الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الشرط السادس: العدالة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةمُتعذِّرٌ في عَصرِنا لخُلوِّ العَصرِ عن المُجتهدِ المُستقلِّ، فالوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ ولَّاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ، وإنْ كانَ جاهلًا أو فاسقًا كيلا تَتعطلَ مَصالحُ الناسِ»، وقالَ ابنُ الصَّلاحِ في «مُشكل الوَسيطِ»: «ما ذكَرَه يُوجهُ به إِجماعُ الأُمةِ على تَنفيذِ أَحكامِ الخُلفاءِ الظَّلمةِ وأَحكامِ مَنْ وَلُّوا، غيرَ أنَّه يُوردَ عليه ما إذا وَلى السُّلطانُ قاضيًا كافرًا فإنَّه لا تَنفذُ أَحكامُه معَ وُجودِ الضَّرورةِ». اه.
على أنَّ ابنَ يُونسَ في شَرحِ الوَجيزِ قالَ: «الظاهرُ أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ في ذي الشَّوكةِ، قالَ: وقد ظهَرَ في بعضِ البِلادِ الشَّوكةُ للكُفارِ، فلو قلَّدَ الكافرُ ذو الشَّوكةِ مُسلمًا القَضاءَ فهل يَصحُّ أم لا؟ معَ أنَّ الظاهرَ أنَّه لا سَبيلَ إلى تَعطيلِ الأَحكامِ». اه.
وقالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: «الظاهرُ نُفوذُه» (١).
الشَّرطُ السادسُ: العَدالةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ عَدلًا فلا يَصحُّ تَوليةُ الفاسقِ، أم إنَّ العَدالةَ شَرطُ كَمالٍ وليسَتْ شَرطَ صِحةٍ فيَصح تَوليةُ الفاسقِ ويَنفذُ حُكمُه إذا لمْ يَتجاوزْ فيها حدَّ الشَّرعِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في القاضِي العَدالةُ، والعَدالةُ: أنْ يَكونَ صادقَ اللَّهجةِ، ظاهرَ الأَمانةِ، عَفيفًا عن المَحارمِ، مُتوقِّيًا المَأثمَ، بَعيدًا مِنْ الرِّيبِ، مَأمونًا في الرِّضا والغَضبِ،
(١) «فتاوى الرملي» (١/ ٥٩٥).
مُستعمِلًا لمُروءةِ مثلِه في دينِه ودُنياه، فإذا تكامَلَتْ فيه فهي العَدالةُ التي تَجوزُ بها شَهادتُه، وتَصحُّ معَها وِلايتُه، وإنِ انخرَمَ منها وَصفٌ مُنعَ مِنْ الشَّهادةِ والوِلايةِ فلم يُسمعْ له قَولٌ ولمْ يَنفذْ له حُكمٌ.
وعلى هذا فلا يَجوزُ تَوليةُ الفاسقِ، وإذا تَولى وهو عَدلٌ ثُم فسَقَ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فمنَعَ اللهُ تَعالى مِنْ قَبولِ قَولِه، فكانَ أَولى أنْ يُمنعَ مِنْ نُفوذِ قَولِه.
ولأنَّ اللهَ تَعالى لمَّا جعَلَ العَدالةَ شَرطًا في الشَّهادةِ كانَ أَولى أنْ تَكونَ شَرطًا في القَضاءِ.
ولأنَّ اللهَ تَعالى شرَطَ العَدالةَ في أَقلِّ الحُكوماتِ فقالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
ولأنَّ القَضاءَ يَتضمنُ الوِلايةَ في التَّزويجِ والنَّظرِ في أَموالِ السُّفهاءِ واليَتامى والوُقوفِ، والفِسقُ يُنافي هذه الوِلاياتِ، فلمْ يَنعقدْ معَه القَضاءُ (١).
إلا إنَّهم اختلَفُوا هل يَنفذُ حُكمُه إذا وافَقَ الحَقَّ أم لا؟
فقالَ القاضِي عياضٌ: «وفي الفاسقِ خِلافٌ بينَ أَصحابِنا هل يُردُّ ما
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٥٢)، و «المختصر الفقهي» (١٣/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٥٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الأحكام السلطانية ص» (٧٣)، و «البيان» (١٣/ ٢٠)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٤٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٨)، و «المغني» (١٠/ ٩٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٥٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٥٤).
حكَمَ فيه وإنْ وافَقَ الحَقَّ وهو الصَّحيحُ، أو يَمضي إذا وافَقَ الحَقَّ ووَجهَ الحُكمِ» (١).
لكنْ عكَسَ هذا القَولَ الإِمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه فقالَ: «والصَّحيحُ نُفوذُ حُكمِ الفاسقِ إذا وافَقَ الحَقَّ، وقيلَ يُردُّ» (٢).
ومَذهبُ الشافِعيةِ كما قالَ الماوَرديُّ وغيرُه إنَّه لا يَنفذُ حُكمُه ولا يَصحُّ تَقليدُه (٣).
لكنْ قالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: «قالَ في الوَسيطِ لكنَّ اجتِماعَ هذه الشُّروطِ مُتعذِّرٌ في عَصرِنا لخُلوِّ العَصرِ عن المُجتهدِ المُستقلِّ، فالوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ ولَّاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ وإنْ كانَ جاهلًا أو فاسقًا؛ لئلَّا تَتعطلَ مَصالحُ الناسِ، ويُؤيِّدُه أنَّا نُنفذُ قَضاءَ قاضِي البُغاةِ لمثلِ هذه الضَّرورةِ، وهذا حَسنٌ» (٤).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العَدالةَ ليسَتْ بشَرطٍ لجَوازِ تَقليدِ القَضاءِ، لكنَّها شَرطُ الكَمالِ؛ لأنَّ السَّلفَ أجازوا حُكمَ مَنْ تغلَّبَ مِنْ الأُمراءِ وجارَ، ولولا صِحتُه لما فعَلُوا ذلك، فيَجوزُ تَقليدُ الفاسقِ وتَنفذُ قَضاياه إذا لمْ يُجاوزْ فيها حَدَّ الشَّرعِ؛ لأنَّه مِنْ أَهلِ الشَّهادِة فيَكونُ مِنْ أَهلِ القَضاءِ.
لكنْ لا يَنبغي أنْ يُقلدَ الفاسقَ، ويَأثمُ مُقلِّدُه؛ لأنَّ القَضاءَ أَمانةٌ عَظيمةٌ،
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٢١).
(٢) «الذخيرة» (١٠/ ١٩).
(٣) «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الأحكام السلطانية» ص (٧٣).
(٤) «روضة الطالبين» (٧/ ٢٣٦).
وهي أَمانةُ الأَموالِ والأَبضاعِ والنُّفوسِ فلا يَقومُ بوَفائِها إلا مَنْ كمُلَ وَرعُه وتمَّت تَقواه، إلا أنَّه معَ هذا لو قُلدَ جازَ التَّقليدُ في نَفسِه وصارَ قاضيًا؛ لأنَّ الفَسادَ لمَعنى في غيرِه فلا يَمنعُ جَوازَ تَقليدِه القَضاءَ في نَفسِه.
ولو قُلدَ وهو عَدلٌ ثم فسَقَ يَستحقُّ العَزل ولكنْ لا يَنعزلُ به، وبه أخَذَ عامةُ المَشايخِ، ويَجبُ على السُّلطانِ أنْ يَعزلَه ولو شرَطَ السُّلطانُ أنَّه متى فسَقَ يَنعزلُ انعزَلَ (١).
وجاءَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: «(والفاسقُ أَهلُها فيَكونُ أَهلُه لكنَّه لا يُقلَّدُ) وجوبًا ويَأثمُ مُقلِّدُه كقابلِ شَهادتِه به يُفتَى، وقيَّدَه في القاعديةِ بما إذا غلَبَ على ظَنِّه صِدقَه فليَحفظْ دُررٌ.
واستَثنى الثانِي الفاسقَ ذا الجاهِ والمُروءةِ فإنَّه يَجبُ قَبولُ شَهادتِه بَزَّزايَّةٌ.
قالَ في النهرِ: وعليه فلا يَأثمُ أيضًا بتَوليتِه القَضاءَ؛ حيثُ كانَ كذلك إلا أنْ يُفرقَ بينهما» انتهى.
قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: «قَولُه: (والفاسقُ أهلُها) سيَأتي بَيانُ الفِسقِ والعَدالةِ في الشَّهاداتِ، وأفصَحَ بهذه الجُملةِ دفعًا لتوهُّمِ مَنْ قالَ: «إنَّ الفاسقَ ليسَ بأهلٍ للقضاءِ، فلا يَصحُّ قَضاؤُه؛ لأنَّه لا يُؤمنُ عليه لفِسقِه» وهو قَولُ الثَّلاثةِ، واختارَه الطَّحاويُّ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣٠٧)، و «الدر المختار» (٥/ ٣٥٦).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه، إلا أن يتراضيا
ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ.
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ)
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.