الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الركن الثالث: المقضي له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالثُ: المَقضيُّ له:
الأَصلُ أنَّ القاضِي يَقضي لكلِّ مَنْ تَجوزُ شَهادتُه عليه، ولا يَجوزُ قَضاءُ القاضِي لنَفسِه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في قَولٍ ولو رضِيَ خَصمُه بذلك، إلا أنَّه إذا حكَمَ على نَفسِه يَكونُ كالإِقرارِ منه بما ادَّعى خَصمُه عليه، وفي قَولٍ للشافِعيةٍ وأَصبغَ مِنْ المالِكيةِ يَصحُّ حُكمُه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا هل يَجوزُ للقاضِي أنْ يَقضيَ لمَن لا تَجوزُ شَهادتُه له كأَبويه وأَبنائِه أو شُركائِه أم لا يَجوزُ؟ للعُلماءِ تَفصيلٌ في هذا.
أولًا: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ قَضاؤُه لنَفسِه ولا لمَن لا تُقبلُ شَهادتُه له كأُصولِه وفُروعِه؛ لأنَّ مَبنى القَضاءِ على الشَّهادةِ، ولا يَصحُّ شاهدًا لهؤلاء فلا يَصحُّ قاضيًا لهم لمَكانِ التُّهمةِ، ويَجوزُ أنْ يَقضيَ عليهم؛ لأنَّه لو شهِدَ عليهم جازَ فكذا القَضاءُ.
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَجوزُ قَضاؤُه لنَفسِه ولا لمَن لا تُقبلُ شَهادتُه له؛ لأنَّ مَبنى القَضاءِ على الشَّهادةِ، ولا يَصحُّ شاهدًا لهؤلاء فلا يَصحُّ قاضيًا لهم لمَكانِ التُّهمةِ، ويَجوزُ أنْ يَقضيَ عليهم؛ لأنَّه لو شهِدَ عليهم جازَ فكذا القَضاءُ.
ويَجوزُ أنْ يَقضيَ لمَن تُقبلُ شَهادتُه له كالأخِ والعمِّ وأَولادِهما، وكذا لو قَضى لامرَأتِه وأمِّها، وإنْ كانَتا قد ماتَتا لمْ يَجزْ قَضاؤُه لهما إذا كانَتِ امرأتُه تَرثُ مِنْ ذلك شَيئًا؛ لأنَّه لو شهِدَ لهما في هذه الصُّورةِ لمْ يَجزْ، فكذا إذا قَضى لهما، وإنْ قَضى لامرأةِ ابنِه أو لزَوجِ ابنتِه والمَقضيُّ له حيٌّ جازَ
قَضاؤُه، وإنْ كانَ مَيتًا لمْ يَجزْ إذا كانَ الابنُ أو البِنتُ يَرثانِ لمَا قلْنا (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ لنَفسِه فإنْ كانَ له قبلَ أَحدٍ شَيءٌ رفَعَ ذلك إلى غيرِه، ووكَّلَ وَكيلًا يُخاصمُ عنه، وإنْ شاءَ خاصَمَ ولمْ يُوكِّلْ، فإنْ رضِيَ صاحبُه أنْ يُحكمَه في ذلك فلا يَقبلُ، ولا يَجوزُ حُكمُه لنَفسِه إلا أنْ يَشاءَ أنْ يَحكمَ عليها فيَكونُ كالإِقرارِ منه بما ادَّعى خَصمُه عليه، وقالَ أَصبغُ في تَحكيمِ خَصمِ القاضِي له: «لا أُحبُّه فإنْ وقَعَ مَضى، وليَذكرْ في حُكمِه رِضاه بتَحكيمِه، ويُوقعُ عندَه شَهادةَ مَنْ شهِدَ برِضاه».
وفي حُكمِه لأَقاربِه الذين لا تَجوزُ شَهادتُه لهم أَربعةُ أَقوالٍ:
القَولُ الأَولُ: المَنعُ لمُحمدٍّ ومُطرِّفٍ.
والثانِي: الجَوازُ لأَصبغَ، قالَ: وهذا إنْ كانَ مِنْ أَهلِ القيامِ بالحَقِّ وقد يَحكمُ للخَليفةِ وهو فيه أَقوى تُهمةً.
والثالثُ: الجَوازُ إلا لزَوجتِه ووَلدِه الصَّغيرِ ويَتيمِه الذي يَلي مالَه.
وفي ابنِ يُونسَ: ولا يَحكمُ لعمِّه إلا أنْ يَكونَ مُبَرَّزًا في العَدالةِ.
والرابعُ: التَّفرقةُ، فإنْ قالَ ثبَتَ عِندي لمْ يَجزْ إنْ حضَرَ الشُّهودُ، وكانَتِ الشَّهادةُ ظاهرةً جازَ إلا لزَوجتِه ووَلدِه الصَّغيرِ ويَتيمِه، واختارَه ابنُ حَبيبٍ، واختارَ اللَّخميُّ المَنعَ مُطلقًا، قالَ: «ولو حكَمَ بما تَلحقُه فيه الحَميةُ مِنْ غيرِ المالِ لمْ يَجزْ بحالْ» (٢).
(١) «معين الحكام» ص (٣٥)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٨)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢١٩)، و «اللباب» (٢/ ٤٩٢).
(٢) «تبصرة الحكام» (١/ ٧١، ٧٣)، و «الذخيرة» (١٠/ ١١٠).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ لنَفسِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لنَفسِه. فإنِ اتفَقَ بينَه وبينَ غيرِه خُصومةٌ .. تحاكَما إلى الإِمامِ أو إلى بعضِ القُضاةِ الذين وَلاهم الإِمامُ، فإنْ تحاكَما إلى خَليفةِ القاضِي المُخاصمِ .. صحَّ؛ ل: (أنَّ عُمرَ رضي الله عنه تحاكَمَ معَ أُبي بنِ كَعبٍ إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ)، و: (تحاكَمَ عُثمانُ رضي الله عنه معَ طَلحةَ إلى جُبيرِ بنِ مُطعمٍ)، و: (تحاكَمَ عليٌّ رضي الله عنه معَ يَهوديٍّ في دِرعٍ إلى شُريحٍ).
ويَنفذُ قَضاؤُه على نَفسِه وهل هو إِقرارٌ أو حُكمٌ فيه وَجهانِ والأَوجهُ أنَّه حُكمٌ.
ولا يَجوزُ له أنْ يَحكمَ لوالدِه وإنْ عَلا، ولا لوَلدِه وإنْ سفَلَ.
وقالَ أَبو ثَورٍ: يَجوزُ.
دَليلُنا: أنَّه لا تُقبلُ شَهادةٌ له، فلمْ يَصحَّ حُكمُه له، كنَفسِه.
وإنْ تحاكَمَ إليه والدُه ووَلدُه .. فهل يَصحُّ حُكمُه بينَهما؟ فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: لا يَصحُّ، كما لا يَصحُّ حُكمُه بينَ أَحدِهما وبينَ أَجنبيٍّ.
والثانِي: يَصحُّ؛ لأنَّهما سَواءٌ في البَعضيةِ منه، فارتفَعَتْ عنه تُهمةُ المَيلِ.
ولا يَجوزُ أنْ يَقضيَ لشَريكِه فيما لهم فيه شَركةٌ لوُجودِ التُّهمةِ.
ويَقضي له ولهؤلاءِ إذا وقَعَتْ له أو لهم خُصومةٌ نائبُه؛ لأنَّه حاكمٌ أو الإِمامُ أو قاضٍ آخرُ لانتفاءِ التُّهمةِ ولا يَقضي على عَدوٍّ له كالشَّهادةِ عليه.
وله أنْ يَحكمَ ليَتيمٍ وَصى به إليه لأنَّ القاضِي يَلي أَمرَ الأَيتامِ كلِّهم وإنْ لم يَكنْ وَصيًّا فلا تُهمةَ، وقيلَ: ليسَ له ذلك كما لا يَشهدُ له.
ويَجوزُ قَضاؤُه لكلِّ مَنْ جازَتْ له شَهادتُه مِنْ أخٍ وعمٍّ وابنِ عمٍّ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «وليسَ للحاكمِ أنْ يَحكمَ لنَفسِه كما لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لنَفسِه، فإنْ عرضَتْ له حُكومةٌ معَ بعضِ الناسِ جازَ أنْ يُحاكمَه إلى بعضِ خُلفائِه أو بعضِ رَعيتِه، فإنَ عُمرَ حاكَمَ أُبيًّا إلى زَيدٍ وحاكَمَ رَجلًا عِراقيًّا إلى شُريحٍ، وحاكَمَ عليٌّ اليَهوديَّ إلى شُريحٍ، وحاكَمَ عُثمانُ طَلحةَ إلى جُبيرِ بنِ مُطعمٍ.
فإنْ عرضَتْ حُكومةٌ لوالديه أو وَلدِه أو مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه له؛ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: لا يَجوزُ له الحُكمُ فيها بنَفسِه، وإنْ حكَمَ له لمْ يَنفذْ حُكمْه، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه له فلمْ يَنفذْ حُكمْه له كنَفسِه.
والثانِي: يَنفذُ حُكمُه، اختارَه أَبو بَكرٍ، وهو قَولُ أَبي يُوسفَ وابنِ المُنذرِ وأَبي ثَورٍ؛ لأنَّه حُكمٌ لغيرِه أشبَهَ الأَجانبَ، وعلى القَولِ الأَولِ متى عرضَتْ لهؤلاء حُكومةٌ حكَمَ بينهم الإِمامُ أو حاكِمٌ آخرُ أو بعضُ خُلفائِه، فإنْ كانَتِ الخُصومةُ بينَ والديه أو وَلدَيْه أو والدِه ووَلدِه لمْ يَجزْ له الحُكمُ بينَهما على أَحدِ الوَجهينِ؛ لأنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه لأَحدِهما على الآخرِ فلمْ يَجزِ الحُكمُ بينَهما كما لو كانَ خَصمُه أَجنبيًّا، وفي الآخرِ يَجوزُ وهو قَولُ بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّها سَواءٌ عندَه فارتفَعَتْ تُهمةُ المَيلِ فأشبَها الأَجنبيَّينِ (٢).
(١) «الأم» (٦/ ٢١٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٩٢)، و «البيان» (١٣/ ٣٠).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٣٦، ١٣٧)، و «الكافي» (٤/ ٤٣٩).
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.