الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > المسألة الخامسة: للقاضي أخذ الرزق على القضاء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على اللِّعانِ، فمِن وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّ الحُكمَ لمْ يَنفذْ بالكَذبِ، وإنما نفَذَ باللِّعانِ.
والثانِي: أنَّ اللِّعانَ استِئنافُ فُرقةٍ، والحُكمُ بشَهادةِ الزُّورِ إنما هو تَنفيذٌ لفُرقةٍ سابقةٍ، فإذا لمْ تَكنْ لمْ يَصحَّ تَنفيذُ مَعدومٍ.
وأمَّا الجَوابُ عما استدَلُّوا به مِنْ حُكمِ الحاكمِ مِنْ مَسائلِ الاجتِهادِ، فهو أنْ ليسَ في الباطنِ ما يُخالفُ الظاهرَ، فلذلك نفَذَ حُكمُه في الظاهرِ والباطنِ، وخالَفَ شَهادةَ الزُّورِ التي تُخالفُ الظاهرُ فيها الباطنَ، فلذلك نفَذَ حُكمُه في الظاهرِ دونَ الباطنِ (١).
المَسألةُ الخامسةُ: للقاضِي أَخذُ الرِّزقِ على القَضاءِ:
نصَّ عامةُ العُلماءِ على أنَّ القاضِي إذا كانَ مُحتاجًا جازَ له أَخذُ الرِّزقِ مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينَ، وإنْ لمْ يَكنْ مُحتاجًا فاختلَفُوا فيه واتفَقُوا على أنَّه لا يَجوزُ أَخذُ الأُجرةِ على القَضاءِ، وإنما يأخذ رِزقًا.
قالَ الإِمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: «وهل للقاضِي أنْ يَأخذَ الرِّزقَ فإنْ كانَ فَقيرًا له أنْ يَأخذَ؛ لأنَّه يَعملُ للمُسلِمينَ فلا بدَّ له مِنَ الكِفايةِ، ولا كِفايةَ له، فكانَتْ كِفايتُه في بَيتِ المالِ إلا أنْ يَكونَ له ذلك أُجرةُ عَملِه، ويَنبغي للإِمامِ أنْ يُوسعَ عليه وعلى عيالِه كيلا يَطمعَ في أَموالِ الناسِ.
(١) «الذخيرة» (١٠/ ١٤٦، ١٤٧)، و «الفروق» (٤/ ١٠٠، ١٠١)، و «الحاوي الكبير» (١٧، ١١، ١٢)، و «المغني» (١٠/ ١٠٥)، و «فتح الباري» (١٢/ ١٤١، ١٤٢)، و «المبدع» (١٠/ ٩٩)، و «الإنصاف» (١١/ ٣١٢)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٥٣٣).
ورُويَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا بعَثَ عَتابَ بنَ أُسيدٍ إلى مَكةَ ووَلاه أَمرَها رزَقَه أَربعمائةَ دِرهمٍ في كلِّ عامٍ»
ورُويَ أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ رضي الله عنهم أَجروا لسَيدِنا أَبي بَكرٍ الصِّديقِ رضي الله عنه كلَّ يَومٍ دِرهمًا وثُلثا أو ثُلثينِ مِنْ بَيتِ المالِ.
وكذا رُويَ أنَّه كانَ لسَيدِنا عُمرَ رضي الله عنه مِثلُ ذلك مِنْ بَيتِ المالِ، وكانَ لسَيدِنا عليٍّ رضي الله عنه كلَّ يَومٍ قَصعةٌ مِنْ ثَريدٍ.
ورزَقَ سَيدُنا عُمرُ رضي الله عنه شُريحًا.
ورُويَ أنَّ سَيدَنا عليًّا فرَضَ له خمسَمائةِ دِرهمٍ في كلِّ شَهرٍ.
وإنْ كانَ غَنيًّا اختلَفُوا فيه، قالَ بعضُهم: لا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ لأنَّ الأَخذَ بحُكمِ الحاجةِ، ولا حاجةَ له إلى ذلك.
وقالَ بعضُهم: يَحلُّ له الأَخذُ، والأَفضلُ له أنْ يَأخذَ.
أمَّا الحلُّ فلمَا بيَّنا أنَّه عاملٌ للمُسلِمينَ فكانَتْ كِفايتُه عليهم لا مِنْ طَريقِ الأَجرِ، وأمَّا الأَفضليةُ فلأنَّه وإنْ لمْ يَكنْ مُحتاجًا إلى ذلك فربما يَجيءُ بعدَه قاضٍ مُحتاجٌ وقد صارَ ذلك سُنةً ورَسمًا فتَمتنِعُ السَّلاطينُ عن إِبطالِ رِزقِ القُضاةِ إليهم خُصوصًا سَلاطينَ زَمانِنا، فكانَ الامتناعُ مِنْ الأَخذِ شحًّا بحقِّ الغيرِ، فكانَ الأَفضلُ هو الأَخذُ (١).
وقالَ ابنُ فَرحونَ المالِكيُّ رحمة الله عليه: «قالَ المَازِريُّ: «وأمَّا الارتزاقُ مِنْ بَيتِ المالِ فإنَّ مَنْ تعيَّنَ عليه القَضاءُ وهو في غِنى عن الارتزاقِ منه فإنَّه
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣، ١٤)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣٢٩، ٣٣٠).
يُنهى عن أَخذِ الِعوضِ على القَضاءِ؛ لأنَّ ذلك أَبلغُ في المَهابةِ وأَدعى للنُفوسِ إلى اعتقادِ التَّعظيمِ والجَلالةِ، وإنْ كانَ القَضاءُ لمْ يَتعينْ عليه وهو مُحتاجٌ إلى طَلبِ الرِّزقِ مِنْ بَيتِ المالِ ساغَ له أَخذُ ذلك»، ومِن مُفيدِ الحُكامِ: قالَ أَصبغُ: «ولا يَنبغي له أنْ يَأخذَ رِزقَه إلا مِنْ الخُمسِ أو مِنْ الجِزيةِ أو مِنْ عُشورِ أَهلِ الذِّمةِ» (١).
وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: «وأمَّا أَخذُ الرِّزقِ على القَضاءِ فيُنظرُ فيه:
فإنْ كانَ قد تعيَّنَ عليه القَضاءُ، فإنْ كانَ له كِفايةٌ لمْ يَجزْ له أَخذُ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّه فَرضٌ توَجَّه عليه، فلا يَجوزُ له أَخذُ الرِّزقِ عليه معَ الاستغناءِ عنه. وإنْ لمْ يَكنْ له كِفايةٌ أو كانَ مُكتسِبًا وإذا اشتغَلَ بالقَضاءِ تعطَّلَ عليه الكَسبُ جازَ له أَخذُ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّه إذا اشتغَلَ بالقَضاءِ بطَلَ عليه كَسبُه وذهَبَ مَعاشُه.
وإنْ لمْ يَتعينْ عليه القَضاءُ، فإنْ كانَتْ له كِفايةٌ فالمُستحبُّ له ألَّا يَأخذَ عليه رِزقًا؛ لأنَّه قُربةٌ في حقِّه، فكُرهَ له أَخذُ العِوضِ عليه، وإنْ أخَذَ الرِّزقَ عليه جازَ؛ لمَا رُويَ: «أنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه لمَا ولِيَ الخِلافةَ خرَجَ إلى السُّوقِ برِزمةِ ثيابٍ، فقالُوا: ما هذا؟ فقالَ: أنا كاسبُ أَهلي، فقالُوا: لا يَصلحُ هذا معَ الخِلافةِ، فاجتمَعَتِ الصَّحابةُ رضي الله عنهم وقدَّرُوا له كلَّ يَومٍ دِرهمينِ مِنْ بَيتِ المالِ». ورُويَ: «أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم -جعَلُوا له كلَّ يَومٍ شاتينِ؛ شاةً لغَدائِه وشاةً لعَشائِه، وأَلفَ دِرهمٍ في كلِّ سنةٍ، فلمَا ولِيَ عُمرُ رضي الله عنه قالَ:
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٢٧).
لا يَكفيني ذلك، فأضعَفُوا له ذلك». وإذا ثبَتَ ذلك في الإِمامةِ كانَ في القَضاءِ مثلُه؛ لأنَّهما في مَعنًى واحدٍ.
ورُويَ: أنَّ عُمرَ قالَ: «أنزَلْتُ نَفسي من هذا المالِ بمَنزلةِ وَليِّ اليَتيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]».
ورُويَ: «أنَّ عُمرَ رضي الله عنه بعَثَ إلى الكُوفةِ عَمارَ بنَ ياسرٍ واليًا، وعَبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قاضيًا، وعُثمانَ بنَ حُنيفٍ ماسحًا، وفرَضَ لهم كلَّ يومٍ شاةً؛ نِصفُها وأَطرافُها لعمارٍ، والنصفُ الآخرُ بينَ عَبدِ اللهِ وعُثمانَ، وقالَ: إنَّ بَلدًا يَخرجُ منها كلَّ يَومٍ شاةٌ لسَريعٌ خَرابُها»، «ولمَّا وَلى عُمرُ رضي الله عنه شُريحًا القَضاءَ أَجرى له كلَّ شَهرٍ مائةَ دِرهمٍ»، «ولمَّا وَلاه عليٌّ رضي الله عنه أَجرى له ذلك». ولأنَّ مالَ بَيتِ المالِ للمَصالحِ، وهذا مِنْ المَصالحِ.
ولا يَكونُ ما يَأخذُه القاضِي أُجرةً، وإنما هو رِزقٌ، كالذي يَأخذُه الإِمامُ والمُؤذِّنُ.
وإنْ عقَدَ الإِجارةَ على القَضاءِ لمْ يَصحَّ؛ لأنَّه عَملٌ غيرُ مَعلومٍ.
وإنْ وجَدَ الإِمامُ مَنْ يَتطوعُ للقَضاءِ مِنْ غيرِ رِزقٍ يَأخذُه لمْ يُولِّ القَضاءَ مَنْ يَطلبُ الرِّزقَ. ويَدفعُ إلى القاضِي معَ رِزقِه شَيءٌ للقَراطيسِ التي يَكتبُ بها المَحاضرَ والسِّجلاتِ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ المَصالحِ. فإنْ لمْ يَكنْ في بَيتِ المالِ شَيءٌ، أو كانَ وهناك ما هو أَهمُّ منه يُحتاجُ إليه لذلك، قالَ القاضِي لمَن ثبَتَ له الحقُّ: إنِ اخترَتْ أنْ تَأتيَ بكاغدٍ أَكتبُ لك ذلك فافعلْ.
ويُدفعُ للقاضِي معَ رِزقِه لمَن يَكونُ على بابِه مِنْ الوُكلاءِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى ذلك كما يُحتاجُ إلى العاملِ في الصَّدقاتِ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «يَجوزُ للقاضِي أَخذُ الرِّزقِ، ورخَّصَ فيه شُريحٌ وابنُ سِيرينَ والشافِعيُّ وأَكثرُ أَهلِ العِلمِ.
ورُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه استعمَلَ زَيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ وفرَضَ له رِزقًا، ورزَقَ شُريحًا في كلِّ شَهرٍ مائةَ دِرهمٍ، وبعَثَ إلى الكُوفةِ عَمارًا وعُثمانَ بنُ حُنيفٍ وابنَ مَسعودٍ ورزَقَهم كلَّ يَومٍ شاةً، نِصفُها لعَمارٍ، ونِصفُها لابنِ مَسعودٍ وعُثمانَ، وكانَ ابنُ مَسعودٍ قاضيَهم ومُعلِّمَهم.
وكتَبَ إلى مُعاذِ بنِ جَبلٍ وأَبي عُبيدةَ حينَ بعثَهما إلى الشامِ: «أنِ انظُرا رِجالًا مِنْ صالِحي مَنْ قبلَكم فاستَعملُوهم على القَضاءِ وأوسِعُوا عليهم وارزُقوهم واكفُوهم مِنْ مالِ اللهِ».
وقالَ أَبو الخَطابِ: «يَجوزُ له أَخذُ الرِّزقِ معَ الحاجةِ، فأمَّا معَ عَدمِها فعلى وَجهينِ».
وقالَ أَحمدُ: ما يُعجبنِي أنْ يَأخذَ على القَضاءِ أَجرًا، وإنْ كانَ فبقَدرِ شُغلِه مِثلُ وَليِّ اليَتيمِ، وكانَ ابنُ مسعودٍ والحَسنُ يَكرهانِ الأَجرَ على القَضاءِ، وكانَ مَسروقٌ وعَبدُ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ لا يَأخذانِ عليه أَجرًا، وقالا: «لا نَأخذُ أَجرًا على أنْ نَعدلَ بينَ اثنَينِ».
(١) «البيان» (١٣/ ١٤، ١٦).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه، إلا ما خالف نص كتاب، أو سنة، أو إجم
١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا مَا خالَفَ نصَّ كِتَابٍ، أوْ سُنَّةٍ، أوْ إِجْمَاعًا)
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.