الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > هل يجوز تقليد مذهب معين في القضاء؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةوقالَ الحَنابِلةُ: الحاكِمُ إذا حضَرَتْه قَضيةٌ تبيَّنَ له حُكمُها في كِتابِ اللهِ تَعالى أو سُنةِ رَسولِه أو إِجماعٍ أو قياسٍ جَليٍ حكَمَ ولمْ يَحتجْ إلى رأي غيرِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمُعاذٍ حينَ بعَثَه إلى اليَمنِ: «بمَ تَحكمُ؟» قالَ: بكِتابِ اللهِ. قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ. قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: أَجتهدُ برَأيي. قالَ: «الحَمدُ للهِ الذي وفَّقَ رَسولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَا يُرضي رَسولَ اللهِ ﷺ».
فإنِ احتاجَ إلى الاجتِهادِ استُحبَّ له أنْ يُشاورَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولأنَّه قد يَنتبُه بالمُشاورةِ ويَتذكرُ ما نسِيَه بالمُذاكرةِ، ولأنَّ الإِحاطةَ بجَميعِ العُلومِ مُتعذِّرةٌ، وقد يَنتبهُ لإِصابةِ الحَقِّ ومَعرفةِ الحادثةِ مَنْ هو دونَ القاضِي، فكيفَ بمَن يُساوِيه أو يَزيدُ عليه.
والمُشاورةُ هاهنا لاستِخراجِ الأَدلةِ، ويُعرفُ الحَقُّ بالاجتِهادِ.
فإذا حدَثَتْ حادثةٌ نظَرَ في كِتابِ اللهِ فإنْ وجَدَها، وإلا نظَرَ في سُنةِ رَسولِه فإنْ لمْ يَجدْها؛ نظَرَ في القِياسِ فألَحَقها بأَشبهِ الأُصولِ بها لمَا ذكَرْنا مِنْ حَديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ (١).
هل يَجوزُ تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ في القَضاءِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قُلدَ القَضاءَ وليسَ مُجتهدًا ماذا يَصنعُ في المَسائلِ الخِلافيةِ، هل يَجوزُ له تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ ولا يَخرجُ عنه أم لا يَجوزُ له؟
(١) «المغني» (١٠/ ١٠٠، ١٠١).
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ القاضِي إذا لمْ يَكنْ مُجتهدًا يَجبُ عليه أنْ يَحكمَ بقَولِ مُقلِّدِه بالراجِحِ مِنْ مَذهبِه لا بقَولِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ، فإذا حكَمَ بالضَّعيفِ نُقضَ حُكمُه إلا إذا لمْ يَشتدَّ ضَعفُه وكانَ الحاكمُ مِنْ أَهلِ التَّرجيحِ وترجَّحَ عندَه ذلك الحُكمُ بمُرجِّحٍ مِنْ المُرجِّحاتِ فلا يُنقضَ، كما لو قاسَ عندَ عَدمِ النَّصِّ وهو أَهلٌ للقياسِ.
وكذا المُفتي لا يَجوزُ له الإِفتاءُ إلا بالراجحِ مِنْ مَذهبِ إِمامِه لا بمَذهبِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه، ويَجوزُ له العَملُ بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه في خاصةِ نَفسِه إذا تحقَّقَتِ الضَّرورةُ، ولا يَجوزُ للمُفتي الإِفتاءُ بغيرِ المَشهورِ؛ لأنَّه لا يَتحققُ الضَرورةُ بالنِّسبةِ لغيرِه كما يَتحققُها مِنْ نَفسِه، ولذلك سَدُّوا الذَّريعةَ وقالوا بمَنعِ الفَتوى بغيرِ المَشهورِ خَوفَ ألَّا تَكونَ الضَّرورةُ مُتحقِّقةً لا لأجلِ أنَّه لا يُعملُ بالضَّعيفِ ولو تحقَّقَتِ الضَّرورةُ يَومًا، وعلى هذا فإنَّه يَجوزُ للمُفتي أنْ يُفتي صَديقَه بغيرِ المَشهورِ إذا تحقَّقَ ضَرورتَه؛ لأنَّ شَأنَ الصَّديقِ لا يَخفى على صِديقِه.
قالَ الصَّاوي رحمة الله عليه: «ويَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَعملَ بالضَّعيفِ لأِمرٍ اقتضى ذلك عندَه، وقيلَ: بل يُقلدُ قَولَ الغيرِ إذا كانَ راجِحًا في مَذهبِ ذلك الغيرِ.
فإنْ قيلَ: ما فائدةُ ذِكرِ الأَقوالِ الضَّعيفةِ في كَلامِهم إذا كانَ لا يَجوزُ العَملُ بها ولا الفَتوى؟
قلْنا: أُمورٌ ثَلاثةٌ:
الأَولُ: اتِّساعُ النَّظرِ والعِلمِ بأنَّ الراجحَ المَذكورَ ليسَ بمُتَّفقٍ عليه.
والثانِي: مَعرفةُ مَداركِ الأَقوالِ، فلمَن له التَّرجيحُ تَرجيحُ ما ضُعفَ لقُوةِ المَدركِ عندَه.
والثالثُ: العَملُ به في نَفسِه إذا اقتَضتِ الضَّرورةُ ذلك (١).
وهذا هو المُعتمدُ عندَ المُتأخِّرينَ، ولكنْ يُوجدُ كَلامٌ لكَثيرٍ مِنْ عُلماءِ المالِكيةِ، قالَ ابنُ عَبدِ السلامِ: هل يَلزمُ المُقلِّدُ الاقتصارَ على قَولِ إِمامِه أم لا؟ الأَصلُ عَدمُ اللُّزومِ؛ ولأنَّ المُتقدِّمينَ لمْ يَكونوا يَحجرونَ على العوامِ اتِّباعَ عالمٍ واحدٍ، ولا يَأمرونَ مَنْ سأَلَ واحدًا منهم عن مَسألةٍ ألَّا يَسألَ غيرَه، لكنِ الأَولى في حَقِّ القاضِي لُزومُ طَريقةٍ واحدةٍ، وأنَّه إنْ قلَّدَ إِمامًا لا يَعدلُ عنه لغيرِه؛ لأنَّ ذلك يُؤدي لتُهمتِه بالمَيلِ، ولمَا جاءَ مِنْ النَّهي عن الحُكمِ في قَضيةٍ بحُكمينِ مُختلفينِ.
وقالَ ابنُ فَرحونَ: «يَلزمُ القاضِي المُقلِّدُ إذا وجَدَ المَشهورَ ألَّا يَخرجَ عنه، وقد بلَغَ المازِريُّ دَرجةَ الاجتِهادِ ولمْ يُفتِ قطُّ بغيرِ المَشهورِ، وعاشَ ثَلاثًا وثَمانينَ سَنةً، وكَفى به قُدوةً، فإنْ لمْ يَقفْ على المَشهورِ مِنْ القَولينِ أو الرِّوايتينِ فليسَ له التَّشهي والحُكمُ بما شاءَ منهما مِنْ غيرِ نَظرٍ وتَرجيحٍ، فقد قالَ ابنُ الصَّلاحِ في آدابِ المُفتي والمُستفتي: مَنْ يَكتفى بكَونِ فَتواه أو عِلمِه مُوافقًا لقَولٍ أو وَجهٍ في المَسألةِ ويَعملُ بما شاءَ مِنْ الأَقوالِ والوُجوهِ مِنْ غيرِ نَظرٍ في التَّرجيحِ فقد جهِلَ وخرَقَ الإِجماعَ.
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٩٧)، وينظر: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤، ٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٤٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٤).
فإذا وجَدَ مَنْ ليسَ أَهلًا للتَّخريجِ والتَّرجيحِ اختلافًا بينَ أَئمةِ المَذهبِ في الأَصحِّ مِنْ القَولينِ أو الوَجهينِ فيَنبغي أنْ يَفزعَ في التَّرجيحِ إلى صِفاتِهم المُوجِبةِ لزِيادةِ الثِّقةِ بآرائِهم فيَعملُ بقَولِ الأَكثرِ والأَورعِ والأَعلمِ، فإنِ اختَصَّ كلُّ واحدٍ بصِفةٍ قُدمَ مَنْ هو أَحرى بالإِصابةِ فالأَعلمُ الوَرعُ يُقدمُ على الأَورعِ والعالمِ، وإذا وجَدَ قَولينِ أو وَجهينِ لمْ يَبلغْه عن أَحدٍ مِنْ أَهلِ المَذهبِ بَيانُ الأَصحِّ منهما اعتبَرَ أَوصافَ ناقلَيهما أو قائلَيهما.
ابنُ فَرحونَ: وهذا الحُكمُ جارٍ في أَصحابِ المَذاهبِ الأَربعةِ ومُقلِّديهم.
ثُم قالَ: واعلمْ أنَّه لا يَجوزُ للمُفتي أنْ يَتساهلَ في الفَتوى لا، ومَن عُرفَ بذلك لمْ يَجزْ أنْ يُستفتى، وكذلك الحاكمُ، ولا فَرقَ بينَ المُفتي والحاكمِ إلا أنَّ المُفتيَ مُخبِرٌ والحاكمُ مُلزِمٌ، والتَّساهلُ قد يَكونُ بألَّا يَثبتَ ويُسرعَ بالفَتوى أو الحُكمِ قبلَ استِيفاءِ حَقِّها مِنْ النَّظرِ والفِكرِ، وربما يَحملُه على ذلك تَوهمُه أنَّ الإِسراعَ بَراعةٌ والإِبطاءُ عَجزٌ ومَنقصةٌ، وذلك جَهلٌ، فلأنْ يُبطئَ ولا يُخطئُ أَجملُ به مِنْ أنْ يَعجلَ فيَضلَّ ويُضلَّ، وقد يَكونُ تَساهلُه وانحلالُه بأنْ تَحملَه الأَغراضُ الفاسدةُ على تَتبعِ الحيلِ المَحظورةِ أو المَكروهة والتَّمسكِ بالشُّبهِ طَلبًا للتَّرخيصِ على مَنْ يَرومُ نَفعَه أو التَّغليظَ على مَنْ يُريدُ ضَرُه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومَن فعَلَ ذلك فقد هانَ عليه دينُه ونَسألُ اللهَ العَفوَ والعافيةَ، قالَ: أمَّا إذا صحَّ قَصدُ المُفتي واحتَسبَ في تَطلبِ حيلةٍ لا شُبهةَ فيها، ولا تَجرُّ إلى مَفسدةٍ ليُخلصَ بها المُستفتي مِنْ وَرطةِ يَمينٍ أو نَحوِها فذلك حَسنٌ جَميلٌ.
قالَ القَرافِيُّ: لا يَنبغي للمُفتي إذا كانَ في المَسألةِ قَولانِ أَحدُهما فيه تَشديدٌ والآخرُ تَخفيفٌ أنْ يُفتيَ العامَّةَ بالتَّشديدِ والخاصَّ مِنْ وُلاةِ الأُمورِ بالتَّخفيفِ، وذلك قَريبٌ مِنْ الفُسوقِ والخيانةِ في الدِّينِ والتَّلاعبِ بالمُسلِمينَ، وذلك دَليلُ فَراغِ القَلبِ مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى وإِجلالِه وتَقواه وعِمارتِه باللَّعبِ وحبِّ الرِّياسةِ والتَّقريبِ إلى الخَلقِ دونَ الخالقِ نَعوذُ باللهِ مِنْ صِفاتِ الغافلينَ، والحاكمُ كالمُفتي في هذا (١).
وقالَ ابنُ شاسٍ رحمة الله عليه: قالَ الأُستاذُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيُّ: «وللإِمامِ إذا اعتقَدَ مَذهبًا مِنْ المَذاهبِ مِثلَ مَذهبِ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ وغيرِهم أنْ يُوليَ القَضاءَ مَنْ يَعتقدُ خِلافَ مَذهبِه؛ لأنَّ الواجبَ على القاضِي أنْ يَجتهدَ رَأيَه في قَضائِه، ولا يُلزمَ أَحدًا مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُقلِّدَ في النَّوازلِ والأَحكامِ مَنْ يَعتزي إلى مَذهبِه، فمَن كانَ مالِكيًا لمْ يَلزمْه المَصيرُ في أَحكامِه إلى أَقوالِ مالِكٍ، وهكذا القَولُ في سائرِ المَذاهبِ، بل أيَنما أَداه اجتِهادُه مِنْ الأَحكامِ صارَ إليه».
قالَ: «فلو شرَطَ على القاضِي أنْ يَحكمَ بمَذهبِ إِمامٍ مُعيَّنٍ مِنْ أَئمةِ المُسلِمينَ ولا يَحكمَ بغيرِه فالعَقدُ صَحيحٌ، والشَّرطُ باطلٌ، كانَ مُوافقًا لمَذهبِ المُشترِطِ أو مُخالفًا له».
قالَ: وأخبَرَني القاضِي أَبو الوَليدِ قالَ: «كانَ الوُلاةُ عندَنا بقُرطبةَ إذا
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٥٨، ٥٩)، و «منح الجليل» (٨/ ٢٦٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٥٤)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٥٧).
وَلوا القَضاءَ رَجلًا شرَطُوا عليه في سِجلِّه ألا يَخرجَ عن قَولِ ابنِ القاسمِ ما وجَدَه». قالَ الأُستاذُ أَبو بَكرٍ: «وهذا جَهلٌ عَظيمٌ منهم» (١).
وقالَ ابنُ فَرحونَ رحمة الله عليه: «قالَ الشَّيخُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيِّ في مُقدمةِ كِتابِه المُسمى تَعليقةَ الخِلافِ في القاضِي يُوليه الإِمامُ القَضاءَ ويَشترطُ عليه ألَّا يَحكمَ إلا بمَذهبِ إِمامٍ مُعيَّنٍ مثلُ أنْ يَكونَ مالِكيًّا أو شافِعيًّا أو حَنفيًّا أو حَنبليًّا فيَقولُ له قد وَليتكُ القَضاءَ على ألَّا تَحكمَ إلا بمَذهبِ مالِكٍ مثلًا وسَواءٌ وافقَ مَذهبَ السَّلطانِ الذي وَلاه أو لا، فهذا على ضِربينِ:
أَحدُهما: أنْ يَشترطَ ذلك عُمومًا في جَميعِ الأَحكامِ فالعَقدُ باطلٌ والشَّرطُ باطلٌ، سَواءٌ قارَنَ الشَّرطُ عَقدَ الوِلايةِ أو تقدَّمَه ثم وقَعَ العَقدُ.
وقالَ أَهلُ العِراقِ: تَصحُّ الوِلايةُ ويَبطلُ الشَّرطُ.
دَليلُنا أنَّ هذا شَرطٌ يُنافي مُقتضى العَقدِ فإنَّ العَقدَ يَقتضي أنْ يَحكمَ بالحَقِ عندَه، وهذا الشَّرطُ قد حجَرَه عليه واقتَضى أنْ يَحكمَ بمَذهبِ إِمامِه وإنْ بانَ له الحَقُّ في سِواه.
والضَّربُ الثانِي: أنْ يَكونَ الشَّرطُ خاصًّا في حُكمٍ بعَينِه ولا يَخلو الشَّرطُ أنْ يَكونَ أَمرًا أو نَهيًا، فإنْ كانَ أَمرًا مثلَ أنْ يَقولَ: وَليتك على أنْ تَقيدَ مِنْ الحُرِّ بالعَبدِ ومِن المُسلِمِ بالكافرِ، قالَ ابنُ أَبي جَمرةَ: «أو يَشترطَ عليه أنْ يَقتصَّ في القَتلِ بغيرِ الحَديدِ وما يُشاكلَ هذا، فإنَّه يَفسدُ العَقدُ والشَّرطُ، فإنْ كانَ نَهيًا فهو على ضَربينِ:
(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ١٠٠٥).
أَحدُهما: أنْ يَنهاه عن الحُكمِ في قَتلِ المُسلمِ بالكافرِ والحُرِّ بالعَبدِ ولا يَقضي فيه بوُجوبِ قَودٍ ولا بإِسقاطِه فهو جائزٌ؛ لأنَّه اقتَصرَ بوِلايتِه على ما عداه وأخرَجَه مِنْ نَظرِه.
الثَّاني: ألَّا يَنهاه عن الحُكمِ فيه ويَنهاه عن القَضاءِ في القِصاصِ فيَصحُّ العَقدُ ويَخرجُ المُستثنى عن وِلايتِه، فلا يَحكمُ فيه بشَيءٍ، ومِن الفُقهاءِ مَنْ يَقولُ تَثبتُ وِلايتُه عُمومًا ويَحكمُ فيه بما نَهاه عنه بمُقتضى اجتِهادِه، كلُّ هذا إذا كانَ شَرطًا في الوِلايةِ، فأمَّا لو أخرَجَه مَخرجَ الأَمرِ والنَّهيِ فقالَ: «قد وَليتكُ القَضاءَ فاحكمْ بمَذهبِ مالِكٍ ولا تَحكمْ بمَذهبِ أَبي حَنيفةَ» فالوِلايةُ صَحيحةٌ والشَّرطُ باطلٌ، وسَواءٌ تَضمَّنَ أَمرًا أو نَهيًا، ويَجبُ أنْ يَحكمَ بما أَداه إليه اجتِهادُه، سَواءٌ وافَقَ شَرطَه أو خالَفَه، فأمَّا لو ذكَّرَه بالأَمرِ فقالَ: «قد وَليتكَ لتَحكمَ بمَذهبِ مالِكٍ» مثلًا فحَكى الماوَرديُّ مِنْ الشافعِيةِ أنَّ الوِلايةَ صَحيحةٌ والشَّرطُ باطلُ، واعلمْ أنَّ جَميعَ ما ذكرْناه مِنْ التَّقليداتِ لا يَجوزُ للإِمامِ اشتِراطُها عليه، وتَكونُ قادحةً في الوِلايةِ؛ لأنَّه اشترَطَ ما لا يَجوزُ».
قالَ ابنُ أَبي جَمرةَ في إِقليدِ التَّقليدِ: «ومَن كانَ لا يَقضي إلا بما أمَرَه به مَنْ وَلاه فليسَ بقاضٍ على الحَقيقةِ، وإنما هو بصِفةِ خادمِ رِسالةٍ، ولا يَحلُّ له القَضاءُ في غيرِ ما أمَرَه به إلا بعدَ أنْ يَستَطلعَ ما عندَ الذي وَلاه في ذلك».
قالَ ابنُ فَرحونَ رحمة الله عليه: «كَلامُ الشَّيخِ أَبي بَكرٍ في القاضِي المُجتهدِ، ولمْ يَتعرضْ للقاضِي المُقلِّدِ كما هو في زَمانِنا» (١).
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٢٠، ٢١).
وقالَ الشافِعيةُ: «يَحكمُ القاضِي باجتِهادِه إنْ كانَ مُجتهِدًا أو باجتِهادِ مُقلَّدِه إنْ كانَ مُقلِّدًا».
قالَ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: «وقَضيةُ كَلامِ الشَّيخينِ أنَّ المُقلِّدَ لا يَحكمُ بغيرِ مَذهبِ مُقلَّدِه.
وقالَ الماوَرديُّ وغيرُه: يَجوزُ.
وجمَعَ الأَذرعيُّ وغيرُه بحَملِ الأَولِ على مَنْ لمْ يَنتهْ لرُتبةِ الاجتِهادِ في مَذهبِ إِمامِه، وهو المُقلِّدُ الصِّرفُ الذي لمْ يَتأهلْ لنَظرٍ ولا تَرجيحٍ، والثَّاني على مَنْ له أَهليةٌ لذلك.
ومنَعَ ذلك الحُسبانِيُّ مِنْ جِهةِ أنَّ العُرفَ جَرى بأنَّ تَوليةَ المُقلِّدِ مَشروطةٌ بأنْ يَحكمَ بمَذهبِ مُقلِّدِه وهو مُتجهٌ، سَواءٌ الأَهلُ لمَا ذُكرَ وغيرُه، لا سيما إنْ قالَ له في عَقدِ التَّوليةِ: «على عادةِ مَنْ تقدَّمَكَ»؛ لأنَّه لمْ يُعتدْ لمُقلِّدٍ حُكمٌ بغيرِ مَذهبِ إِمامِه. وقَولُ جَمعٍ مُتقدِّمينَ: «لو قلَّدَ الإِمامُ رَجلًا القَضاءَ على أنْ يَقضيَ بمَذهبٍ عيَّنَه بطَلَ التَّقليدُ» يتعيَّنَ فَرضُه في قاضٍ مُجتهِدٍ أو مُقلِّدٍ عيَّنَ له غيرَ مُقلِّدِه معَ بَقاءِ تَقليدِه له كما هو واضحٌ، ثُم رأيتُ شارحًا جزَمَ بذلك، قالَ: وهو الذي عليه العَملُ أنَّه يُشترطُ على كلِّ مُقلِّدِ العَملُ بمَذهبِ مُقلِّدِه فلا يَجوزُ له الحُكمُ بخِلافِه». اه.
ونقَلَ ابنُ الرِّفعةِ عن الأَصحابِ أنَّ الحاكمَ المُقلِّدَ إذا بانَ حُكمُه على خِلافِ نَصِّ مُقلِّدِه نُقضَ حُكمُه.
ووافَقَه النَّوويُّ في الرَّوضةِ والسُّبكيُّ، وقالَ الغَزاليُّ: لا يُنقضُ، وتبِعَه الرَّافعيُّ بَحثًا في مَوضعٍ.
وصرَّحَ ابنُ الصَّلاحِ -كما مرَّ- بأنَّ نَصَّ إِمامِ المُقلِّدِ في حَقِّه كنَصِّ الشارعِ في حَقِّ المُقلِّدِ، ووافَقَه في الرَّوضةِ، وما أفهَمَه كَلامُ الرافعيِّ عن الغَزاليِّ من عَدمِ النَّقضِ بِناءً على أنَّ للمُقلِّدِ تَقليدُ مَنْ شاءَ، وجزَمَ به في جَمعِ الجَوامعِ، قالَ الأَذرعيُّ: «بَعيدٌ، والوَجهُ بل الصَّوابُ سَدُّ هذا البابِ مِنْ أَصلِه؛ لمَا يَلزمُ عليه مِنْ المَفاسدِ التي لا تُحصى». اه. وقالَ غيرُه: «المُفتي على مَذهبِ الشَّافعيِّ لا يَجوزُ له الإِفتاءُ بمَذهبِ غيرِه ولا يَنفذُ منه، أيْ: لو قَضى به لتَحكيمٍ، أو تَوليةٍ؛ لمَا تقرَّرَ عن ابنِ الصَّلاحِ، نعم إنِ انتقَلَ لمَذهبٍ آخرَ بشَرطِه وتبحَّرَ فيه جازَ له الإِفتاءُ به» (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فصرَّحوا بأنَّه لا يَجوزُ التَّقيدُ بمَذهبٍ مُعيَّنٍ في القَضاءِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «ولا يَجوزُ أنْ يُقلدَ القَضاءُ لواحدٍ على أنْ يَحكمَ بمَذهبٍ بعَينِه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، ولا أَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، والحَقُّ لا يَتعينُ في مَذهبٍ، وقد يَظهرُ له الحَقُّ في غيرِ ذلك المَذهبِ، فإنْ قلَّدَه على هذا الشَّرطِ بطَلَ الشَّرطُ، وفي فَسادِ التَّوليةِ وَجهانِ بِناءً على الشُّروطِ الفاسدةِ في البَيعِ» (٢).
وقالَ الإِمامُ المِرداويُّ رحمة الله عليه: «لا يَجوزُ أنْ يُقلدَ القَضاءُ لواحدٍ على أنْ يَحكمَ بمَذهبٍ بعَينِه، قالَا: وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ رحمة الله عليه ولا نَعلمُ فيه خِلافًا».
وقالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: «مَنْ أوجَبَ تَقليدَ إِمامٍ بعَينِه استُتيبَ فإنْ تابَ وإلا قُتلَ».
(١) «تحفة المحتاج» (١٢/ ١٠١، ١٠٢)، و «فتح المعين» (٤/ ٢١٦، ٢١٧).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٣٦).
قالَ: «وإنْ قالَ يَنبغي -أيْ: تَقليدُ إِمامٍ بعَينِه- كانَ جاهلًا ضالًّا».
قال: «ومَن كانَ مُتبعًا للإِمامِ فخالَفَه في بعضِ المَسائلِ لقُوةِ الدَّليلِ أو يَكونُ أَحدُهما أَعلمَ أو أَتقى فقد أحسَنَ ولمْ يَقدحْ في عَدالتِه بلا نِزاعٍ».
(قالَ وفي هذه الحالِ) أيْ: حالِ قُوةِ الدَّليلِ أو كَونِ أَحدِهما أَعلمَ أو أَتقى (يَجوزُ) تَقليدُ مَنْ اتصَفَ بذلك (عندَ أَئمةِ الإِسلامِ بل يَجبُ، وإنَّ) الإِمامَ (أَحمدَ نصَّ عليه) (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: يَحكمُ القاضِي بما في كِتابِ اللهِ، فإنْ لمْ يَجدْ فبسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فإنْ لمْ يَجدْ فبما ورَدَ عن الصَّحابةِ، فإنِ اختلَفَتْ أَقوالُهم يَجتهدُ في ذلك، ثم ذكَرُوا الكَلامَ الذي ذكَرْتُه في المَسالةِ السابقةِ ثُم قالُوا:
إذا اتفَقَ أَصحابُنا في شَيءٍ -أَبو حَنيفةَ وأَبو يُوسفَ ومُحمد رحِمَهم اللهُ تَعالى- لا يَنبغي للقاضِي أنْ يُخالفَهم برِأيه.
وإذا اختلَفُوا فيما بينهم قالَ عَبدُ اللهِ بنِ المُباركِ: «يُؤخذُ بقَولِ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه؛ لأنَّه كانَ مِنْ التابِعينَ وزاحَمَهم في الفَتوى».
وقالَ المُتأخِّرونَ مِنْ الشُّيوخِ: «إذا اجتَمعَ اثنانِ منهم على شَيءٍ وفيهما أَبو حَنيفةَ يُؤخذُ بقَولِهما، وإنْ كانَ أَبو حَنيفةَ في جانبٍ وهما في جانبٍ، فإنْ كانَ القاضِي مِنْ أَهلِ النَّظرِ والاجتِهادِ يَتخيرُ في ذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ يَستفتي غيرَه فيَأخذُ بقَولِه بمَنزلةِ العاميِّ».
(١) «الإنصاف» (١١/ ١٦٩، ١٧٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٧١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٦٣).
وذكَرَ الحَسنُ بنُ زيادٍ في أَدبِ القاضِي له: «الجاهلُ بالعِلمِ إذا استَفتى فَقيهًا فأَفتاه بقَولِ أَحدٍ أخَذَ بقَولِه ولا يَسعُه أنْ يَتعدى إلى غيرِه، وإنْ كانَ في المِصرِ فَقيهانِ كلاهُما رِضا يَأخذُ عنهما، فإنِ اختلَفا عليه فليَنظرْ أيَّهما يَقعُ في قَلبِه أنَّه أَصوبُهما وسِعَه أنْ يَأخذَ به، فإنْ كانوا ثَلاثةَ فُقهاءَ واتفَقَ اثنانِ أخَذَ بَقولِهما ولا يَسعُه أنْ يَتعدى إلى قَولِ الثالثِ، وإنِ اختلَفُوا ولمْ يَتفقِ اثنانِ منهم على شَيءٍ اجتَهدَ هو ورَأيُه فيما أَفتوه فيه، فأيُّهم كانَ أَصوبَ عندَه قَولًا عمِلَ بذلك، وليسَ له أنْ يَعملَ بقَولِ غيرِ واحدٍ منهم».
وقالَ أَبو العَباسِ الناطفيِّ: «هذا إذا كانَ المُستفتي على مَذهبِ أَهلِ العِراقِ أَفتى عالمٌ بقَولِ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه وأَفتى عالمٌ بقَولِ أَبي يُوسفَ وأَفتى عالمٌ بقَولِ مُحمدٍ أو بقَولِ زُفرٍ فليسَ له أنْ يَأخذَ بقَولِ الشافِعيِّ ولا بقَولِ مالِكٍ، وله أنْ يَأخذَ بقَولِ القاضِي إذا حكَمَ عليه بخِلافِ مَذهبِه.
وإنْ كانَ في المِصرِ قَومٌ مِنْ أَهلِ الفِقهِ شاورْهم في ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ رَسولَه بذلك بقَولِه تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والقاضِي لا يَكونُ أَفطنَ في نَفسِه مِنْ الرَّسولِ ﷺ، فإنِ اتفَقُوا على شَيءٍ وكانَ رَأيُه كرَأيهم فصَلَ الحُكمَ، وإنِ اختلَفُوا نظَرَ إلى أَقربِ الأَقوالِ مِنْ الحَقِّ وأَمضى ذلك، وإنْ كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، ولا يُعتبرُ السِّنُّ. فإذا اجتمَعَ فُقهاءُ البَلدِ على شَيءٍ وكانَ رَأيُه خِلافَ ذلك فلا يَنبغي أنْ يَعجلَ بالحُكمِ حتى يَكتبَ فيه إلى غيرِهم ويُشاورَهم» (١).
(١) «معين الحكام» (١/ ٢٧)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣١٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٦ - مسألة؛ قال: (وإذا نزل به الأمر المشكل عليه مثله، شاور فيه أهل العلم والأمانة)
ورجلٌ من الأنصارِ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ ، فقال النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للزُّبَيْرِ: "اسْقِ، ثُمَّ أرْسِلِ الْمَاءَ إلَى جَارِكَ" . فقال الأنْصَارِيُّ: أنْ كَانَ ابنَ عمَّتِك. فغضِبَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقال للزُّبَيْرِ: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ " . مُتَّفَقٌ عليه . فحكمَ في حالِ غَضَبِهِ. وقيل: إنما يَمْنَعُ الغضبُ الحاكمَ إذا كانَ قبلَ أنْ يتَّضحَ له الحُكمُ في المسألةِ، فأمَّا إن اتَّضَحَ الحُكْمُ، ثم عَرَضَ الغضبُ، لم يَمْنَعْه؛ لأنَّ الحقَّ قد اسْتَبانَ قبلَ الغضبِ، فلا يُؤَثِّرُ الغضبُ فيه.
١٨٦٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا نزَلَ بِهِ الأمْرُ المُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثلُهُ، شَاوَرَ فِيهِ أهْلَ الْعِلْمِ وَالْأمَانةِ)
وجُمْلتُه أنَّ الحاكمَ إذا حَضَرتْه قضيَّةٌ تَبَيَّنَ له حُكْمُها في كتابِ اللهِ تعالى، أو سُنَّةِ رسولِه، أو إجْماعٍ، أو قياسٍ جَليٍّ، حكمَ ولم يَحْتَجْ إلى رَأيِ غيرِه؛ لقولِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمُعاذٍ حين بَعَثَه إلى اليمنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قال: بكتابِ اللهِ. قال: "فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟ " . قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " . قال: أجتهدُ رَأْيي، ولا آلُو. قال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِى رَسُولَ اللهِ" . وإن احْتاجَ إلى الاجْتهادِ، اسْتُحِبَّ له أنْ يُشاوِرَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} . قال الحسنُ: إنْ كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَغَنِيًّا عن مُشاوَرَتِهم، وإنَّما أرادَ أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بعدَه . وقد شاورَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصحابه
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.