الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > تقليد المفضول مع وجود الفاضل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةتَقليدُ المَفضولِ معَ وُجودِ الفاضلِ:
اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأَصلَ في الذي يَلي القَضاءَ أنْ يَكونَ أَفضلَ المَوجودينَ ممَّن يَصلحُ للقَضاء والذي اكتمَلَتْ فيه شُروطُ القَضاءِ، وإذا وُجدَ مُجتهِدٌ مُطلَقٌ فلا يَجوزُ عندَ المالِكيةِ أنْ يَتولى القَضاءَ مُقلِّدٌ معَ وُجودِ مِجتهدٍ مُطلَقٍ، وتَبطلُ وِلايتُه، وهذا الذي اعتَمدَه كَثيرٌ مِنْ المالِكيةِ.
والقَولُ الثانِي -وهو الذي عليه المَذهبُ- أنَّ تَوليتَه صَحيحةٌ.
وأمَّا إذا لمْ يَكنْ هناك مُجتهِدٌ مُطلَقٌ فيَصحُّ تَوليةُ المَفضولِ معَ وُجودِ الفاضلِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -وهو مُقتضى كَلامِ الحَنفيةِ-؛ لأنَّ زيادةَ الفَضلِ مُبالغةٌ في الاختيارِ وليسَتْ مُعتبرَةً في شُروطِ الاستِحقاقِ، ولأنَّ المَفضولَ مِنْ الصَّحابةِ والسَّلفِ كانَ يُفتي معَ الفاضلِ منهم معَ الاشتهارِ والتَّكرارِ ولمْ يُنكرْ ذلك أَحدٌ فكانَ إِجماعًا (١).
حُكمُ التَّحاكمِ عندَ مَنْ له أَهليةُ القَضاءِ:
اتفَقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه إذا تحاكَمَ رَجلانِ إلى رَجلٍ حكَّماه بينَهما ورضِياه وكانَ ممَّن يَصلحُ للقَضاءِ فحكَمَ بينَهما جازَ ذلك؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].
ولعَملِ رَسولِ اللهِ ﷺ بتَحكيمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ في بَني قُريظةَ بسَبي ذَراريِّهم وقَتلِ مُقاتليهم كما في الصَّحيحِ.
(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٥٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣، ٤)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٦١)، و «الأحكام السلطانية» ص (٨)، و «الإنصاف» (١١/ ١٩٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٨٨).
ولمَا رُويَ عن يَزِيدَ بنِ المِقدامِ بنِ شُريحٍ عن أَبيه عن جَدهِ شُريحٍ عن أَبيه هانئٍ أنَّه لمَّا وفَدَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ معَ قَومِه سمِعَهم يَكنونَه بأَبي الحَكمِ فدعاه رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «إنَّ اللهَ هو الحَكمُ وإليه الحُكمُ فلمَ تُكنَى أبَا الحَكمِ؟» فقالَ: إنَّ قَومي إذا اختلَفُوا في شَيءٍ أَتوني فحَكَمتُ بينهم فرضِيَ كلا الفَريقَينِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما أَحسنَ هذا! فما لك مِنْ الوَلدِ؟» قالَ: لي شُريحٌ ومُسلمٌ وعَبدُ اللهِ. قالَ: «فمَن أَكبَرُهم؟» قلتُ: شُريحٌ. قالَ: «فأنت أَبو شُريحٍ» (١).
ويُروى مَرفوعًا: «مَنْ حكَمَ بينَ اثنينِ تَراضيا به لمْ يَعدلْ بينَهما فهو مَلعونٌ» (٢).
ولولا أنَّ حُكمَه يَلزمُهما لمَا لحِقَه هذا الذَّمُّ.
ورُويَ «أنَّه كانَ بينَ عُمرَ وأُبي بنِ كَعبٍ مُنازعةٌ في نَخلٍ، فحَكَّما بينَهما زَيدَ بنَ ثابتٍ. فأَتياه فخرَجَ زَيدٌ وقالَ لعُمرَ: «هلَّا بعَثْتَ إليَّ فأَتيتكَ يا أَميرَ المُؤمنينَ؟» فقالَ عُمرُ: «في بَيتِه يُؤتَى الحَكمُ» فدخَلا بَيتَه فأَلقى لعُمرَ وِسادةٌ، فقالَ عُمرُ: «هذا أَولُ جَورِكَ»، وكانَتِ اليَمينُ على عُمرَ، فقالَ زَيدٌ لأُبيّ: «لو أعفَيْتَ أَميرَ المُؤمنينَ»، فقالَ عُمرُ: «عن يَمينٍ لزِمتني»، فقالَ أُبَيّ: «نُعفي أَميرَ المُؤمنينَ ونَصدقُه» (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٧).
(٢) قالَ ابنُ المُلقنِ في «البدر المنير» (٩/ ٥٥٥): قلتُ: «هذا الحَديثُ لا يَصحُّ للاحتجاجُ به؛ لأنَّه مِنْ نُسخةِ ابنِ جَرادٍ وهي نُسخةٌ باطلةٌ» (٢١١٨) «وقد ذكَرَ ابنُ الجَوزيِّ مرةً أنَّها نُسخةٌ مَوضوعةٌ، وبالغَ في الحَطِّ على الخَطيبِ الحافظِ لمَّا احتَجَّ بحَديثٍ منها».
(٣) ضَعِيفٌ: رواه علي بن الجعد في «مسنده» رقم (١٨٠٢)، ومِن طَريقِه البيهقي «الكبرى» (١٠/ ١٤٤)، وفي إِسنادِه (الشِّعبيُّ لمْ يُدركْ عُمرَ).
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.