الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الشرط الرابع: الحرية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةالشَّرطُ الرَّابعُ: الحُريةُ:
اتفَقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ حُرًّا فلا تَصحُّ وِلايةُ الرَّقيقِ؛ لأنَّه ناقصٌ عن وِلايةِ نَفسِه فعن وِلايةِ غيرِه أَولى.
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: «وأمَّا اشتِراطُ الحُريةِ فلا خِلافَ فيه» (١).
وقالَ أَبو الوَليدِ الباجيُّ رحمة الله عليه: «وأما اعتِبارُ حُريتِه فقد قالَ القاضِي أَبو مُحمدٍ لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ، ووَجهُ ذلك أنَّ مَنافعَ العَبدِ مُستحقَّةٌ لسَيدِه فلا يَجوزُ أنْ يَصرفَها للنَّظرِ بينَ المُسلِمينَ، ولأنَّه ناقصُ الحُرمةِ نَقصًا يُؤثرُ في الإِمامةِ كالمَرأةِ» (٢).
الشَّرطُ الخامسُ: الذُّكوريةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ ذَكرًا أم تَصحُّ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الذُّكوريةَ ليسَتْ شَرطًا في جَوازِ تَقليدِ القَضاءِ في الجُملةِ؛ لأنَّ المَرأةَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، إلا أنَّها لا تَقضي في الحُدودِ والقِصاصِ فقَضاءُ المرأةِ جائزٌ في كلِّ شيءٍ إلا في الحُدودِ والقِصاصِ، اعتِبارًا بشَهادتِها؛ لأنَّ حُكمَ القَضاءِ يُستقَى مِنْ حُكمِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٤)، وينظر: المصادر السابقة.
(٢) «المنتقى شرح الموطإ» (٥/ ١٨٣).
مِنْ بابِ الوِلايةِ، فكلُّ مَنْ كانَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ يَكونُ أَهلًا للقَضاءِ، وهي أَهلٌ للشَّهادةِ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، فهي أَهلٌ للقَضاءِ في غيرِهما.
إلا أنَّه يُكرهُ؛ لمَا فيه مِنْ مُحادثةِ الرِّجالِ، ومَبنى أَمرهنَّ على السَّتْرِ.
ويَأثمُ المُولِّي لها؛ لحَديثِ: «لا يُفلحُ اللهُ قَومًا ولوا أَمرَهم امرَأةً».
فإذا حكَمَتْ بينَ خَصمينِ، فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ يَنفذُ، وإذا حكَمَتْ في حَدٍّ أو قَودٍ، فرُفعَ إلى قاضٍ آخرَ يَرى جَوازَه فأَمضاه فليسَ لغيرِه إِبطالُه.
قالَ الإِمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: «والكَلامُ فيما لو وُليتْ وأثِمَ المُقلدُ بذلك أو حكَّمَها خَصمانِ فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ أكانَ يَنفذُ أم لا؟ لمْ يَنتهضِ الدَّليلُ على نَفيه بعدَ مَوافقتِه ما أنزَلَ اللهُ، إلا أنْ يَثبتَ شَرعًا سَلبُ أَهليتِها، وليسَ في الشَّرعِ سِوى نُقصانِ عَقلِها، ومَعلومٌ أنَّه لمْ يَصلْ إلى حَدِّ سَلبِ وِلايتِها بالكُليةِ ألَا تَرى أنَّها تَصلحُ شاهِدةً وناظِرةً في الأَوقافِ ووَصيةً على اليَتامى، وذلك النُّقصانُ بالنِّسبةِ والإِضافةِ، ثُم هو مَنسوبٌ إلى الجِنسِ فجازَ في الفَردِ خِلافُه، ألا تَرى إلى تَصريحِهم بصِدقِ قَولِنا: «الرَّجلُ خَيرٌ مِنْ المَرأةِ» معَ جَوازِ كَونِ بعضِ أَفرادِ النِّساءِ خَيرٌ مِنْ بَعضِ أَفرادِ الرِّجالِ، ولذلك النَّقصِ الغَريزيِّ نسَبَ ﷺ لمَن يُوليهنَّ عَدمَ الفَلاحِ، فكانَ الحَديثُ مُتعرِّضًا لمُولِّينَّ ولهن بنَقصِ الحالِ، وهذا حَقٌّ، لكنَّ الكلامَ فيما لو وُليَتْ فقَضَتْ بالحَقِّ لماذا يَبطلُ ذلك الحَقُّ» (١).
(١) «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٩٨)، وينظر: «بدائع الصنائع» (٧/ ٣)، و «الهداية» (٣/ ١٠٧)، و «الاختيار» (٢/ ١٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٠٩)، و «اللباب» (٢/ ٤٨٥)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٢٣٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٤٤١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوليةُ المَرأةِ القَضاءَ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
قَولُه تَعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٣] يَعني في العَقلِ والرَّأي فلمْ يَجزْ أنْ يَقمْنَ على الرِّجالِ.
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «لنْ يُفلحَ قَومٌ وَلَّوا أَمرَهم امرَأةً» (١). وضِدُّ الفَلاحِ: الفَسادُ، فاقتَضى الخبَرُ أنَّها إذا وليَتِ القَضاءَ فسَدَ أَمرُ مَنْ ولِيَتْهم.
ولأنَّها وِلايةٌ لفَصلِ القَضاءِ والخُصومةِ فوجَبَ أنْ تُنافيَها الأُنوثةُ كالإِمامةِ الكُبرى.
ولأنَّ كلَّ مَنْ لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ حاكمًا في الحُدودِ فكذلك لا يَكونُ حاكمًا في غيرِ الحُدودِ.
ولأنَّ القاضِي يَحضرُه مَحافلُ الخُصومِ والرِّجال ويَحتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأي وتَمامِ العَقلِ والفِطنةِ، والمَرأةُ ناقصةُ العَقلِ قَليلةُ الرَّأي، ليسَتْ أَهلًا للحُضورِ في مَحافلِ الرِّجالِ ولا تُقبلُ شَهادتُها ولو كانَ معَها أَلفُ امرَأةٍ مِثلِها ما لمْ يَكنْ معَهن رَجلٌ، وقد نبَّهَ اللهُ تَعالى على ضَلالِهن ونِسيانِهن بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا تَصلحُ للإِمامةِ العُظمى ولا لتَوليةِ البُلدانِ، ولهذا لمْ يُولِّ النَّبيُّ
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٣).
ﷺ ولا أَحدٌ مِنْ خُلفائِه ولا مَنْ بعدَهم امرَأةً قَضاءً ولا وِلايةَ بَلدٍ فيما بلَغَنا، ولو جازَ ذلك لمْ يَخلُ منه جَميعُ الزَّمانِ غالبًا.
ولأنَّه لمَّا مَنعَها نَقصُ الأُنوثةِ مِنْ إِمامةِ الصَّلواتِ معَ جَوازِ إِمامةِ الفاسقِ كانَ المَنعُ مِنْ القَضاءِ الذي لا يَصحُّ مِنْ الفاسقِ أَولى؛ لأنَّ حالَ القَضاءِ آكدٌ مِنْ حالِ الإِمامةِ في الصَّلاةِ، فإذا لمْ يَجزْ أنْ تَكونَ المَرأةُ إِمامةً للرِّجالِ فلئلَّا يَجوزَ أنْ تَكونَ قاضيةً أَولى.
ولأنَّ نَقصَ الأُنوثةِ يَمنعُ مِنْ انعِقادِ الوِلاياتِ كإِمامةِ الأُمةِ (١).
وذهَبَ ابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ فيما حَكاه عنه ابنُ أَبي مَريمَ وهو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ وابنِ حَزمٍ وابنِ جَريرٍ الطَّبريِّ إلى أنَّه تَجوزُ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ مُطلقًا في الحُدودِ وغيرِها، وقيلَ: إنَّ قَولَ ابنِ القاسمِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ أنَّه يَجوزُ في غيرِ الحُدودِ. واستدَلُّوا على ذلك بقياسِ القَضاءِ على الفَتوى، فكما يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَكونَ مُفتيةً يَجوزُ لها أنْ تَكونَ قاضِيةً (٢).
قالَ الماوَرديُّ: «وشذَّ ابنُ جَريرٍ الطَّبريِّ فجوَّزَ قَضاءَها في جَميعِ الأَحكامِ، ولا اعتِبارَ بقَولٍ يَردُّه الإِجماعُ» (٣).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨، ٢٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٥٢)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٥٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٥٦)، و «البيان» (١٣/ ٢٠، ٢١)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٤٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٨)، و «المغني» (١٠/ ٩٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٧٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٥٤).
(٢) «مواهب الجليل» (٨/ ٥٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣)، و «المغني» (١٠/ ٩٢).
(٣) «الأحكام السلطانية» ص (١١٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وإذا شهد عنده من لا يعرفه، سأل عنه، فإن عدله اثنان، قبل شهادته)
أنكَرَ لم يُسْتَحْلَفا؛ لأنَّ إحْلافَهما يُطَرِّقُ عليهما الدَّعاوَى فى الشَّهادةِ والامْتهان، ورُبَّما مَنَعَ ذلك إقامَةَ الشَّهادةِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ، فَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ)
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.