الضرب الثاني: أن يحكم بعلمه في الحقوق

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الضرب الثاني: أن يحكم بعلمه في الحقوق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 18 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: أن يحكم بعلمه في الحقوق - الأقوال والأدلة

قالَ الماوَرديُّ: «لا اختلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ للقاضِي أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الجَرحِ والتَّعديلِ» (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: «العُلماءُ أجمَعُوا على أنَّ القاضِي يَقضي بعِلمِه في التَّعديلِ والتَّجريحِ، وأنَّه إذا شهِدَ الشُّهودُ بضدِّ عِلمِه لمْ يَقضْ به» (٢).

الضَّربُ الثانِي: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الحُقوقِ:

إذا علِمَ القاضِي حالَ المَحكومِ فيه ولمْ تَقمْ عندَه بَينةٌ؛ مثلُ أنْ يَعلمَ أنَّ رَجلًا غصَبَ مِنْ رَجلٍ مالًا أو اقترَضَ منه، أو علِمَ أنَّ رَجلًا زَنى أو سرَقَ فهل يَجوزُ له أنْ يَقضيَ فيه بعِلمِه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتينِ:

الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الحُقوقِ:

إذا علِمَ القاضِي حالَ المَحكومِ فيه ولمْ تَقمْ عندَه بَينةٌ؛ مِثلُ أنْ يَعلمَ أنَّ رَجلًا غصَبَ مِنْ رَجلٍ مالًا أو اقتَرضَ منه، فهل يَجوزُ له أنْ يَقضيَ فيه بعِلمِه أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القاضِي لا يَحكمُ بعِلمِه في الحُقوقِ لا فيما علِمَه قبلَ الوِلايةِ أو بعدَها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية. فأمَرَ بجَلدِ القاذفِ إذا لمْ يَأتْ بأَربعةِ شُهداءَ على القاذفِ، ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ

(١) «الحاوي الكبير» (١٦/ ٣٢١).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٥١).

يَعلمَه الحاكمُ أو لا يَعلُمه. ولقَولِه للحَضرميِّ: «شاهداكَ أو يَمينُه، ليسَ لك إلا ذلك» (١).

فاقتضى أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ بغيرِ ذلك، فدلَّ على انتفاءِ الحُكم بالعلمِ.

ورُويَ: أنَّ رَجلًا ادَّعى على رَجلٍ عندَ عُمرَ رضي الله عنه حقًّا، فقالَ عُمرُ: «مَنْ يَشهدُ لكَ؟» فقالَ: أنت، فقالَ عُمرُ: «إنْ شئْتَ شهَدْتُ لك ولمْ أَحكمْ، وإنْ شئْتَ حكَمْتُ لك ولمْ أَشهدْ». ولأنَّه لو كانَ عِلمُ الحاكمِ بمَنزلةِ الشاهدينِ لانعَقدَ النِّكاحُ به وَحدَه.

ولمَا رَوتْ أُم سَلمةَ رضي الله عنها أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «إنما أنا بَشرٌ، وإنَّكم تَختصمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يَكونَ أَلحنَ بحُجتِه مِنْ بعضٍ، فأَقضيَ له نَحوَ ما أَسمعُ، فمَن قَضيتُ له بحقِّ أَخيه فإنما أَقطعُ له قِطعةً مِنَ النارِ» (٢). وظاهرُه أنَّه لا يَحكمُ إلا بما يَسمعُ في حالِ حُكمِه، وقد رُويَ: «وإنما أَحكمُ» وهذا صَريحٌ أو كالصَّريحِ في أنَّه لا يَحكمُ إلا بما يَسمعُ.

قَولُه في حَديثِ هِلالِ بنِ أُميةَ رضي الله عنه لمَّا لاعَنَ زَوجتَه: «أَبصِروه فإنْ جاءَتْ به -يَعني الوَلدَ- على نَعتِ كذا فهو لهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ به على نَعتِ كذا فهو لشَريكٍ» فجاءَتْ به على النَّعتِ المَكروهِ، فقالَ النَّبيُّ: «لو رجَمْتُ أَحدًا بغيرِ بَينةٍ رجَمْتُ هذه» (٣). فلمْ يَحكمْ بعِلمِه، لعَدمِ قيامِ البَينةِ.

(١) أخرجه البخاري (٢٣٨٠)، ومسلم (١٣٩)، وأحمد (١٨٨٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٤٨)، ومسلم (١٧١٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٠٤).

ولمَا رَوتْ عائشةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ بعَثَ أَبا جَهمِ بنِ حُذيفةَ مُصدقًا، فلاجَّهُ رَجلٌ في صَدقتِه، فضرَبَه أَبو جَهمٍ فشَّجَه، فأَتوا النَّبيَّ فقالوا: «القَودَ يا رَسولَ اللهِ». فقالَ: «إني خاطبٌ على الناسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم» قالوا: نعم، فخطَبَ فقالَ: «إنَّ هؤلاء اللَّيثيِّينِ أَتوني يُريدونَ القَودَ، فعرَضْتُ عليهم كذا وكذا فرَضوا، أفرَضِيتُم»؟ قالُوا: لا، فهَمَّ المُهاجرونَ بهم، فأمَرَهم رَسولُ اللهِ أنْ يَكفوا عنهم فكَفُّوا، ثُم دَعاهم فزادَهم فقالَ: «أفرَضِيتُم؟» فقالُوا: نعم، قالَ: «إني خاطِبٌ على الناسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم» قالوا: نعم. فخطَبَ فقالَ: «أرضيتُم؟» قالُوا: نعم» (١).

فلمْ يَحكمْ عليهم النَّبيُّ بعِلمِه لمَّا جحَدوا؛ تَعليمًا لأُمتِه، وسدًّا لبابِ التُّهمِ والظُّنونِ.

ولأنَّه امتنَعَ مِنْ قَتلِ المُنافقينَ معَ عِلمِه بكُفرِهم، وقالَ: «لئلَّا يَتحدثَ الناسُ أنَّ مُحمدًا يَقتلُ أَصحابَه» (٢)، وإنما لمْ يَقتلْهم؛ لأنَّ الناسَ لمْ يَعلموا كُفرَهم كما علِمَه، ولأنَّ الحاكمَ لمَّا لمْ يَكنْ مَعصومًا، وقد يَلحقُه الظِّنةُ والتُّهمةُ، ويُمكنُ وُقوعُ ذلك منهم، فحسَمَ البابَ في مَنعِ حُكمِه بعِلمِه لئلَّا يُدعى عليه أنَّه حكَمَ على عَدوِّه.

ولأنَّ الشاهدَ مَندوبٌ للإِثباتِ والقاضِي مَندوبٌ للحُكمِ، فلمَّا لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ الشاهدُ قاضيًا بشَهادتِه لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ القاضِي شاهدًا لحُكمِه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٧٨)، وابن ماجه (٢٦٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٢٢)، ومسلم (٢٥٨٤).

ولأنَّ الشَّهادةَ لا تَجوزُ بأَقلَّ مِنْ اثنينِ، فلو جازَ للقاضِي أنْ يَحكمَ بعِلمِه لصارَ إِثباتُ الحَقِّ بشَهادةِ واحدٍ.

ولو صارَ القاضِي كالشاهدينِ لصحَّ عَقدُ النِّكاحِ بحُضورِه وَحدَه لقيامِه مَقامَ شاهدينِ، وفي امتناعِ هذا دَليلٌ على مَنعِه من الحُكمِ بعِلمِه.

ولأنَّ تَجويزَ القَضاءِ بعِلمِ القاضِي يُفضي إلى تُهمتِه وحُكمِه بما يَشتهي (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَقضيَ بعِلمِه في الحُقوقِ، فإذا علِمَ بشَيءٍ مِنْ حُقوقِ العِبادِ في زَمنِ وِلايتِه ومَحلِّها جازَ له أنْ يَقضيَ به؛ لأنَّ عِلمَه كشَهادةِ الشاهدينِ وبل أَولى؛ لأنَّ اليَقينَ حاصلٌ بما علِمَه بالمُعاينةِ والسَّماعِ، والحاصلُ بالشَّهادةِ غَلبةُ الظنِّ، والإِجماعُ على أنَّ قَولَه على الانفرادِ مَقبولٌ فيما ليسَ خَصمًا فيه، ومتى قالَ حكَمْتُ بكذا نفَذَ حُكمُه.

ولقَولِه تَعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقَولِه تَعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، والحقُّ هو ضدُّ الباطلِ، ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ يَحكمَ القاضِي بالبَينةِ أو بعِلمِه.

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٣٥، ٣٧)، و «التمهيد» (٢٢/ ٢١٦، ٢١٩)، و «الاستذكار» (٧/ ٩٣، ٩٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٥١، ٣٥٢)، و «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣١٣)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ٣٢٢، ٣٢٣)، و «البيان» (١٣/ ١٠٢، ١٠٤)، و «المغني» (١٠/ ١٠١، ١٠٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «الطرق الحكمية» (٢٨٥، ٢٨٨).

ولقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وليسَ مِنْ القِسطِ أنْ يَعلمَ الحاكمُ أنَّ أَحدَ الخَصمينِ مَظلومٌ والآخرَ ظالمٌ ويَتركُ كلًّا منهما على حالِه.

ورُويَ: أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَمنعنَّ أَحدَكم هَيبةُ الناسِ أنْ يَقولَ في حقٍّ إذا رَآه أو سمِعَه» (١).

ورُويَ: أنَّ هندًا قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ، إنْ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني ما يَكفيني ووَلدي إلا ما أخَذْتُ منه سرًّا»، فقالَ النَّبيُّ : «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٢)، فقَضى لها رَسولُ اللهِ بأنْ تَأخذَ نَفقتَها مِنْ مالِه؛ مِنْ غيرِ بَينةٍ ولا إِقرارٍ لعِلمِه بصِدقِها.

ولأنَّ الحُكمَ بالأَقوى أَولى مِنْ الحُكمِ بالأَضعفِ، والحُكمُ في الشَّهادةِ بغالبِ الظنِّ وبالعِلمِ مِنْ طَريقِ اليَقينِ والقَطعِ، فلمَّا جازَ الحُكمُ بالشَّهادةِ كانَ بالعِلمِ أَولى وأَجوزَ، ألَا تَرى أنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ بخَبرِ الواحدِ كانَ الحُكمُ بخَبرِ التَّواترِ أَولى، ولمَّا جازَ الحُكمُ بقَولِ الرَّاوي عن الرَّسولِ كانَ الحُكمُ بقَولِ الرَّسولِ أَولى.

ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ في الجَرحِ والتَّعديلِ بعِلمِه، جازَ أنْ يَحكمَ في غيرِهما بعِلمِه، لثُبوتِه بأَقوى أَسبابِه.

ولأنَّ مَنعَ القاضِي مِنْ الحُكمِ بعِلمِه مُفضٍ إلى وُقوفِ الأَحكامِ أو فِسقِ الحُكامِ في رَجلٍ سمِعَه القاضِي يُطلقُ زَوجتَه ثَلاثًا أو يُعتقَ عَبدَه، ثُم أنكَرَ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (١١٠٣٠، ١١٥١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (١٧١٤).

العِتقَ أو الطَّلاقَ، فإنِ استحلَفَه ومكَّنَه فسَقَ، وإنْ لمْ يَستحلفْه وقَفَ الحُكمُ، وإذا حكَمَ بعِلمِه سلِمَ مِنْ الأَمرينِ.

وسَواءٌ كانَ عِلمُه بذلك في زَمنِ وِلايتِه أو قبلَها فإنَّه يَقضي به عندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، فيَقضي كما في حالِ وِلايتِه؛ لأنَّه يَعلمُ صَحةَ ذلك فجازَ له القَضاءُ به، كما لو علِمَه بعدَ وِلايتِه في عَملِه، والدَّليلُ على التَّسويةِ بينَ ما قبلَ الوِلايةِ وبعدَها: أنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ في الجَرحِ والتَّعديلِ بعِلمِه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها ولمْ يَجزْ أنْ يَحكمَ في الحُدودِ بعِلمِه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها؛ وجَبَ أنْ يَكونَ ما عَداهما مُعتبَرًا بهما، إنْ جازَ الحُكمُ فيه بالعِلمِ استَوى ما علِمَه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها كالجَرحِ والتَّعديلِ، وإنْ لمْ يَجزْ أنْ يَحكمَ فيه بالعِلمِ استَوى ما علِمَه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها كالحُدودِ فبطَلَ بهذا الفَرقُ بينَ العِلمينِ.

وأمَّا عندَ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ فإنَّه يَرى أنَّه لا يحَكمُ بعِلمِه إلا فيما علِمَه في زَمنِ وِلايتِه ومَحلِّها جازَ له أنْ يَقضي به، وأمَّا ما علِمَه قبلَ وِلايتِه أو في غيرِ مَحلِّ وِلايتِه لا يَقضي به عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه في غيرِ مِصرِه وغيرِ وِلايتِه شاهدٌ لا حاكمٌ، وشَهادةُ الفَردِ لا تُقبلُ، وصارَ كما إذا علِمَ ذلك بالبَينةِ العادلةِ ثُم ولِيَ القَضاءَ فإنَّه لا يَعملُ بها (١).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «شرح مختصر الطحاوي» (٨/ ٥٤، ٥٥)، و «فتاوى السغدي» (٢/ ٧٨١)، و «الاختيار» (٢/ ١٠٥)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٣١٤)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ٣٢٢، ٣٢٣)، و «البيان» (١٣/ ١٠٢، ١٠٤)، و «المغني» (١٠/ ١٠١، ١٠٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «الطرق الحكمية» (٢٨٥، ٢٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٧ - مسألة؛ قال: (ولا يحكم الحاكم بعلمه)

وقال: "أرَضِيتُم؟ " قالوا: لا. فهمَّ بهمُ المُهاجرون، فنَزلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأعْطاهم، ثم صَعَدَ، فخَطَبَ الناسَ، ثم قال: "أَرَضِيتُمْ؟ " . قالوا: نعم . وهذا يُبيِّنُ أنه لم يأخُذْ بعِلْمِه.

ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لو رأيتُ حَدًّا على رجلٍ، لم أحُدَّه حتى تَقومَ البَيِّنَةُ. ولأنَّ تَجْويزَ القضاءِ بعِلْمِه يُفْضِي إلى تُهْمَتِه، والحُكْمِ بما اشْتهَى، ويُحِيلُه على عِلْمِه. فأمَّا حديثُ أبي سفيانَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه فُتْيَا لا حُكمٌ، بدليلِ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أفْتَى في حقِّ أبي سُفْيانَ مِن غيرِ حُضورِه، ولو كانَ حُكْمًا عليه لم يَحْكُمْ عليه في غَيْبَتِه. وحديثُ عمرَ الذي رَوَوه، كان إنْكارًا لمُنْكَرٍ رَآهُ، لا حُكْم ، بدليلِ أنَّه ما وُجِدَتْ منهما دَعْوَى وإنْكارٌ بشُروطِهما، ودليلُ ذلك ما رَويناه عنه، ثم لو كان حُكْمًا، كان مُعارَضًا بما رَويْناه عنه، ويفارِقُ الحُكْمَ بالشَّاهِدَيْن؛ فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهْمَةٍ، بخلافِ مَسْألتِنا. وأما الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فإنَّه يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لو لم يَحْكُمْ فيه بعِلْمِه، لتَسلْسَلَ، فإنَّ المُزَكِّيَيْنِ يَحْتاجُ إلى مَعْرفةِ عَدالتهما وجَرْحِهما، فإذا لم يَعْمَلْ بعِلْمِه، احْتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى مُزَكِّيَيْنِ، ثم كلُّ واحدٍ منهما يحْتاجُ إلى مُزَكِّيَيْنِ، فيَتسَلْسَلُ، وما نحنُ فيه بخلافِه.

فصل: ولا خلافَ في أنَّ للحاكمِ أنْ يَحْكُمَ بالبَيِّنَةِ والإقْرارِ في مجلسِ حُكْمِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدَانِ، فإنْ لم يَسْمَعْه معه أحدٌ، أو سَمِعَه شاهدٌ، فنَصَّ أحمدُ على أنَّه يَحْكُمُ به. وقال القاضي: لا يَحْكُمُ به حتى يَسْمعَه معه شاهِدَان؛ لأنَّه حَكَمَ بعِلْمِه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 386 - 391

ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله