الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الرابع: الصيغة
مسائلُ فقهيةٌ في الركن الرابع: الصيغة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةالرُّكنُ الرابِعُ: الصِّيغةُ:
يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ أنْ يَأتِيَ المُقِرَّ بصيغةٍ تَدلُّ على الإِقرارِ ولا تَكفي نيَّتُه لهذا.
قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: إنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأَلفاظَ بينَ عِبادِه تَعريفًا ودِلالةً على ما في نُفوسِهم، فإذا أرادَ أحَدُهم مِنْ الآخَرِ شَيئًا عرَّفَه بمُرادِه وما في نَفسِه بلَفظِه ورتَّبَ على تِلكَ الإِراداتِ والمَقاصِدِ أَحكامَها بواسِطةِ الأَلفاظِ، ولم يُرتِّبْ تلك الأَحكامَ على مُجرَّدِ ما في النُّفوسِ مِنْ غيرِ دِلالةِ فِعلٍ أو قَولٍ ولا على مُجرَّدِ أَلفاظٍ مع العِلمِ بأنَّ المُتَكلِّمَ بها لم يُرِدْ مَعانيَها ولم يُحِطْ بها عِلمًا، بل تَجاوَزَ للأُمةِ عمَّا حدَّثَت به أنفُسَها ما لم تَعمَلْ به أو تَكلَّمْ به، وتَجاوَزَ لها عمَّا تَكلَّمَت به مُخطِئةً أو ناسيةً أو مُكرَهةً أو غيرَ عالِمةٍ به إذا لم تَكنْ مُريدةً لمَعنى ما تَكلَّمَت به أو قاصِدةً إليه، فإذا اجتَمعَ القَصدُ والدِّلالةُ القَوليةُ أو الفِعليةُ تَرتَّبَ الحُكمُ، هذه قاعِدةُ الشَّريعةِ، وهي مِنْ مُقتضَياتِ عَدلِ اللهِ وحِكمَتِه ورَحمَتِه، فإنَّ خَواطِرَ القُلوبِ وإِرادةَ النُّفوسِ لا تَدخُلُ تَحتَ الاختِيارِ، فلو تَرتَّبَت عليها الأَحكامُ لَكانَ في ذلك أعظَمُ حَرجٍ ومَشقةٍ على الأمةِ، ورَحمةُ اللهِ تَعالى وحِكمَتُه تَأبى ذلك، والغَلطُ والنِّسيانُ والسَّهوُ وسَبقُ اللِّسانِ بما لا يُريدُه العَبدُ بل يُريدُ خِلافَه والتَّكلُّمَ به مُكرَهًا وغيرَ عارِفٍ لمُقتَضاه مِنْ لَوازِمِ البَشريةِ لا يَكادُ يَنفَكُّ الإِنسانُ مِنْ شَيءٍ منه، فلو رُتِّبَ عليه الحُكمُ لَتحرَّجَت الأمةُ وأصابَها غايةُ التَّعَبِ والمَشَقةِ فرفَعَ عنها المُؤاخَذةَ بذلك كُلِّه، حتى الخَطأُ في اللَّفظِ مِنْ
شِدةِ الفَرحِ والغَضبِ والسُّكرِ، كما تَقدَّمَت شَواهِدُه، وكذلك الخَطَأُ والنِّسيانُ والإِكراهُ والجَهلُ بالمَعنى، وسَبقُ اللِّسانِ بما لم يُرِدْه والتَّكلُّمُ في الإِغلاقِ ولَغوُ اليَمينِ فهذه عَشرةُ أَشياءَ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ بها عَبدَه بالتَّكلُّمِ في حالٍ منها لعَدمِ قَصدِه وعَقدِ قَلبِه الذي يُؤاخِذُه به (١).
وهذا عامٌّ في جَميعِ ما يَحتاجُ إلى لَفظٍ، وليسَ خاصًّا بالإِقرارِ.
وصيغةُ الإِقرارِ نَوعانِ: صَريحٌ ودِلالةٌ، فالصَّريحُ نَحوُ أن يَقولَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ»؛ لأنَّ كَلِمةَ «علَيَّ» كلِمةُ إِيجابٍ لُغةً وشَرعًا، قالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكذا إذا قالَ لرَجُلٍ: «لي عليك ألفُ دِرهَمٍ»، فقالَ الرَّجلُ: «نَعَم»؛ لأنَّ كَلِمةَ «نَعَم» خرَجَت جَوابًا لكَلامِه، وجَوابُ الكَلامِ إِعادةٌ له لُغةً كأنَّه قالَ: «لك علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ».
وكذلك إذا قالَ: «لفُلانٍ في ذِمَّتي ألفُ دِرهَمٍ»؛ لأنَّ ما في الذِّمةِ هو الدَّينُ، فيَكونُ إِقرارًا بالدَّينِ.
وهذه الأمثِلةُ وما شابَهها كُلُّ ما تُؤدِّي صَريحةً أو دِلالةً إلى الإِقرارِ يُؤاخَذُ به المُقِرُّ.
ويَصِحُّ الإِقرارُ مِنْ الأخرَسِ إذا فُهمَت إِشارَتُه وكذا بالكِتابةِ (٢).
(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٠٥، ١٠٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٠٧، ٢٠٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٢٨، ٢٢٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٩١، ٩٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٣٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧١٧).
ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع الأبواب.