الإقرار بالنسب

الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الرابع الصيغة > الإقرار بالنسب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الإقرار بالنسب - الأقوال والأدلة

الإِقرارُ بالنَّسبِ:

اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَصحُّ إِلحاقُ النَّسَبِ وإِقرارُ الوَرثةِ بوارِثٍ يُشارِكُهم في المِيراثِ بشُروطٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُصدِّقَه الشَّرعُ: بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فإنْ كانَ مَشهورَ النَّسبِ لا يَصِحُّ.

الثاني: أنْ يُصدِّقَه الحِسُّ: بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به مُحتمَلَ الثُّبوتِ مِنْ نَسبِ المُقِرِّ، بأنْ يَكونَ مِمَّنْ يُولَدُ مِثلُ المُقَرِّ به لمِثلِ المُقِرِّ، وذلك في سَنٍّ تَسمَحُ بأنْ يَكونَ ابنًا للمُقِرِّ، فإنِ استُلحِقَ مَنْ هو أكبَرُ منه أو مَنْ في سِنِّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحِسَّ يُكذِّبُه.

الثالِثُ: أنْ يُصدِّقَه المُقَرُّ له في إِقرارِه إنْ كانَ أهلًا للتَّصديقِ، بأنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا عندَ الجُمهورِ، ومُمَيِّزًا عندَ الحَنفيةِ.

الرابِعُ: ألا يَكونَ فيه حَملُ النَّسَبِ على الغَيرِ: فإذا ادَّعَتِ المَرأةُ نَسبَ وَلدٍ لا تُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ عندَ الجُمهورِ -كما سَيأتي بَيانُه- وكذا الأخُ، سَواءٌ كذَّبَه المُقَرُّ له أو صدَّقَه؛ لأنَّ إِقرارَ الإِنسانِ حُجةٌ قاصِرةٌ على نَفسِه، لا على غَيرِه؛ لأنَّه على غَيرِه شَهادةٌ أو دَعوى، وشَهادةُ الفَردِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غيرُ مَقبولةٍ، والدَّعوى المُفرَدةُ ليسَت بحُجةٍ، فإذا ثبَتَ جَرَت عليه جَميعُ أَحكامِ البُنوةِ النَّسَبيةِ، ومنها التَّوارُثُ بينَهما (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٢٨، ٢٢٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٤٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٠٨، ١٠٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٣٢)، و «البيان» (١٣/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «المغني» (٥/ ١١٦، ١١٧).

وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك الإمامُ ابنُ المُنذِرِ؛ حيثَ قالَ: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ: «هذا الطِّفلُ ابني»، وليسَ للطِّفلِ نَسَبٌ مَعروفٌ يُنسَبُ إليه، فنَسَبُه يَثبُتُ بإِقرارِه.

وأجمَعوا على أنَّه لو أنَّ رَجلًا بالِغًا مِنْ الرِّجالِ قالَ: هذا أبي، وأقَرَّ له البالِغُ ولا نَسبَ للمُقِرِّ مَعروفٌ أنَّه ابنُه إذا جازَ لمِثلِه مِثلُه (١).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ في شُروطِ الإِقرارِ بالنَّسَبِ: لا يَخلو إمَّا أنْ يُقِرَّ على نَفسِه خاصةً أو عليه وعلى غَيرِه، فإنْ أقَرَّ على نَفسِه مِثلَ أنْ يُقِرَّ بوَلَدٍ، اعتُبِرَ في ثُبوتِ نَسبِه أربَعةُ شُروطٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فإنْ كانَ مَعروفَ النَّسَبِ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقطَعُ نَسبَه الثابِتَ مِنْ غَيرِه، وقد لَعَنَ النَّبيُّ مَنْ انتَسبَ إلى غيرِ أبيه أو تَولَّى غيرَ مَواليه.

الثاني: ألَّا يُنازِعَه فيه مُنازِعٌ؛ لأنَّه إذا نازَعَه فيه غَيرُه تَعارَضا فلم يَكنْ إِلحاقُه بأحَدِهما أوْلَى مِنْ الآخَرِ.

الثالِثُ: أنْ يُمكِنَ صِدقُه بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به يُحتمَلُ أنْ يُولَدَ لمِثلِه.

الرابِعُ: أنْ يَكونَ مِمَّنْ لا قَولَ له كالصَّغيرِ والمَجنونِ، أو يُصدِّقَ المُقِرَّ إنْ كانَ ذا قَولٍ، وهو المُكلَّفُ، فإنْ كانَ غيرَ مُكلَّفٍ لم يُعتبَرْ تَصديقُه، فإنْ كبِرَ وعقَلَ فأنكَرَ لم يُسمَعْ إِنكارُه؛ لأنَّ نَسبَه ثابِتٌ وجَرى ذلك مَجرى مَنْ ادَّعَى مِلكَ عَبدٍ صَغيرٍ في يَدِه وثَبَتَ بذلك مِلكُه، فلمَّا كَبِرَ جَحَدَ

(١) «الإجماع» (٣٢٤، ٣٢٥).

ذلك، ولو طلَبَ إِحلافَه على ذلك لم يُستَحلَفْ لأنَّ الأبَ لو عادَ فجحَدَ النَّسبَ لم يُقبَلْ منه.

وإنِ اعتَرفَ إِنسانٌ بأنَّ هذا أبوه فهو كاعتِرافِه بأنَّه ابنُه.

فأمَّا إنْ كانَ إِقرارًا عليه وعلى غَيرِه كإِقرارٍ بأخٍ اعتُبِرَ فيه الشُّروطُ الأربَعةُ وشَرطٌ خامِسٌ، وهو كَونُ المُقِرِّ جَميعَ الوَرَثةِ، فإنْ كانَ المُقِرُّ زَوجًا أو زَوجةً لا وارِثَ معهما لم يَثبُتِ النَّسبُ بإِقرارِهما لأنَّ المُقِرَّ لا يَرِثُ المالَ كُلَّه، وإنِ اعتَرفَ به الإمامُ معَه ثبَتَ النَّسبُ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُسلِمينَ في مُشارَكةِ الوارِثِ وأخذِ الباقي.

وإنْ كانَ الوارِثُ بِنتًا أو أُختًا أو أُمًّا أو ذا فَرضٍ يَرِثُ جَميعَ المالِ بالفَرضِ والرَّدِّ، ثبَتَ النَّسَبُ بقَولِه، كالابنِ؛ لأنَّه يَرِثُ المالَ كُلَّه، وعِندَ الشافِعيِّ لا يَثبُتُ بقَولِه النَّسبُ؛ لأنَّه لا يَرى الرَّدَّ ويَجعَلُ الباقيَ لبَيتِ المالِ.

فَصلٌ: وإنْ كانَ أحَدُ الوارِثينَ غيرَ مُكلَّفٍ كالصَّبيِّ والمَجنونِ فأقَرَّ المُكلَّفُ بأخٍ ثالِثٍ لم يَثبُتِ النَّسبُ بإِقرارِه؛ لأنَّه لا يَحوزُ الميراثَ كُلَّه، فإنْ بلَغَ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ فأقَرَّا به أيضًا ثبَتَ نَسبُه لاتِّفاقِ جَميعِ الوَرثةِ عليه، وإنْ أنكَرَ لم يَثبُتِ النَّسَبُ وإنْ ماتا قبلَ أنْ يَصيرا مُكلَّفينِ ثبَتَ نَسبُ المُقَرِّ به لأنَّه وجَدَ الإِقرارَ مِنْ جَميعِ الوَرثةِ، فإنَّ المُقِرَّ به صارَ جَميعَ الوَرَثةِ، ولو كانَ الوارِثانِ بالِغَينِ عاقِلَينِ فأقَرَّ به أحَدُهما وأنكَرَ الآخَرُ ثم ماتَ المُنكِرُ وورِثَه المُقِرُّ ثبَتَ نَسبُ المُقَرِّ به؛ لأنَّ المُقَرَّ به صارَ جَميعَ الوَرثةِ، فأشبَهَ ما لو أقَرَّ به ابتِداءً بعدَ مَوتِ أخيه، وكما لو كانَ شَريكُه في الميراثِ غيرَ مُكلَّفٍ.

وفيه وَجهٌ آخَرُ: أنَّه لا يَثبُتُ النَّسبُ؛ لأنَّه أنكَرَه بعضُ الوَرثةِ فلم يَثبُتْ نَسبُه كما لو لم يَمُتْ بخِلافِ ما إذا كانَ شَريكُه غيرَ مُكلَّفٍ فإنَّه لم يُنكِرْه وارِثٌ، وهذا إذا كانَ المُقِرُّ يَحوزُ جَميعَ المِيراثِ بعدَ المَيِّتِ، فإنْ كانَ للمَيِّتِ وارِثٌ سِواه أو مَنْ يُشارِكُه في المِيراثِ لم يَثبُتِ النَّسبُ بقَولِ الباقي منهما وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه ليسَ كُلَّ الوَرثةِ، ويَقومُ الوارِثُ المَيتُ الثانِي مَقامَه، فإذا وافَقَ المُقِرُّ في إِقرارِه ثبَتَ النَّسبُ، وإنْ خالَفَه لم يَثبُتْ كالمَوروثِ.

وإنْ خلَّفَ وَلدَينِ فأقَرَّ أحَدُهما بأخٍ وأنكَرَه الآخَرُ ثم ماتَ المُنكِرُ وخلَّفَ ابنًا فأقَرَّ الذي أنكَرَه أبوه ثبَتَ نَسَبُه لإِقرارِ جَميعِ الوَرثةِ به، ويُحتمَلُ ألَّا يَثبُتَ لإِنكارِ المَيتِ لَه (١).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الإِقرارُ بالنَّسَبِ فهو الإِقرارُ بالوارِثِ.

وهو نَوعانِ: أحَدُهما إِقرارُ الرَّجُلِ بوارِثٍ، والثانِي: إِقرارُ الوارِثِ بوارِثِه ويَتعلَّقُ بكُلِّ واحِدٍ منهما حُكمانِ: حُكمُ النَّسبِ وحُكمُ المِيراثِ، أمَّا الإِقرارُ بوارِثٍ فلصِحَّتِه في حَقِّ ثَباتِ النَّسبِ شَرائطُ:

منها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مُحتمَلَ الثُّبوتِ؛ لأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ عن كائِنٍ، فإذا استَحالَ كَونُه فالإِخبارُ عن كائِنٍ يَكونُ كَذِبًا مَحضًا.

وبَيانُه أنَّه مَنْ أقَرَّ بغُلامٍ أنَّه ابنُه ومِثلُه لا يَلِدُ مِثلَه لا يَصحُّ إِقرارُه لأنَّه يَستَحيلُ أنْ يَكونَ ابنًا له، فكانَ كَذبًا في إِقرارِه بيَقينٍ.

(١) «المغني» (٥/ ١١٦، ١١٧).

ومنها: ألَّا يَكونَ المُقِرُّ بنَسَبِه مَعروفَ النَّسبِ مِنْ غَيرِه، فإنْ كانَ لم يَصحَّ لأنَّه إذا ثبَتَ نَسبُه مِنْ غَيرِه لا يَحتمِلُ ثُبوتَه له بعدَه.

ومنها: تَصديقُ المُقِرِّ بنَسَبِه إذا كانَ في يَدِ نَفسِه لأنَّ إِقرارَه يَتضمَّنُ إِبطالَ يَدِه فلا تَبطُلُ إلا برِضاه.

ولا يُشتَرطُ صِحةُ المُقِرِّ لصِحةِ إِقرارِه بالنَّسَبِ حتى يَصِحَّ مِنْ الصَّحيحِ والمَريضِ جَميعًا؛ لأنَّ المَرضَ ليسَ بمانِعٍ لعَينِه، بل لتَعلُّقِ حَقِّ الغَيرِ أو التُّهمةِ، فكلُّ ذلك مُنعدِمٌ، أمَّا التَّعلُّقُ فظاهِرُ العَدَمِ لأنَّه لا يُعرَفُ التَّعلُّقُ في مَجهولِ النَّسبِ.

وكذلك مَعنى التُّهمةِ؛ لأنَّ الإرثَ ليسَ مِنْ لَوازمِ النَّسبِ، فإنَّ لحِرمانِ الإرثِ أَسبابًا لا تَقدَحُ في النَّسَبِ مِنْ القَتلِ والرِّقِّ واختِلافِ الدِّينِ والدارِ واللَّهُ أعلَمُ.

ومنها: أنْ يَكونَ فيه حَملُ النَّسبِ على الغَيرِ، سَواءُ كذَّبَه المُقَرُّ بنَسبِه أو صدَّقَه؛ لأنَّ إِقرارَ الإِنسانِ حُجةٌ على نَفسِه، لا على غَيرِه؛ لأنَّه على غَيرِه شَهادةٌ أو دَعوى، والدَّعوى المُفرَدةُ ليسَت بحُجةٍ، وشَهادةُ الفَردِ فيما يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ وهو مِنْ بابِ حُقوقِ العِبادِ غيرُ مَقبولةٍ، والإِقرارُ الذي فيه حَملُ نَسبِ الغَيرِ على غَيرِه إِقرارٌ على غَيرِه لا على نَفسِه، فكانَ دَعوى أو شَهادةً، وكلُّ ذلك لا يُقبَلُ إلا بحُجةٍ.

وعلى هذا يَجوزُ إِقرارُ الرَّجُلِ بخَمسةِ نَفَرٍ: الوالِدَينِ والوَلَدِ والزَّوجةِ والمَولى، ويَجوزُ إِقرارُ المَرأةِ بأربَعةِ نَفَرٍ: الوالِدَينِ والزَّوجِ والمَولى.

ولا يَجوزُ بالوَلَدِ؛ لأنَّه ليسَ في الإِقرارِ بهؤلاء حَملُ نَسبِ الغَيرِ على غَيرِه (١).

وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ: الإِقرارُ بالنَّسَبِ جائِزٌ ويَثبُتُ النَّسبُ به. وذهَبَ بعضُ الناسِ إلى: أنَّ النَّسَبَ لا يَثبُتُ بالإِقرارِ.

دَليلُنا: ما رُويَ: أنَّ سَعدَ بنَ أبي وَقاصٍ وعَبدَ بنَ زَمعةَ اختَصَما في ابنِ أمَةِ زَمعةَ، فقالَ عَبدُ بنُ زَمعةَ: أخي وابنُ وَليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فقالَ النَّبيُّ : «الوَلدُ للفِراشٍ، وللعاهِرِ الحَجَرُ» (٢). فقَضى به النَّبيُّ لعَبدٍ بالإِقرارِ.

إذا ثبَتَ هذا: فلا يَخلو المُقِرُّ مِنْ أن يُقِرَّ بالنَّسبِ على نَفسِه، أو على غَيرِه.

فإنْ أقَرَّ على نَفسِه؛ بأنِ ادَّعَى بُنوةَ غَيرِه، فإنْ كانَ المُقَرُّ به صَغيرًا أو مَجنونًا لم يَثبُتْ نَسبُه إلا بثَلاثةِ شُروطٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فأمَّا إذا كانَ مَعروفَ النَّسَبِ مِنْ رَجلٍ لم يُحكَمْ بصِحةِ إقرارِ المُقِرِّ؛ لأنَّ في ذلك إِبطالَ نَسبِه الثابِتِ.

الشَّرطُ الثانِي: إذا كانَ لا يُنازِعُ المُقِرَّ فيه أحَدٌ، فأمَّا إذا كانَ هُناكَ غَيرُه يَدَّعي بُنوَّتَه حالَ الدَّعوى لم يُحكَمْ بثُبوتِ نَسَبِه مِنْ أحَدِهما إلا بالإِقرارِ؛ لأنَّه ليسَ أحَدُهما بأوْلَى مِنْ الآخَرِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١٤٥٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 285 - 290

ارجع إلى الركن الرابع: الصيغة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله