الإسلام > القضاء والشهادة > أركان القضاء وشروطه > الركن الثاني: المقضي به
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثانِي: الَمقضيُّ به:
نصَّ عامةُ العُلماءِ على اختِلافٍ في عباراتِهم على أنَّ القاضِي إذا حضرَتْه قَضيةٌ فإنَّه يَقضي بما في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَنبغي أنْ يَعرفَ ما في كِتابِ اللهِ تَعالى مِنْ الناسخِ والمَنسوخِ، ويَنبغي أنْ يَعرفَ مِنْ الناسخِ ما هو مُحكَمٌ وما هو مُتشابِهٌ في تَأويلِه اختلافٌ كالأَقراءِ.
قالَ الحَنفيةُ: فإنْ لمْ يَجدْ في كِتابِ اللهِ تَعالى يَقضي بما جاءَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، ويَنبغي أنْ يَعرفَ الناسخَ والمَنسوخَ مِنْ الأَخبارِ، فإنِ اختَلفتِ الأَخبارُ يَأخذُ بما هو الأَشبهُ ويَميلُ اجتِهادُه إليه، ويَجبُ أنْ يَعلمَ المُتواترَ والمَشهورَ وما كانَ مِنْ أَخبارِ الآحادِ، ويَجبُ أنْ يَعلمَ مَراتبَ الرُّواةِ، فإنَّ منهم مَنْ عُرفَ بالفِقهِ والعَدالةِ كالخُلفاءِ الراشدينَ والعَبادلةِ وغيرِهم، ومنهم مَنْ عُرفَ بطُولِ الصُّحبةِ وحُسنِ الضَّبطِ، والأَخذِ برِوايةِ مَنْ عُرفَ بالفِقهِ أَولى مِنْ الأَخذِ برِوايةِ مَنْ لمْ يُعرفْ بالفِقهِ، وكذلك الأَخذُ برِوايةِ مَنْ عُرفَ بطُولِ الصُّحبةِ أَولى مِنْ الأَخذِ برِوايةِ مَنْ لمْ يُعرفْ بطُولِ الصُّحبةِ.
وإنْ كانَتْ حادثةً لم يَردُ فيها سُنةُ رَسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام يَقضي فيها بما اجتمَعَ عليه الصَّحابةُ رضي الله عنهم؛ لأنَّ العَملَ بإِجماعِ الصَّحابةِ واجبٌ، فإنْ كانَتِ الصَّحابةُ فيها مُختلِفينَ يَجتهدُ في ذلك، ويُرجِّحُ قَولَ بعضِهم على بعضٍ باجتِهادِه إذا كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، وليسَ له أنْ يُخالفَهم جَميعًا باختِراعِ قَولٍ ثالثٍ؛ لأنَّهم معَ اختِلافِهم اتفَقُوا على أنَّ ما عدا القَولينِ باطلٌ.
وكانَ الخَصافُ رحمة الله عليه تَعالى يَقولُ له ذلك لأنَّ اختِلافَهم يَدلُّ على أنَّ للاجتِهادِ فيه مَجالًا والصَّحيحُ الأَولُ.
وإنِ اجتَمعَت الصَّحابةُ على حُكمٍ وخالَفَهم واحدٌ مِنْ التابِعينَ إنْ كانَ المُخالفُ ممَّن لمْ يُدركْ عَهدَ الصَّحابةِ لا يُعتبَرُ خِلافُه حتى لو قَضى القاضِي بقَولِه بخِلافِ إِجماعِ الصَّحابةِ كانَ باطلًا، وإنْ كانَ ممَّن أدرَكَ عَهدَ الصَّحابةِ وزاحَمَهم في الفَتوى وسوَّغوا له الاجتِهادَ كشُريحٍ والشِّعبيِّ لا يَنعقدُ الإِجماعُ لمُخالفتِه، وإنْ جاءَ عن بعضِ التابِعينَ ولمْ يُنقلْ عن غيرِهم فيه شيءٌ، فعن أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه تَعالى رِوايتانِ في رِوايةٍ قالَ: لا أُقلدُهم، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وفي رِوايةِ النَّوادرِ قالَ: مَنْ كانَ منهم أَفتى في زَمنِ الصَّحابةِ وسوَّغُوا له الاجتِهادَ مِثلَ شُريحٍ ومَسروقِ بنِ الأَجدعِ والحَسنِ فأنا أُقلدُهم.
فإنْ كانَ شيءٌ لمْ يَأتِ فيه مِنْ الصَّحابةِ قَولٍ وكانَ فيه إِجماعُ التابِعينَ قَضى به، وإنْ كانَ فيه اختلافٌ بينهم رجَّحَ قَولَ بعضِهم وقَضى به.
وإنْ لمْ يَجئْ شَيءٌ مِنْ ذلك فإنْ كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ قاسَه على ما يُشبهُه مِنْ الأَحكامِ واجتهَدَ فيه برأَيه فيه وتَحرى الصَّوابَ، ثُم يَقضي به برَأيه، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ يَستفتي في ذلك فيَأخذُ بفَتوى المُفتي ولا يَقضي بغيرِ عِلمٍ ولا يَستحي مِنْ السُّؤالِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: المَقضيُّ به وهو الحُكمُ مِنْ كِتابِ اللهِ تَعالى، فإنْ لمْ يَجدْ فبسُنةِ نَبيِّه مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ﷺ التي صاحَبَها العَملُ، فإذا
(١) «معين الحكام» ص (٢٦)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٣١١، ٣١٢).
كانَ خَبرًا صحِبَتْ غيرَه الأعمالُ قَضى بما صحِبَتْه الأَعمالُ، وهذا مَعلومٌ مِنْ أَصلِ مالكٍ رحمة الله عليه؛ إذ العَملُ مُقدَّمٌ على خبَرِ الآحادِ، وكذلك القياسُ عندَه مُقدَّمٌ على أَخبارِ الآحادِ على ما ذهَبَ إليه أَبو بَكرٍ الأَبهريُّ.
فإنْ لمْ يَجدْ في السُّنةِ شَيئًا نظَرَ في أَقوالِ الصَّحابةِ فقَضى بما اتفَقُوا عليه، فإنِ اختلَفُوا قَضى بما صحِبَتْه الأَعمالُ مِنْ ذلك، فإنْ لم يَصحَّ عندَه أيضًا أنَّ العَملَ اتصَلَ بقَولِ بعضِهم تخيَّرَ مِنْ أَقوالِهم ولا يُخالفُهم جَميعًا، وقد قيلَ له أنْ يَجتهدَ وإنْ خالَفَهم جَميعًا، وكذلك الحُكمُ في إِجماعِ التَّابعينَ بعدَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، وفي كلِّ إِجماعٍ يَنعقدُ في كلِّ عَصرٍ مِنْ الأَعصارِ إلى يَومِ القيامةِ؛ لقَولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] ولقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «لنْ تَجتمعَ أُمتي على ضَلالةٍ» ولقَولِه عليه الصلاة والسلام: «يَدُ اللهِ معَ الجَماعةِ» فإذا ضمِنَ اللهُ تَعالى حِفظَ الجَماعةِ لمْ يَجزْ عليهم الغَلطُ والسَّهو.
فإنْ لمْ يَجدْ في النازلةِ إِجماعًا قَضى بما يُؤدي إليه النَّظرُ والاجتِهادُ في القياسِ على الأُصولِ بعدَ مَشورةِ أَهلِ العِلمِ، فإنِ اجتمَعُوا على شيءٍ أخَذَ به، وإن اختلَفُوا نظَرَ إلى أَحسنِ أَقوالِهم عندَه، وإنْ رَأى خِلافَ رَأيهم قَضى بما رَأى إذا كانَ نَظيرًا لهم، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ نُظرائِهم فليسَ له ذلك.
قالَ ابنُ حَبيبٍ: «وهو قَولٌ فيه اعتِراضٌ، والصَّحيحُ أنَّه إذا كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فله أنْ يَقضيَ بما رَأى وإنْ كانوا أَعلمَ منه؛ لأنَّ التَّقليدَ لا يَصحُّ
للمُجتهدِ فيما يَرى خِلافَه بإِجماعٍ، وإنما يَصحُّ له التَّقليدُ ما لمْ يَتبينْ له في النازلةِ حُكمٌ، وهذا على مَذهبِ مَنْ يَرى التَّقليدَ ويَقولُ به».
واختلَفُوا هل للمُجتهدِ أنْ يَتركَ النَّظرَ والاجتِهادَ ويُقلِّدَ مَنْ قد نظَرَ واجتهَدَ أم لا، والمُجتهِدُ مَنْ يَعرفُ مِنْ القُرآنِ والسُّنةِ ما يَتعلقُ به الأَحكامُ، وخاصَّه وعامَّه، ومُجملَه ومُبيَّنَه، وناسخَه ومَنسوخَه، ومُتواتِرَ السُّنةِ وغيرَه، والمُتصِلَ والمُرسَلَ، وحالَ الرُّواةِ قُوةً وضَعفًا، ولِسانَ العَربِ لُغةً ونَحوًا، وأَقوالَ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهم إِجماعًا واختِلافًا، والقياسَ بأَنواعِه- على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
أَحدُهما: أنَّ ذلك له.
والثانِي: أنَّ ذلك ليسَ له.
والثالثُ: أنَّ ذلك ليسَ له إلا أنْ يَخافَ فَواتَ النازلةِ.
وأمَّا إنْ لمْ يَكنِ القاضِي مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ ففَرضُه المَشورةُ والتَّقليدُ، فإنِ اختَلفَ العُلماءُ قَضى بقَولِ أَعلمِهم، وقيلَ بقَولِ أَكثرِهم على ما وقَعَ في المُدوَّنةِ في الحِكايةِ عن الفُقهاءِ السَّبعةِ، والأَولُ أَصحُّ، وقيلَ إنَّ له أنْ يَحكمَ بقَولِ مَنْ شاءَ منهم إذا تَحرى الصَّوابَ بذلك ولمْ يَقصدِ الهَوى، وله أنْ يَكتفيَ بمَشورةٍ واحدةٍ مِنْ العُلماءِ، فإنْ فعَلَ ذلك فالاختِيارُ أنْ يُشاورَ أَعلمَهم، فإنْ شاوَرَ مَنْ دونَه في العِلمِ وأخَذَ بقَولِه فذلك جائزٌ إذا كانَ مِنْ أَهلِ النَّظرِ والاجتِهادِ.
قالَ ابنُ فَرحونَ: «وقد تقدَّمَ مِنْ كَلامِ القاضِي أَبي بَكرٍ أنَّ المُقلِّدَ يَقضي بفَتوى مُقلِّدِه في عَينِ النازلةِ، فإنْ قاسَ على قَولِه فهو مُتعَدٍّ، وقالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيُّ: أخبَرَني القاضِي أَبو الوَليدِ الباجيُّ: أنَّ الوَلاةُ كانوا بقُرطبةَ إذا وَلوا رَجلًا القَضاءَ شَرطوا عليه في سِجلِّه ألَّا يَخرجَ عن قَولِ ابنِ القاسمِ ما وجَدَه، قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ: وهذا جَهلٌ عَظيمٌ منهم. يُريدُ: لأنَّ الحَقَّ ليسَ في شَيءٍ مُعينٍ، وإنما قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ هذا لوُجودِ المُجتهِدينَ وأَهلِ النَّظرِ في قُضاةِ ذلك الزَّمانِ، فتكلَّمَ على أَهلِ زَمانِه، وكانَ مُعاصِرًا للإِمامِ أَبي عُمرَ بنِ عَبدِ البَرِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ الباجيِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ بنِ رُشدٍ والقاضِي أَبي بَكرِ بنِ العَربيِّ والقاضِي أَبي مُحمدِ بنِ عَطيةَ صاحبِ التَّفسيرِ وغيرِ هؤلاء مِنْ نُظرائِهم، وقد عُدمَ هذا النَّمطُ في زَمانِنا مِنْ المَشرقِ والمَغربِ، وهذا الذي ذكَرَه الباجيُّ عن وُلاةِ قُرطبةَ ورَدَ نَحوُه عن سحنونٍ، وذلك أنَّه وَلى رَجلًا القَضاءَ وكانَ الرَّجلُ ممن سمِعَ بَعضَ كَلامِ أَهلِ العِراقِ فشرَطَ عليه سحنُونٌ ألَّا يَقضيَ إلا بقَولِ أَهلِ المَدينةِ ولا يَتعدى ذلك، قالَ ابنُ راشدٍ: وهذا يُؤيدُ ما ذكَرَه الباجيُّ، ويُؤيدُ ما قالَه الشَّيخُ أَبو بَكرٍ، فكيفَ يَقولُ ذلك والمالِكيةُ إذا تحاكَمُوا إليه فإنما يَأتونَه ليَحكمَ بينهم بمَذهبِ مالكٍ، وقد تقدَّمَ في فَصلِ التَّحكيمِ عن اللَّخميِّ أنَّ الحُكمَ إذا كانَ مُجتهدًا والخِصامُ بينَ مَالكيَّينِ فإنْ لم يَخرجْ باجتِهادِه عن مَذهبِ مالكٍ نفَذَ حُكمُه، وإنْ خرَجَ عن ذلك لمْ يَلزمْ حُكمُه بينهما، فانظرْ تَمامَ ذلك هناك، وذكَرَ المازِريُّ نحوَ ذلك» (١).
(١) «تبصرة الحكام» (١/ ٥١، ٥٢).
ارجع إلى أركان القضاء وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.