الشرط الثامن: أن يكون سميعا بصيرا ناطقا

الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الشرط الثامن: أن يكون سميعا بصيرا ناطقا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الشرط الثامن: أن يكون سميعا بصيرا ناطقا - الأقوال والأدلة

أو كَلامِ إنْ قالَ إنَّه لا يَصحُّ أنْ يَكونَ أَصلًا قاضيًا حتى يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، ثُم يَذكرُ مِنْ شُروطِ الاجتِهادِ أَشياءَ ليسَتْ مَوجودةً في الحُكامِ فإنَّ ذلك كالأَصالةِ وكالتَّناقصِ فكأنَّه تَعطيلُ الأَحكامِ وسدٌّ لبابِ الحُكمِ وألَّا يَنفذَ حَقٌّ ولا يُكاتبُ به ولا تُقامُ البَينةُ عليه إلى غيرِ ذلك مِنْ هذه القَواعدِ الشَّرعيةِ، فكانَ هذا غيرُ صَحيحٍ، وبانَ أنَّ الصَّحيحَ أنَّ الحُكامَ اليَومَ حُكوماتُهم صَحيحةٌ نافذةٌ ووِلايتُهم جائزةٌ شَرعًا (١).

الشَّرطُ الثامنُ: أنْ يَكونَ سَميعًا بَصيرًا ناطقًا:

اتفَقَ العُلماءُ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ سَليمَ الحَواسِ، سَميعًا، بَصيرًا، ناطقًا؛ لأنَّ فَقدَ هذه الحَواسِ يَمنعُ مِنْ استيفاءِ الحُكمِ بينَ الخَصمينِ.

قالَ القاضِي عِياضٌ: «اشتِراطُ السَّمعِ والكَلامِ لمْ يَختلفْ فيها العُلماءُ ابتداءً؛ لأنَّه يَتعذرُ عليهما الفَهمُ غالبًا، واختَلفَ العُلماءُ إذا طرَأَتْ هاتانِ الآفَتانِ -يَعني فَقدَ السَّمعِ والكَلامِ- بعدَ العَقدِ، هل يَبطلُ به العَقدْ ويُعزلُ أم لا؟ ويَبعدُ تَأتي القَضاءِ معَ اجتماعِ هاتينِ الآفَتينِ وقلَّما يُوجدُ أَبكمُ إلا وهو أَصمُّ» (٢).

(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٩٥، ٣٩٩)، و «جواهر العقود» (٢/ ٢٨٩).
(٢) «تبصرة الحكام» (١/ ٢٣)، وينظر: «بدائع الصنائع» (٧/ ٣)، و «المختصر الفقهي» (١٣/ ٢٤٦)، و «البيان» (١٣/ ٢١)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٤٤، ١٤٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٨٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٧٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٧٥، ٤٧٦).

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «وأمَّا كَمالُ الخِلقةِ فأنْ يَكونَ مُتكلِّمًا سَميعًا بَصيرًا؛ لأنَّ الأَخرسَ لا يُمكنُه النُّطقُ بالحُكمِ ولا يَفهمُ جَميعَ الناسِ إِشارتَه، والأَصمُّ لا يَسمعُ قَولَ الخَصمينِ، والأَعمى لا يَعرفُ المُدَّعِيَ مِنْ المُدَّعَى عليه والمُقِرَّ له مِنْ المُقَرِّ والشاهدَ مِنْ المَشهودِ له، وقالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ يَجوزُ أنْ يَكونَ أَعمى؛ لأنَّ شُعيبًا كانَ أَعمى، ولهم في الأَخرسِ الذي تُفهمُ إِشارتُه وَجهانِ:

ولنا: أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤثِّرُ في الشَّهادةِ فيَمنعُ فَقدُها وِلايةَ القَضاءِ كالسَّمعِ؛ وهذا لأنَّ مَنصبَ الشَّهادةِ دونَ مَنصبِ القَضاءِ، والشاهدُ يَشهدُ في أَشياءَ يَسيرةٍ يَحتاجُ إليها فيها، وربما أحاطَ بحَقيقةِ عِلمِها، والقاضِي وِلايتُه عامَّةٌ ويَحكمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً، فإذا لمْ يُقبلْ منه الشَّهادةُ فالقَضاءُ أَولى، وما ذكَرُوه عن شُعيبٍ فلا نُسلمُ فيه فإنَّه لمْ يَثبتْ أنَّه كانَ أَعمى، ولو ثبَتَ فيه ذلك فلا يَلزمُ ها هنا، فإنَّ شُعيبًا عليه السلام كانَ مَنْ آمنَ معَه مِنْ الناسِ قَليلًا، وربما لا يَحتاجونَ إلى حَكمٍ بينهم لقِلتِهم وتَناصفِهم فلا يَكونُ حُجةً في مَسألتِنا» (١).

وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: «وأمَّا كَمالُ الخِلقةِ فتُعتبَرُ سَلامتُه فيها في ثَلاثةِ أَوصافٍ:

أَحدُها: صِحةُ بَصرِه، فلا يَكونُ أَعمى.

والثانِي: صِحةُ سَمعِه، فلا يَكونُ أَصمَّ.

والثالثُ: سَلامةُ لِسانِه، فلا يَكونُ أَخرسَ.

(١) «المغني» (١٠/ ٩٢، ٩٣).

فأمَّا الأَعمى: فلا يَجوزُ تَقليدُه، ولو عمِيَ بعدَ التَّقليدِ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه لا يُفرقُ بينَ الطالبِ والمَطلوبِ. وجوَّزَ مالِكٌ تَقليدَ الأَعمى، كما جوَّزَ شَهادتَه. فإنْ كانَ في عَينِه عَشًا يُبصرُ نَهارًا ولا يُبصرُ لَيلًا جازَ تَقليدُه. وإنْ كانَ في بَصرِه ضَعفٌ فإنْ كانَ يَرى الأَشباحَ ولا يَعرفُ الصُّورَ لمْ يَجزْ تَقليدُه. وإنْ كانَ يَعرفُ الصُّورَ إذا قرُبَتْ ولا يَعرفُها إذا بعُدَتْ جازَ تَقليدُه. وأمَّا الأَصمُّ: فلا يَجوزُ تَقليدُه، وإنْ طرَأَ عليه صَممٌ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه لا يُفرقُ بالصَّممِ بينَ إِقرارٍ وإِنكارٍ. والصَّممُ المانعُ مِنْ ذلك هو ألَّا يَفهمَ الأَصواتَ وإنْ علَتْ. فأمَّا ثِقلُ السَّمعِ الذي يَفهمُ عاليَ الأَصواتِ ولا يَفهمُ خافتَها فتَقليدُه جائزٌ وإنْ كانَ تَقليدُ السَّميعِ أَولى منه. وأمَّا الأَخرسُ فلا يَجوزُ تَقليدُه، وإنْ طرَأَ عليه الخَرسُ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه يَعجزُ بخَرسِه عن إِنفاذِ الأَحكامِ وإِلزامِ الحُقوقِ. وجوَّزَ أَبو العَباسِ بنُ سُريجٍ وِلايتُه إذا كانَ مَفهومَ الإِشارةِ، كما جوَّزَ شَهادتَه. وهو عندَ جُمهورِ أَصحابِنا مَمنوعٌ مِنْ الأَمرينِ. فأمَّا إنْ كانَ بلِسانِه تَمتمةٌ أو فَأفأةٌ أو عَقلةٌ أو رَدةٌ أو عُقدةٌ لا تَمنعُ مِنْ فَهمِ الكَلامِ صحَّ تَقليدُه؛ لأنَّه نَقصٌ لا يَمنعُ مِنْ فَهمِ الكَلامِ، وإن غمُضَ فإنَّ نَبيَّ اللهِ مُوسى لمْ تَمنعْ عُقدةُ لِسانِه مِنْ صِحةِ رِسالتِه. فأمَّا صِحةُ أَعضائِه فغيرُ مُعتبَرَةٍ في وِلايتِه، فيَجوزُ تَقليدُه وإنْ كانَ مُقعدًا أو ذا زَمانةٍ، وإنْ كانَتِ السَّلامةُ مِنْ الآفاتِ أَهيبَ لذوي الوِلاياتِ» (١).

وما حُكيَ عن الإِمامِ مالكٍ أنَّه جوَّزَ تَوليةَ الأَعمى فغيرُ صَحيحٍ.

(١) «الحاوي الكبير» (١٦/ ١٥٥).

قالَ ابنُ عَرفةَ: «قَالَ الباجيُّ: «لا خِلافَ في مَنعِ وِلايةِ الأَعمى».

ابنُ زَرقونَ: «رَوى الماوَرديُّ جَوازَه».

عِياضٌ: «لا يَصحُّ هذا عن مالِكٍ».

وذكَرَ المُتيطيُّ رِوايةَ الماوَرديِّ ولمْ يَتعقبْها، وزادَ: «وحَكى أَبو عُبيدٍ مِنْ رِوايةِ ابنِ أَبي مَريمَ عن مالِكٍ: مَنعَ شَهادتِه».

قُلتُ: «وللمازِريُّ ما نَصُّه: «ذُكرَ عن مُحمدٍ أنَّه قالَ: لا يَنبغي أنْ يُولى القَضاءَ أَعمى ولا مَحدودٌ في قَذفٍ ولا عَبدٌ يَسعى في قيمتِه، ولا مُكاتبٌ، وقالَ: ألا تَرى أنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ أَحدٍ مِنْ هؤلاءِ، فالحُكمُ أَعظمُ مِنْ الشَّهادةِ» (١).

وقالَ الإِمامُ الدِّرديرُ رحمة الله عليه: «ويَجبُ أنْ يَكونَ الحاكمُ ذا بَصرٍ وكَلامٍ وسَمعٍ، فلا يَجوزُ تَوليةُ الأَعمى أو الأَبكمِ أو الأَصمِّ، (و) إنْ وقَعَ (نفَذَ حُكمُ أَعمى وأَبكمَّ وأَصمَّ) الواو بمَعنى: أو، أيْ: لا يُنقضُ؛ لأنَّ عَدمَ هذه الأِمورِ ليسَ شَرطًا في صِحةِ وِلايتِه ابتداءً ولا في صِحةِ دَوامِها، بل هو واجبٌ غيرُ شَرطٍ في الابتداءِ والدوام ولذا قالَ: (ووجَبَ عَزلُه) ولو طرَأَ عليه شيءٌ مما ذُكرَ، فاستُفيدَ منه أَمرانِ: عَدمُ جَوازِ وِلايتِه ابتداءً ودوامًا، وصِحةُ حُكمِه بعدَ الوُقوعِ» (٢).

(١) «المختصر الفقهي» (١٣/ ٢٤٨).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٥٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.

١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 347 - 350

ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده