الحكم على الغائب

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الحكم على الغائب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الحكم على الغائب - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الخامسُ: المَقضيُّ عليه:

المَقضيُّ عليه هو كلُّ مَنْ توجَّهَ عليه الحَقُّ، إمَّا بإِقرارِه إنْ كانَ ممَّن يَصحُّ إِقرارُه، وإمَّا بالشَّهادةِ عليه ويمينِ الاستبراءِ إنْ كانَ الحقُّ على ميتٍ أو على غائبٍ، وإمَّا بلددِه وتَغيبُه عن حُضورِ مَجلسِ الحُكمِ وقيامِ البَينةِ عليه، وإمَّا بالشَّهادةُ عليه ولَددِه عن الجَوابِ على طَبقِ الدَّعوى.

والمَقضيُّ عليهم أَنواعٌ: منهم الحاضرُ المالكُ أَمرَه، ومنهم الغائبُ.

فأمَّا الحاضرُ المالكُ أمَرَه إذا لمْ يَمتنعْ مِنْ الحُضورِ فلا يَجوزُ الحُكمُ عليه إلا بعدَ حُضورِه مَجلسَ الحُكمِ؛ لأنَّه أمكَنَ سُؤالُه فلمْ يَجزِ الحُكمُ عليه قبلَ سُؤالِه (١).

الحُكمُ على الغائبِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ على الغائبِ أم لا يَجوزُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَقضيَ على غائبٍ؛ لأنَّه يَحتملُ الإِقرارَ والإِنكارَ مِنْ الخَصمِ، فيَشتبهُ وَجهُ القَضاءِ، ولأنَّ الغائبَ لا يَجوزُ القَضاءُ له، فكذا لا يَجوزُ القَضاءُ عليه. إلا أنْ يَحضرَ مَنْ يَقومُ مَقامَه، كالوَكيلِ أو مَنْ نصَّبَه القاضِي (٢).

إلا أنَّ ابنَ عابدينَ رحمة الله عليه قالَ: «قالَ صاحبُ جامعِ الفُصولَينِ ما حاصلُه أَقولُ: «قد اضطربَتْ آراؤُهم في الحُكمِ على الغائبِ، وله فيَنبغي

(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٧٥)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٧)، و «معين الحكام» ص (٣٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و (٧/ ٨، ٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢١٥)، و «اللباب» (٢/ ٤٩٠).

عِندي أنْ يَحتاطَ ويُلاحظَ الحَرجُ والضَّروراتُ فيُفتى بحسَبها جَوازًا أو فَسادًا صِيانةً للحُقوقِ معَ أنَّه مُجتهدٌ فيه ذهَبَ إلى جَوازِه الأَئمةُ الثَّلاثةُ، وفيه عندَنا رِوايتانِ، والأَحوطُ نَصبُ وَكيلٍ عنه يَعرفُ أنَّه يُراعي جانبَ الغائبِ ولا يُفرطُ في حقِّه». اه مُلخَّصًا، وارتَضاه في نُورِ العينِ فيَنبغي التَّعويلُ عليه، وقالَ العَلامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ في حاشيةِ البَحرِ: «لكنْ إذا لُوحظَ الحَرجُ والضَّرورةُ يَجبُ اعتِبارُ عَدمِ إِمكانِ مُراجعةِ الغائبِ وإِحضارِه حتى لو أمكَنَ لا يَصحُّ لعَدمِ الضَّرورةِ» اه. واللهُ تَعالى المُوفِّقُ» (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ إنْ أقامَ الخَصمُ البَينةَ وطلَبَ مِنْ القاضِي الحُكمَ عليه، واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:

قَولُه تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فلمْ يُفرقْ بينَ حاضرٍ وغائبٍ.

وقَولُه : «لو يُعطى الناسُ بدَعواهم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليَمينَ على المُدعى عليه» (٢). ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ يَكونَ المُدعى عليه حاضرًا أو غائبًا.

قَولُه لهِندٍ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٣). فقُضيَ على أَبي سُفيانَ ولمْ يَكنْ حاضرًا.

(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٤/ ٦١).
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٧٧)، ومسلم (١٧١١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (١٧١٤).

ولإِجماعِ الصَّحابةِ، فرَوى مالكٌ عن عُمرَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ دِلافٍ المُزنِيِّ عن أَبيه أنَّ رَجلًا مِنْ جُهينةَ كانَ يَسبقُ الحاجَّ فيَشتري الرَّواحلَ فيُغلي بها ثُم يُسرعُ السَّيرَ فيَسبقُ الحاجَّ، فأفلَسَ فرُفعَ أمرُه إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ، فقالَ: «أمَّا بعدُ أيُّها الناسُ فإنَّ الأُسيفعَ أُسيفعَ جُهينةَ، رضِيَ مِنْ دينِه وأَمانتِه بأنْ يُقالَ سبَقَ الحاجَّ، ألا وإنَّه قد دانَ مُعرضًا، فأصبَحَ قد رينَ به، فمَن كانَ له عليه دَينٌ فليَأتِنا بالغَداةِ نَقسمُ مالَه بينهم، وإيَّاكم والدَّينَ؛ فإنَّ أَولَه همٌّ وآخرُه حَربٌ» (١). وكانَ الأُسيفعُ غائبًا ولم يُنكرْ عليه فكانَ إِجماعًا وقِياسًا لبَينتِه على بَينةِ الحاضرِ، والإِجماعِ على القَضاءِ بالدِّيةِ على العاقلةِ وهي غائبةٌ وعلى المَيتِ وهو أَعظمُ مِنْ الغائبِ.

ولأنَّه لولا الحُكمُ على الغائبِ لأَخذَ الناسُ أَموالَ الناسِ وغابوا فتَضيعُ الأَموالُ، ويَجوزُ ذهابُ مالِ الغائبِ قبلَ القُدومِ فيَضيعَ الحَقُّ، وبالقياسِ على ما إذا شهِدَتْ بَينةٌ على جَماعةٍ بعضُهم حاضرٌ وعلى المَفقودِ.

ولأنَّ المَنعَ إمَّا لاحتِمالِ الإِنكارِ عندَ القُدومِ ولا عِبرةَ به؛ لأنَّ البَينةَ شهِدَتْ عليه، أو لتَرجيحِ البَينةِ وهو لا يَفوتُه عندَ حُضورِهم، ويَجوزُ ألَّا يُخرجَهم فلا يَتوقفُ بالشكِّ، ولأنَّ مَنْ لا يُعتبَرُ رِضاه لا يُعتبرُ حُضورُه.

ولأنَّه لو لمْ يَجزِ القَضاءُ على الغائبِ لجُعلَتِ الغِيبةُ والاستِنظارُ طَريقًا إلى إِبطالِ الحُقوقِ، فيَكونُ ذَريعةً إلى إِبطالِ حُقوقِ الناسِ؛ لأنَّه لا يَشاءُ أَحدٌ أنْ يَأخذَ أَموالِ الناسِ ولا يُؤديها إلا غابَ فلا يُمكنُ القَضاءُ عليه.

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٤٦٠).

ولأنَّ الاتِّفاقَ على أنَّ الحاكمَ يَسمعُ البَينةَ عليه والفائدةُ في ذلك الحُكمُ بها وإلا لمْ يَنتفعْ باستماعِها.

وهذا الخِلافُ السابقُ في غيرِ الحُدودِ، أمَّا في الحُدودِ فلا يَجوزُ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ إلا في السَّرقةِ فيُقضى بالغُرمِ دونَ القَطعِ إذا ثبَتَ بالبَينةِ، وأمَّا غيرُها فلا يَجوزُ إلا قَولًا للشافِعيةِ فيَجوزُ (١).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٢٩، ٣٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «الذخيرة» (١٠/ ١١٣، ١١٤)، و «القوانين الفقهية» ص (١٩٧)، و «تبصرة الحكام» (١/ ٧٦)، و «البيان» (١٣/ ١٠٥، ١٠٨)، و «المبدع» (١٠/ ١١٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٣٠٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٧٨ - مسألة؛ قال: (ويحكم على الغائب، إذا صح الحق عليه)

قبلَ الحُكمِ، وقفَ الحُكمُ على حُضورِه، فإن جَرَّحَ الشُّهودَ، لم يَحْكُم عليه، وإن اسْتَنْظَرَ الحاكمَ، أجَّلَه ثلاثًا، فإن جَرَّحَهم، وإلَّا حَكمَ عليه. وإن ادَّعَى القضاءَ أو الإبْراءَ، فكانتْ له بَيِّنَةٌ به بَرِئ، وإلَّا حلَفَ المُدَّعِى، وحَكَمَ له، وإن قَدِمَ بعدَ الحُكمِ، فجرَّحَ الشُّهودَ بأمرٍ كان قبلَ الشَّهادةِ، بطَلَ الحكمُ، وإن جرَّحَهم بأمرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ أو مُطلقًا، لم يبْطُلِ الحُكمُ، ولم يقْبَلْه الحاكمُ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ بعدَ الحُكْمِ، فلا يَقْدَحُ فيه. وإن طلبَ التَّأْجيلَ، أُجِّلَ ثلاثًا، فإن جرَّحَهم، وإلَّا نَفَذَ الحكمُ. وإن ادَّعَى القضاءَ، أو الإبراءَ، فكانت له به بَيِّنَةٌ، وإلَّا حَلَفَ الآخَرُ، ونفَذَ الحُكمُ.

فصل: ولا يُقْضَى على الغائبِ إلَّا في حُقوقِ الآدَمِيِّينَ، فأمَّا في الحُدودِ التى للهِ تعالى، فلا يُقْضَى بها عليه؛ لأنَّ مَبْناها على المُسَاهَلَةِ والإسْقاطِ، فإن قامَتْ بَيِّنَةٌ على غائبٍ بسَرِقةِ مالٍ، حُكِمَ بالمالِ دُونَ القَطْعِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 381 - 384

ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله