الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > المسألة الثانية: حكم القاضي وهو غضبان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةمُحمدًا يَقتلُ أَصحابَه» ولمَّا رَآه بعضُ أَصحابِه معَ زَوجتِه صَفيةَ بِنتِ حُييٍّ قالَ: «رُويدَكما، إنَّها صَفيةُ بِنتُ حُييٍّ» لئلا تَقعَ في نُفوسِهما تُهمةٌ له.
ومَن تَدبَّرَ الشَّريعةَ وما اشتمَلَتْ عليه مِنْ المَصالحِ وسدِّ الذَّرائعِ تبيَّنَ له الصَّوابُ في هذه المَسألةِ، وباللهِ التَّوفيقُ» (١).
المَسألةُ الثانيةُ: حُكمُ القاضِي وهو غَضبانُ:
اتفَقَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ القاضِي لا يَنبغي له أنْ يَقضيَ وهو غَضبانُ، ويَنبغي أنْ يَعتمدَ بنَظرِه الوَقتَ الذي يَكونُ فيه ساكنَ النَّفسِ مُعتدلَ الأَحوالِ؛ ليَقدرَ على الاجتِهادِ في النَّوازلِ ويَحترسَ مِنْ الزَّللِ في الأَحكامِ. فإنْ تغيَّرَتْ حالُه بغَضبٍ أو حَردٍ تغيَّرَ فيها عَقلُه وخُلقُه توقَّفَ عن الحُكمِ؛ احترازًا مِنْ الزَّللِ فيه لمَا رواه الشَّيخانِ عن عَبدِ المَلكِ بنِ عُميرٍ سمِعْتُ عبدَ الرَّحمنِ بنِ أَبي بَكرةَ قالَ: كتَبَ أَبو بَكرةَ إلى ابنِه -وكانَ بسِجستانَ- بألَّا تَقضيَ بينَ اثنينِ وأنت غَضبانُ فإنِّي سمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «لا يَقضينَّ حَكمٌ بينَ اثنينِ وهو غَضبانُ» (٢).
ولأنَّه إذا غضِبَ تغيَّرَ عَقلُه ولمْ يَستوفِ رَأيَه وفِكرَه.
وفي مَعنى الغَضبِ كلُّ ما شغَلَ فِكرَه مِنْ الجُوعِ المُفرطِ، والعَطشِ الشَّديدِ، والوَجعِ المُزعِجِ، ومُدافعةِ أَحدِ الأَخبثينِ، وشِدةِ النُّعاسِ، والهمِّ والغمِّ والحُزنِ والفَرحِ، فهذه كلُّها تَمنعُ الحاكمَ؛ لأنَّها تَمنعُ حُضورَ القَلبِ
(١) «الطرق الحكمية» ص (٢٨٩، ٢٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٣٩)، ومسلم (١٧١٧).
واستِيفاءَ الفِكرِ الذي يُتوصلُ به إلى إِصابةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في مَعنى الغَضبِ المَنصوصِ عليه فتَجري مَجراه.
فمَن قصَرَ النَّهىَ على الغَضبِ وَحده دونَ الهمِّ المُزعِجِ والخَوفِ المُقلِقِ والجُوعِ والظَّمأِ الشَّديدِ وشُغلِ القَلبِ المانعِ مِنْ الفَهمِ؛ فقد قلَّ فِقهُه وفَهمُه.
وإنْ حكَمَ في هذه الأَحوالِ صحَّ حُكمُه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ الزُّبيرَ ورَجلًا مِنْ الأَنصارِ اختصَما إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في شِراجِ الحَرةِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ للزُّبيرِ: «اسقِ زَرعَكَ ثُم أرسلِ الماءَ إلى جارِكَ، فقالَ: الأَنصاريُّ: وإنْ كانَ ابنُ عَمتِكَ يا رَسولَ اللهِ. فغضِبَ رَسولُ اللهِ ﷺ حتى احمَرَّ وَجهُه، ثُم قالَ للزُّبيرِ: اسقِ زَرعَكَ واحبسِ الماءَ حتى يَبلغَ الجَدرِ ثُم أرسلْه إلى جارِكَ» (١). فحكَمَ ﷺ في حالِ الغَضبِ.
وذهَبَ القاضِي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا حكَمَ في هذه الحالِ لا يَنفذُ قَضاؤُه؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه، والنَّهيُ يَقتضي فَسادَ المَنهي عنه.
قالَ ابنُ رُشدٍ: «اتفَقُوا -فيما أَعلمُ- على أنَّه يَنفذُ حُكمُه ويُحتملُ أنْ يُقالَ لا يَنفذُ فيما وقَعَ عليه النصُّ وهو الغَضبانُ؛ لأنَّ النَّهيَ يَدلُّ على فَسادِ المَنهيِّ عنه» (٢).
(١) أخرجه البخاري (٤٣٠٩)، ومسلم (٢٣٥٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٥٥)، وينظر: «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٧١)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٢٦)، و «الكافي» (٤٩٧)، و «القوانين الفقهية» ص (١٩٥)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ٣٢، ٣٣)، و «المهذب» (٢/ ٢٩٣)، و «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ١٥)، و «المغني» (١٠/ ٩٩)، و «الكافي» (٤/ ٤٤٢)، و «علام الموقعين» (١/ ٢١٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «المبدع» (١٠/ ٣٨، ٣٩)، و «الإنصاف» (١١/ ١٠٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٩٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٥ - مسألة؛ قال: (ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان)
قبلَه وَلَّاهم، ومَن تغَيَّرَ حَالُه منهم، عزَلَه إن فسَقَ، وإن ضَعُفَ، ضَمَّ إليه أمِينًا.
فصل: ثم ينْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطةِ التي تَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛ فإن كانتْ ممَّا يُخافُ تَلَفُه كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ كالأمْوالِ الجافِيَةِ، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها، وإن لم تكُنْ كذلك كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويكْتبُ عليها لِتُعَرَّفَ.
١٨٦٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.