المسألة الرابعة: ما يصح فيه التحكيم وما لا يصح

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > المسألة الرابعة: ما يصح فيه التحكيم وما لا يصح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

المسألة الرابعة: ما يصح فيه التحكيم وما لا يصح - الأقوال والأدلة

فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ له ذلك؛ لأنَّ رِضاهما لمْ يُوجدْ حالَ الحُكمِ فهو كما لو امتنَعَ أَحدُهما قبلَ شُروعِه في الحُكمِ.

وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو ما رجَّحَه جَماعةٌ كابنِ فَرحونَ- والشافِعيةِ في وَجهٍ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه ليسَ له ذلك؛ لأنَّا لو جوَّزْنا له ذلك لأَدى إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رَأى مِنْ الحاكمِ ما لا يُوافقُه رجَعَ فيُؤدي إلى إِبطالِ المَقصودِ (١).

المَسألةُ الرابعةُ: ما يَصحُّ فيه التَّحكيمُ وما لا يَصحُّ:

اتفَقَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ التَّحكيمُ في حُقوقِ اللهِ تَعالى كحَدِّ الزِّنا والسَّرقةِ وغيرِهما، وإنما مَردٌ ذلك للإِمامِ أو الحاكمِ وليسَ للمُحكَّمِ.

واختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَجوزُ للمُحكَّمِ أنْ يَحكمَ فيه، هل يَجوزُ أنْ يَحكمَ في كلِّ شَيءٍ حتى الدِّماءِ والقِصاصِ ويَنفذُ حُكمُه أم لا يَجوزُ إلا في الأَموالِ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.

(١) «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٨/ ٦٦، ٦٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢١٥، ٢١٨)، و «اللباب» (٢/ ٤٩٠، ٤٩٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٦)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٢٤١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٣٤، ٣٥)، و «الشامل» (٢/ ٨٣٦)، و «أحكام القرآن» (٢/ ١٢٥، ١٢٦)، و «تبصرة الحكام» (١/ ٥١)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٤٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٢، ١٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٦٠، ٦١)، و «البيان» (١٣/ ١٣/ ٢٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٥٥، ١٥٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «المغني» (١٠/ ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٩١)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٥٦).

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّحكيمُ في الحُدودِ والقِصاصِ؛ لأنَّهما لا يَملكانِ إِباحةَ دَمهما فلا يَجوزُ حُكمُ المُحكَّمِ فيهما لتَوقفِ حُكمِه على صِحةِ تَحكيمِهما.

وقيلَ: إنَّ حُكمَه بمَنزلةِ الصُّلحِ فيما يَجوزُ فيه الاستيفاءُ بالصُّلحِ، واستيفاءُ الحَدِّ والقَودِ غيرُ مَشروعٍ بالصُّلحِ فلا يَجوزُ التَّحكيمُ فيهما.

ويَصحُّ التَّحكيمُ في سائرِ المُجتهداتِ وغيرِها الذي هو الثابتُ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ بالطَّريقِ الأَولى إلا في الحَدِّ والقَودِ.

ولو حكَّماه في دَمِ خَطأٍ فحكَمَ بالدِّيةِ على العاقلةِ لا يَنفذُ؛ لأنَّ حُكمَ المُحكَّمِ لا يَنفذُ في حَقِّ المُحكِّمينَ ولا يَنفذُ إذا في حَقِّ العاقلةِ؛ لأنَّهم ما رَضُوا بحُكمِه، كما لو حكَّما في عَيبِ مَبيعٍ فقَضى برَدِّه، ليسَ للبائعِ أنْ يَردَّه على بائعِه إلا أنْ يَرضى البائعُ الأَولُ والثَّاني والمُشتري بتَحكيمِه (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّحكيمَ جائزٌ في كلِّ شَيءٍ إلا في حَدٍّ ولِعانٍ وقَتلٍ ووَلاءٍ وطَلاقٍ وعِتقٍ؛ لأنَّه يَتعلقُ بها حَقٌّ لغيرِ الخَصمينِ إمَّا للهِ تَعالى وإما لآدميٍّ، ففي اللِّعانِ حَقٌّ للوَلدِ لقَطعِ النَّسبِ وكذلك النَّسبُ والوَلاءُ، وفي الطَّلاقِ والعِتقِ حَقٌّ للهِ تَعالى؛ إذ لا يَجوزُ بَقاءُ المُطلَّقةِ البائنِ في العِصمةِ ولا رَدُّ العَبدِ في الرِّقِّ.

(١) «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٨/ ٦٦، ٦٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٦)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٢٤١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢١٥، ٢١٨)، و «اللباب» (٢/ ٤٩٠، ٤٩٢).

والمُحكَّمُ إذا حكَمَ فيما لا يَجوزُ له التَّحكيمُ فيه فإنَّه يَمضي إنْ كانَ صَوابًا، وليسَ لأَحدِهما ولا لحاكمٍ غيرِهما أنْ يَنقضَه، ولكنْ إذا استوفى الحُكمَ بالحَدِّ والقَتلِ يُؤدبُ لافتِياتِه على الإِمامِ في الاستِيفاءِ، وإلا فلا يُؤدبُ بل يُزجرُ ولا يُؤدبُ على المُعوَّلِ عليه، وحينَئذٍ إذا حكَمَ بالقَتلِ وعَفا عن المَحكومِ عليه لمْ يَكنْ عليه أَدبٌ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ حُكمُ المُحكَّمِ في جَميعِ الأَحكامِ مُطلقًا سَواءٌ في مالٍ أو في قِصاصٍ، كما يَجوزُ حُكمُ القاضِي الذي وَلاه الإِمامُ، فمَن صحَّ حُكمُه في مالٍ صحَّ في غيرِه كالمُولى من جِهةِ الإِمامِ.

وأمَّا التَّحكيمُ في حُدودِ اللهِ تَعالى فلا يَتأتى فيها التَّحكيمُ؛ إذ ليسَ لها طالبٌ مُعينٌ.

وفي قَولٍ للشافِعيةِ وهو قَولُ القاضِي مِنْ الحَنابِلةِ: يَجوزُ في جَميعِ الأَحكامِ إلا في أَربعةِ أَحكامٍ: النِّكاحُ، واللِّعانُ، وحَدُّ القَذفِ والقِصاصِ؛ لأنَّ هذه الأَحكامَ غلَّظَ فيها الشَّرعُ، فلا يَجوزُ أنْ يَتولاها إلا الإِمامُ أو مَنْ وَلاه الإِمامُ (٢).

(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١٢٥، ١٢٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٤٥، ١٤٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٣، ١٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٦٠، ٦١).
(٢) «المهذب» (٢/ ٢٩١)، و «البيان» (١٣/ ٢٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٥٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «المغني» (١٠/ ١٣٧).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ تحاكَمَ شَخصانِ إلى رَجلٍ للقَضاءِ بينَهما فحكَمَ نفَذَ حُكمُه في المالِ والقِصاصِ والحَدِّ والنِّكاحِ واللِّعانِ وغيرِها، حتى معَ وُجودِ قاضٍ فهو كحاكمِ الإِمامِ، ويَلزمُ مَنْ كتَبَ إليه المُحكَّمُ بحُكمِه القَبولُ، ويَلزمُه تَنفيذُ حُكمِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافذُ الأَحكامِ؛ فلزِمَه قَبولُه كحاكمِ الإِمامِ (١).

(١) «المغني» (١٠/ ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٩٠، ٣٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه، إلا ما خالف نص كتاب، أو سنة، أو إجم

١٨٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا مَا خالَفَ نصَّ كِتَابٍ، أوْ سُنَّةٍ، أوْ إِجْمَاعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 356 - 359

ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله