الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الشرط السابع: أن يكون مجتهدا عالما بالأحكام الشرعية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةقالَ العَينيُّ: «ويَنبغي أنْ يُفتى به خُصوصًا في هذا الزَّمانِ» اه.
أَقولُ لو اعتُبِرَ هذا لانسَدَّ بابُ القَضاءِ خُصوصًا في زَمانِنا، فلذا كانَ ما جَرى عليه المُصنِّفُ هو الأَصحُّ كما في الخُلاصةِ، وهو أَصحُّ الأَقاويلِ كما في العِماديةِ نَهرٌ.
وفي الفَتحِ: «والوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ وَلاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ وإنْ كانَ جاهلًا فاسقًا، وهو ظاهرُ المَذهبِ عندَنا، وحينَئذٍ فيَحكمُ بفَتوى غيرِه» اه.
قَولُه: (لكنَّه لا يُقلَّدُ وُجوبًا إلخ) قالَ في البَحرِ: «وفي غيرِ مَوضعٍ ذكَرَ الأَولويةَ يَعني الأَولى ألَّا تُقبلَ شَهادتُه، وإنْ قُبلَ جازَ».
وفي الفَتحِ: «ومُقتضى الدَّليلِ ألَّا يَحلَّ أنْ يَقضيَ بها، فإنْ قَضى جازَ ونفَذَ» اه ومُقتضاه الإثمُ» (١).
الشَّرطُ السابعُ: أنْ يكونَ مُجتهدًا عالمًا بالأَحكامِ الشَّرعيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مُجتهدًا وعالمًا بالحَلالِ والحَرامِ وسائرِ الأَحكامِ أم يَجوزُ تَوليةُ غيرِ العالمِ والمُجتهدِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ لكنْ يُستحبُّ؛ لأنَّ الحادثةَ إذا وقَعَتْ يَجبُ طَلبُها مِنْ الكِتابِ ثُم مِنْ السُّنةِ ثُم مِنْ الإِجماعِ، فإنْ لمْ يُوجدْ في شَيءٍ مِنْ ذلك استُعملَ الرَّأيُ والاجتِهادُ.
وهو أنْ يَكونَ عارفًا بالسُّنةِ والأَحاديثِ، ويَعرفَ ناسخَها ومَنسوخَها وعامَّها وخاصَّها، وما أجمَعَ عليه المُسلِمونَ مِنْ ذلك.
(١) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦).
والاجتِهادُ شَرطٌ للأَولويةِ لا شَرطُ الصِّحةِ؛ لمَا رُويَ عن عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: بعَثَني رَسولُ اللهِ ﷺ إلى اليَمنِ قاضيًا، فقلْتُ: يا رَسولَ اللهِ تُرسلُنى وأنا حَديثُ السِّنِّ ولا عِلمَ لي بالقَضاءِ، فقالَ: «إنَّ اللهَ سيَهدِي قَلبَكَ ويُثبتُ لِسانَكَ، فإذا جلَسَ بينَ يَديكَ الخَصمانِ فلا تَقضينَّ حتى تَسمعَ مِنْ الآخرِ كما سَمِعتَ مِنْ الأَولِ، فإنَّه أَحرى أنْ يَتبينَ لكَ القَضاءُ»، قالَ: «فما زلْتُ قاضيًا أو ما شكَكْتُ في قضاءٍ بعدُ» (١).
ولأنَّ المَقصودَ هو القَضاءُ، وهو إِيصالُ الحَقِّ إلى مُستحِقِّه، وهو يَحصلُ بالرُّجوعِ إلى فَتوى غيرِه مِنْ العُلماءِ.
لكنْ معَ هذا لا يَنبغي أنْ يُقلدَ الجاهلُ بالأَحكامِ؛ لأنَّ الجاهلَ بنَفسِه ما يُفسدُ أَكثرُ مما يُصلحُ، بل يَقضي بالباطلِ مِنْ حيثُ لا يَشعرُ به، إلا أنَّه لو قُلدَ جازَ؛ لأنَّه يَقدرُ على القَضاءِ بالحَقِّ بعِلمِ غيرِه بالاستفتاءِ مِنْ الفُقهاءِ، فكانَ تَقليدُه جائزًا في نَفسِه فاسدًا لمَعنًى في غيرِه، والفاسدُ لمَعنًى في غيرِه يَصلحُ للحُكمِ مثلُ الجائزِ حتى يَنفذَ قَضاياه التي لمْ يُجاوزْ فِيهَا حدَّ الشَّرعِ، وهو كالبَيعِ الفاسدِ فإنَّه مثلُ الجائزِ في حَقِّ الحُكمِ، كذا هذا (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ عالمًا بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والاختِلافِ والقِياسِ ولِسانِ العَربِ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أحمد (٦٣٦)، وأبو داود (٣٥٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٠٦٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣٠٧).
قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] والدَّليلُ فيها مِنْ وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّه منَعَ مِنْ المُساواةِ فكانَ على عُمومِه في الحُكمِ وغيرِه.
والثانِي: أنَّه قالَه زَجرًا فصارَ أَمرًا.
وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] والتَّقليدُ ليسَ مما أنزَلَه اللهُ.
وقَولُه تَعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والمُقلِّدُ لا يَعرفُ بتَقليدِه الحَقَّ مِنْ الباطلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وذلك يَتضمنُ الاجتِهادَ.
وقالَ تَعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
وعن بُريدةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «القُضاةُ ثَلاثةٌ: قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجَنةِ، رَجلٌ قَضى بغيرِ الحَقِّ فعلِمَ ذاك فذاك في النارِ، وقاضٍ لا يَعلمُ فأهلَكَ حُقوقَ الناسِ فهو في النارِ، وقاضٍ قَضى بالحَقِّ فذلك في الجَنةِ» (١). والعاميُّ يَقضي على جَهلٍ.
وعن عَمرِو بنِ العاصِ أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إذا حكَمَ الحاكمُ فاجتهَدَ ثُم أصابَ فله أَجرانِ وإذا حكَمَ فاجتهَدَ ثُم أخطَأَ فله أَجرٌ» (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩١٩)، ومسلم (١٧١٦).
وكلُّ هذا يَقتضي أنْ يَكونَ مِنْ صِفاتِ الحاكمِ أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ.
ولأنَّ التَّقليدَ ليسَ بطَريقٍ إلى العِلمِ، وإنما يَجوزُ للعاميِّ للضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ إلى تَقليدِ الحاكمِ ليُقلدَ غيرَه.
ولأنَّ الحُكمَ آكدُ مِنْ الفُتيا؛ لأنَّ المُفتيَ لا يَلزمُ المُستفتيَ ما يُفتيه به، فإنْ لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ المُفتي عاميًّا فلئلَّا يَجوزَ أنْ يَكونَ القاضِي عاميًّا أَولى.
فإنْ قيلَ: فالمُفتي يَجوزُ أنْ يُخبِرَ بما سمِعَ.
قلْنا: نعم، إلا أنَّه لا يَكونُ مُفتيًا في تلك الحالِ، وإنما هو مُخبِرٌ فيَحتاجُ أنْ يُخبِرَ عن رَجلٍ بعَينِه مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فيَكونُ مَعمولًا بخبَرِه لا بفُتياه، ويُخالفُ قَولَ مَعرفتِه المَقولينَ؛ لأنَّ ذلك لا يُمكنُ الحاكمُ مَعرفتَه بنَفسِه بخِلافِ الحُكمِ (١).
وقالَ القَرافِيُّ: «الحاكمُ إنْ كانَ مُجتهدًا فلا يَجوزُ له أنْ يَحكمُ ويُفتيَ إلا بالراجحِ عندَه، وإنْ كانَ مُقلِّدًا جازَ له أنْ يَحكمَ بالمَشهورِ مِنْ مَذهبِه
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٧، ١٥) «التاج والإكليل» (٥/ ٥٢)، و «المختصر الفقهي» (١٣/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٥٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣)، و «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٦٠) «البيان» (١٣/ ١٩، ٢٠)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٤٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٩)، و «المغني» (١٠/ ٩٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٧٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٥٥).
وأنْ يُفتيَ به وإنْ لمْ يَكنْ راجحًا عندَه مُقلِّدًا في رُجحانِ القَولِ المَحكومِ به إِمامَه الذي يُقلِّدُه في الفُتيا، وأمَّا اتباعُ الهَوى في الحُكمِ والفُتيا فحَرامٌ إِجماعًا».
وقالَ ابنُ شاسٍ: «ولا تَصحُّ تَوليةُ مُقلِّدٍ في مَوضعٍ يُوجدُ فيه عالمٌ، فإنْ تقلَّدَ فهو جائرٌ مُتعَدٍّ؛ لأنَّه قعَدَ في مَقعدِ غيرِه ولبِسَ خِلعةً سِواه مِنْ غيرِ استِحقاقٍ».
قالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ: «ولا يَنبغي أنْ يُولَّى في زَمانِنا هذا مِنْ المُقلِّدينَ مَنْ ليسَ له قُدرةٌ على التَّرجيحِ بينَ الأَقوالِ فإنَّ ذلك غيرُ مَعدومٍ وإنْ كانَ قَليلًا، وأمَّا رُتبةِ الاجتِهادِ فإنَّها في المَغربِ مَعدومةٌ».
قالَ المازِريُّ: «في اشتِراطِ كَونش القاضِي ناظرًا هذه المَسائلَ تكلَّمَ عنها العُلماءُ الماضونَ لمَّا كانَ العِلمُ في أَعصارِهم كَثيرًا مُنتشرًا، وشُغلَ أَكثرُ أَهلِها بالاستِنباطِ والمُناظرةِ على المَذاهبِ، وأمَّا عَصرُنا هذا فإنَّه لا يُوجدُ في الإِقليمِ الواسعِ العَظيمِ مُفتٍ نَظارٌ قد حصَّلَ آلةَ الاجتِهادِ، واستَبحَرَ في أُصولِ الفِقهِ، ومَعرفةِ اللِّسانِ، والسُّننِ، والاطِّلاعِ على ما في القُرآنِ مِنْ الأَحكامِ، والاقتِدارَ على تَأويلِ ما يَجبُ تَأويلُه وبِناءِ ما تعارَضَ بعضُه على بَعضٍ، وتَرجيحِ ظاهرٍ على ظاهرٍ، ومَعرفةِ الأَقيسةِ وحُدودِها وأَنواعِها وطُرقِ استِخراجِها، وتَرجيحِ العِللِ والأَقيسةِ بعضِها على بعضٍ، هذا الأمرُ زَمانُنا عارٍ منه في أَقاليمِ المَغربِ كلِّه فَضلًا عمن يَكونُ قاضيًا على هذه الصِّفةِ، فالمَنعُ مِنْ وِلايةِ المُقلِّدِ القَضاءَ في هذا الزَّمانِ تَعطيلٌ للأَحكامِ وإِيقاعٌ في
الهَرجِ والفِتنِ والنِّزاعِ، وهذا لا سَبيلَ إليه في الشَّرعِ، ولكن تَختلفُ أَحوالُ المُقلِّدينَ، فربما وَلى وُلاةُ الأَمرِ عاميًّا لغِناه عما في أَيدي الناسِ وتحلِّيه باسمِ العَدالةِ وسَمتِ الوَقارِ، ولكنَّه ليسَ معَه مِنْ التَّخصيصِ ومُجالسةِ العُلماءِ ومُطالبةِ ما يُخرجُه عن أَهلِ الغَباوةِ والجَهلِ ويُلحقُه بطَبقةِ مَنْ يَفهمُ ما تَقولُ الخُصومُ بينَ يَديه، فهذا لا يَنبغي أنْ يُولى قَضاءً ولا يُوثقَ به فيه». انتهى. وكانَتْ وَفاةُ المازِريِّ سنةَ ستٍّ وثَلاثينَ وخَمسمائةٍ رحمة الله عليه تَعالى.
وحَكى ابنُ راشدٍ عن بعضِهم أنَّه أجازَ تَوليةَ الجاهلِ ورَأى كَونَه عالمًا مُستحبًّا لا شرطًا في الصِّحةِ ولا مُوجبًا للعَزلِ، وهو قَولٌ شاذٌّ بَعيدٌ عن الصَّوابِ، والقاضِي أَحوجُ الناسِ إلى العِلمِ.
قالَ ابنُ راشدٍ: «ولا يُقالُ إنَّه يَستشيرُ أَهلَ العِلمِ ويَحكمُ بما يُجمعونَ عليه؛ لأنَّا نَقولُ هو مَأمورٌ بأنْ يَستشيرَ وإنْ كانَ فَقيهًا، فإذا اختلَفُوا عليه اجتهَدَ في اختلافِهم، وتَوخى أَحسنَ أَقاويلِهم، فإذا كانَ جاهلًا التبَسَ الأَمرُ عليه ولمْ يَعلمْ بماذا يَأخذْ، وربما ولِيَ الجاهلُ بَلدًا لا فُقهاءَ فيه فيَحكمُ بهَواه كما هو الغالبُ على بِلادِنا وزَمانِنا، فقد ذهَبَ العِلمُ وكثُرَ الجَهلُ وقُدمَت الجُهالُ واطرِحَت العُلماءُ، فإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: «واتفَقُوا على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتولى القَضاءَ مَنْ ليسَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ إلا أَبا حَنيفةَ فإنَّه قالَ: يَجوزُ ذلك، وإذا ماتَ الإِمامُ أو نائبُه يَنعزلُ وِلايته في المَشهورِ.
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٢١).
قلْتُ: والصَّحيحُ في هذه المَسألةِ أنَّ قَولَ مَنْ قالَ: لا يَجوزُ تَوليةُ قاضٍ حتى يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فإنَّه إنما عنِيَ بذلك ما كانَت الحالُ عليه قبلَ استِقرارِ ما استقَرَّ مِنْ هذه المَذاهبِ الأَربعةِ التي أجمَعَتِ الأُمةُ عليه، على أنَّ كلَّ واحدٍ منها يَجوزُ العَملُ به لأنَّه مُستنِدٌ إلى أَمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ وإلى سُنتِه. فالقاضِي في هذا الوَقتِ وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، وإنْ لمْ يَكنْ قد سَعى في طَلبِ الحَديثِ وإِتقانِ طُرقِه، وعرَفَ مِنْ لُغةِ الناطقِ بالشَّريعةِ ما لا يَعوزُه ما يَحتاجُ إليه فيه، وغيرِ ذلك مِنْ شُروطِ الاجتِهادِ، فإنَّ ذلك مما قد فرَغَ له منه غيرُه ودأَبَ له فيه، وانتهى الأَمرُ مِنْ هؤلاءِ الأَئمةِ المُجتهدينَ إلى ما أَرى جَوابَه مِنْ بعدِهم، وانحَصرَ الحَقُّ في أَقاويلِهم، وتدوَّنَتِ العُلومُ، وانتهَتْ إلى ما اتضَحَ فيه الحَقُّ، فإذًا على القاضِي في أَقضيتِه بما يَأخذُه عنهم أو عن الواحدِ منهم، فإنَّه في مَعنى مَنْ كانَ أَداه اجتِهادُه إلى قَولٍ قالَه، وعلى ذلك فإنَّه إذا أخرجَ مِنْ خِلافِهم مُتوخِّيًا مَواطنَ الإِتقانِ ما أمكَنَه كانَ أخَذَ بالجَزمِ عاملًا بالأَولى. وكذلك إذا قصَدَ في مَواطنِ الخِلافِ تَوخِّيَ ما عليه الأَكثرُ منهم والعَملَ بما قالَه الجُمهورُ دونَ الواحدِ، فإنَّه قد أخَذَ بالجَزمِ، والأَحسنِ والأَقوى مع سواءِ أنْ يَعملَ بقَولِ الواحدِ إلا أنِّي أَكرُه له أنْ يَكونَ ذلك، مِنْ حيثُ إنَّه قرَأَ مَذهبَ واحدٍ منهم أو نشَأَ في بَلدةٍ لم يُعرفْ فيها إلا مَذهبٌ واحدٌ منهم، أو كانَ شَيخُه أو مُعلِّمُه على مَذهبِ فَقيهٍ مِنْ الفُقهاءِ خاصةً فقصَرَ نَفسَه على اتِّباعِ ذلك المَذهبِ، حتى أنَّه إذا حضَرَ عندَه خَصمانِ فكانَ ما تشاجَرَا فيه مما يَعني الفُقهاءُ الثَّلاثُ فيه بحُكمٍ بحَدِّ التَّوكيلِ بغير رِضى الخَصمِ،
وكانَ الحاكمُ حَنيفًا وقد علِمَ أنَّ مالِكًا وأَحمدَ والشافِعيَّ اتفَقُوا على جَوازِ هذا التَّوكيلِ.
إلا أَبا حَنيفةَ لمْ يُجزْ هذه الوِكالةِ فعدَلَ عما أجمَعَ عليه هؤلاءِ الثَّلاثةُ إلى ما ذهَبَ إليه أَبو حَنيفةَ بمُجردِ أنَّه قالَ فَقيهٌ في الجُملةِ مِنْ فُقهاءِ الاتِّباعِ له مِنْ غيرِ أنْ يَثبتْ عندَه بالدَّليلِ ولا أَداة الاجتِهادُ، إلا أنَّ ما قالَه أَبو حنيفةَ أَولى مما اتفَقَ عليه الجَماعةُ، فإنِّي أَخافُ على هذا أنْ يَكونَ مَتبوعًا مِنْ اللهِ ﷾، فإنَّه اتبَعَ في ذلك هَواه، وألَّا يَكونَ ممَّن لا يَستمعونَ القَولَ فيَتبعونَ أَحسنَه. وكذلك إنْ كانَ القاضِي على مَذهبِ مالِكٍ فاختصَمَ إليه في سُؤرِ الكَلبِ معَ كَونِه يَعلمُ أنَّ الفُقهاءَ كلَّهم قَضوا بنَجاستِه فعدَلَ إلى مَذهبِه، وكذلك إنْ كانَ القاضِي على مَذهبِ الشافِعي فتنازَعَ إليه خَصمانِ في تَركِ التَّسميةِ عمدًا. فقالَ أحدُهما: إنَّ هذا مَنعني مِنْ بَيعِ مُذكاةٍ وأفسَدَها عليَّ، وقالَ الآخرُ: إنما منعْتُه مِنْ بَيعِ المَيتةِ فقَضي عليه بمَذهبِه وقد علِمَ أنَّ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ على خِلافِه، وكذلك لو كانَ القاضِي على مَذهبِ الإِمامِ أَحمدَ فاختصَمَ إليه خَصمانِ. فقالَ أَحدُهما: عليَّ مالٌ، وقالَ الآخرُ: قد كانَ له عليَّ وقضيتُه فقَضى عليه بالبَراءةِ مِنْ إِقرارِه، وقد علِمَ أنَّ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ على خِلافِه، فإنَّ هذا وأَمثالُه مما يُوحي اتِّباعُ الأَكثرِ فيه أَقربُ عِندي الخَلاصُ وأَرجحُ في العَملِ ويَقتضي هذا، فإنَّ وِلاياتِ الأَحكامِ في وَقتِنا هذا وِلايةٌ صَحيحةٌ، وإنَّهم قد سَدُّوا ثَغرًا مِنْ ثُغورِ الإِسلامِ سَدةَ فُروضِ كِفايةٍ. وقد أهمَلْنا هذا القَولَ ولمْ نَذكرْه ومشَيْنا على طَريقِ التَّغافلِ التي يَمشي مَنْ يَمشي فيها مِنْ الفُقهاءِ الذين يُذكرُ كلٌّ منهم في كِتابِ أَبي حَنيفةَ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،
القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.