِتابِ ولا يَكشفونَهم عن شَيءٍ مِنْ أَحكامِهم فيما بينَهم، وأنَّهم لا يُلزمونَ أَنفسَهم الحُكمَ بينهم إلا أنْ يَتدارءوا هم والمُسلمونَ، فإنْ فعَلُوا فلا يَجوزُ أنْ يَحكمَ لمُسلمٍ ولا عليه إلا مُسلمٌ
(١) «النجم الوهاج» (١٠/ ١٤٣)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٧، ٢٨٨).
(٢) «المغني» (١٠/ ٩٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٦٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٧٥)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣).
ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع الأبواب.