الضرب الثاني: أن يقر بشيء ويستثني من غير جنسه غير الدراهم والدنانير

الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الرابع الصيغة > الضرب الثاني: أن يقر بشيء ويستثني من غير جنسه غير الدراهم والدنانير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: أن يقر بشيء ويستثني من غير جنسه غير الدراهم والدنانير - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الحَنابِلةُ في رِوايةٍ والإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ وزُفَرُ إلى أنَّه لا يَجوزُ (١).

الضَّربُ الثانِي: أنْ يُقِرَّ بشَيءٍ ويَستثنيَ من غيرِ جِنسِه غيرَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ بشَيءٍ مَثلًا: «له علَيَّ ألفُ دينارٍ إلا ثَوبًا أو إلا مَكيلًا أو مَوزونًا» هل يَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ أنْ يَكونَ المُستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِ المُستَثنى منه مُطلَقًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فاستَثناه وليسَ منهم.

وقالَ تَعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)[الواقعة: ٢٥، ٢٦].

وقالَ الشاعِرُ:

وبَلدةٍ ليسَ بها أنيسُ إلا اليَعافيرُ وإلا العِيسُ

فاستَثنى اليَعافيرَ -وهي: ذُكورُ الظِّباءِ- والعيسَ -وهي: الجِمالُ البِيضُ- مِنْ الأنيسِ.

فعلى هذا إذا قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا» فإنَّه يَستَثني قيمةَ الثَّوبِ أو قيمةَ ما استَثناهُ (٢).

(١) المصادر التالية.
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٩٣، ٩٥)، رقم (٩٥٢)، و «البيان» (١٣/ ٤٥٦، ٤٥٧).

وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إذا كانَ المُستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِ المُستَثنى منه يُنظَرُ إنْ كانَ المُستَثنى مما لا يُثبِتُ دَينًا في الذِّمةِ مُطلَقًا كالثَّوبِ، لا يَصحُّ الاستِثناءُ، وعليه جَميعُ ما أقَرَّ به، بأنْ قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا ثَوبًا».

وإنْ كانَ المُستَثنى مما يُثبِتُ دَينًا في الذِّمةِ مُطلَقًا مِنْ المَكيلِ والمَوزونِ والعَدديِّ المُتقارِبِ بأنْ قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ عَشرةٌ إلا دِرهمًا أو إلا قَفيزَ حِنطةٍ، أو مِئةُ دينارٍ إلا عَشرةَ دَراهمَ أو دِينارٌ إلا مِئةَ جَوزةٍ» يَصحُّ الاستِثناءُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ويُطرَحُ مما أقَرَّ به قَدرُ قيمةِ المُستَثنى.

وعندَ مُحمدٍ وزُفرَ لا يَصحُّ الاستِثناءُ أصلًا؛ لأنَّ الاستِثناءَ استِخراجُ بعضِ ما لَولاه لدخَلَ تحتَ نَصِّ المُستَثنى منه، وذا لا يَتحقَّقُ إلا في الجِنسِ، ولهذا لو كانَ المُستَثنى ثَوبًا لم يَصحَّ الاستِثناءُ.

وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ أنَّ الداخِلَ تحتَ قَولِه: «لفُلانٍ علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ» مَوصوفةٌ بأنَّها واجِبةٌ مُطلَقًا، مُسَماةٌ بالدَّراهمِ، فإنْ لم يُمكِنْ تَحقيقُ مَعنى المُجانَسةِ في اسمِ الدَّراهمِ أمكَنَ تَحقيقُها في الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ؛ لأنَّ الحِنطةَ في احتِمالِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ مِنْ جِنسِ الدَّراهِمِ.

ألا تَرى أنَّها تَجِبُ دَينًا مَوصوفًا في الذِّمةِ حالًّا بالاستِقراضِ والاستِهلاكِ، كما تَجبُ سَلمًا وثَمنًا حالًّا كالدَّراهِمِ.

فأمَّا الثَّوبُ فلا يَحتمِلُ الوُجوبَ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، بل سَلَمًا أو ثَمنًا مُؤجَّلًا.

فأمَّا ما لا يَحتمِلُه استِقراضًا واستِهلاكًا وثَمنًا حالًّا غيرَ مُؤجَّلٍ فأمكَنَ تَحقيقُ مَعنى المُجانَسةِ بينَهما في وَصفِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، إنْ لم يَكنْ في اسمِ الدَّراهِمِ فأمكَنَ العَمَلُ بالاستِثناءِ في تَحقُّقِ مَعناه وهو البَيانُ مِنْ وَجهٍ، ولا مُجانَسةَ بَينَ الثِّيابِ والدَّراهمِ لا في الاسمِ ولا في احتِمالِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، فانعَدمَ مَعنى الاستِثناءِ أصلًا فهو الفَرقُ.

ولو أقَرَّ لإِنسانٍ بدارٍ واستَثنى بِناءَها لنَفسِه فالاستِثناءُ باطِلٌ؛ لأنَّ اسمَ الدارِ لا يَتناوَلُ البِناءَ لُغةً، بل وُضعَ دِلالةً على العَرصةِ في اللُّغةِ، وإنَّما البِناءُ فيها بمَنزِلةِ الصِّفةِ، فلم يَكنِ المُستَثنى مِنْ جِنسِ المُستَثنى منه، فلم يَصِحَّ الاستِثناءُ، وتَكونُ الدارُ مع البِناءِ للمُقَرِّ له؛ لأنَّه إنْ لم يَكنِ اسمًا عامًّا فهو يَتناوَلُ هذه الأَجزاءَ بطَريقِ التَّضمُّنِ، كمَن أقَرَّ لغَيرِه بخاتَمٍ كانَ له الحَلقةُ والفَصَّ، لا لأنَّه اسمٌ عامٌّ، بل هو اسمٌ لمُسَمًّى واحِدٍ، وهو المُركَّبُ مِنْ الحَلقةِ والفَصِّ، ولكنَّه يَتناوَلُه بطَريقِ التَّضمُّنِ.

وكذا مَنْ أقَرَّ بسَيفٍ لغَيرِه كانَ له النَّصلُ والجَفنُ والحَمائِلُ؛ لما قُلنا.

وكذا مَنْ أقَرَّ بحَجلةٍ كانَ له العِيدانُ والكِسوةُ بخِلافِ ما إذا استَثنى رُبعَ الدارِ أو ثُلثَها أو شَيئًا منها أنَّه يَصحُّ الاستِثناءُ لما بيَّنَّا أنَّ الدارَ اسمٌ للعَرصةِ، فكانَ المُستَثنى مِنْ جِنسِ المُستَثنى منه فصَحَّ.

ولو قالَ: «بِناءُ هذه الدارِ لي، والعَرصةُ لفُلانٍ» صَحَّ؛ لأنَّ اسمَ البِناءِ لا يَتناوَلُ العَرصةً؛ إذ هي اسمٌ للبُقعةِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢١٠، ٢١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٠٣).

وذهَبَ الحَنابِلةُ -ومُحمدٌ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيةِ- إلى أنَّه لا يَصحُّ الاستِثناءُ في الإِقرارِ مِنْ غيرِ الجِنسِ؛ لأنَّ الاستِثناءَ صَرفُ اللَّفظِ بحَرفِ الاستِثناءِ عمَّا كانَ يَقتَضيه لَولاه.

وقيلَ: هو إِخراجُ بَعضِ ما تَناوَلَه المُستَثنى منه، وهو مُشتَقٌّ مِنْ «ثَنَيتُ فُلانًا عن رَأيِه» إذا صَرَفتُه عن رَأيٍ كانَ عازِمًا عليه، و «ثَنَيتُ عِنانَ دابَّتي» إذا صَرَفتُها به عن وِجهَتِها التي كانَت تَذهَبُ إليها، وغَيرُ الجِنسِ المَذكورِ ليسَ بداخِلٍ في الكَلامِ، فإذا ذكَرَه فما صرَفَ الكَلامَ عن صَوبِه ولا ثَناه عن وَجهِ استِرسالِه، فلا يَكونُ استِثناءً، وإنَّما سُمِّيَ استِثناءً تَجوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقيقةِ استِدراكٌ و «إلا» ههُنا بمَعنى «لكنَّ» هكذا قالَ أهلُ العَربيةِ، منهم ابنُ قُتَيبةَ، وحَكاه عن سيبَويهِ، والاستِدراكُ لا يَأتي إلا بعدَ الجَحدِ، ولِذلك لم يَأتِ الاستِثناءُ في الكِتابِ العَزيزِ مِنْ غيرِ الجِنسِ إلا بَعدَ النَّفيِ، ولا يَأتي بعدَه الإثباتُ إلا أنْ يُوجَدَ بعدَه جُملةٌ.

وإذا تَقرَّرَ هذا فلا مَدخَلَ للِاستِدراكِ في الإِقرارِ لأنَّه إِثباتٌ للمُقَرِّ به، فإذا ذُكرَ الاستِدراكُ بعدَه كانَ باطِلًا، وإنْ ذكَرَه بَعدَ جُملةٍ كأنْ قالَ: «له عِندي مِئةُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا لي عليه»، فيَكونُ مُقِرًّا بشَيءٍ مُدَّعيًا لشَيءٍ سِواه، فيُقبَلُ إِقرارُه وتَبطُلُ دَعواه، كما لو صرَّحَ بذلك بغَيرِ لَفظِ الاستِثناءِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فإنَّ إِبليسَ كانَ مِنْ المَلائِكةِ بدَليلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لم يَأمُرْ بالسُّجودِ غَيرَهم، فلو لم يَكنْ منهم لما كانَ مَأمورًا بالسُّجودِ، ولا عاصيًا بتَركِه، ولا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، ولا قالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ

أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وإذا لم يَكنْ مَأمورًا فلِمَ أنكَسَه اللَّهُ وأهبَطَه ودحَرَه ولم يَأمُرِ اللَّهُ تَعالى بالسُّجودِ إلا المَلائِكةَ؟

فإنْ قالوا: بل قد تَناوَلَ الأمرُ المَلائِكةَ ومَن كانَ معهم فدخَلَ إِبليسُ في الأمرِ لكَونِه معهم، قُلنا: قد سقَطَ استِدلالُكم فإنَّه متى كانَ داخِلًا في المُستَثنى منه مَأمورًا بالسُّجودِ فاستِثناؤُه مِنْ الجِنسِ، وهذا ظاهِرٌ لمَن أنصَفَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فعلى هذا متى قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا» لزِمَه الألفُ وسقَطَ الاستِثناءُ بمَنزِلةِ ما لو قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ لكنْ لي عليه ثَوبٌ» (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيما إذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِه.

فقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ استِثناؤُه ممَّا يَثبُتُ في الذِّمةِ كالمَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ، كقَولِه: «له علَيَّ ألفُ دِرهمٍ إلا كَفَّ حِنطةٍ، وإلا مِئةَ جَوزةٍ» صحَّ الاستِثناءُ، وإنْ كانَ استِثناؤُه ممَّا لا يَثبُتُ في الذِّمةِ إلا قيمَتُه، كالثَّوبِ والعَبدِ، لم يَصِحَّ الاستِثناءُ.

وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يَصحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ الجِنسِ على الإِطلاقِ.

وأمَّا أَحمدُ فظاهِرُ كَلامِه أنَّه لا يَصحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ الجِنسِ على الإِطلاقِ. إلا أنَّ أَصحابَه اختَلَفوا فيما إذا استَثنى عَينًا مِنْ وَرِقٍ أو وَرِقًا من عَينٍ، فقالَ الخِرقيُّ: يَصحُّ. وقالَ أبو بَكرٍ: لا يَصحُّ (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٩٠، ٩١٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٥٣، ١٥٤).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (ويعدل بين الخصمين فى الدخول عليه، والمجلس، والخطاب)

هذا يَفْعلُه لنَفْعِ نفسِه بتَحْصِيلِ الأجرِ، والقُرْبةِ له، والولائمُ يُراعَى فيها حقُّ الدَّاعِى، فيَنْكَسِرُ قلبُ مَن لم يُجِبْه إذا أجابَ غيرَه.

١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، والْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ)

وجملتُه، أنَّ على القاضى العدلَ بين الخَصْمَيْنِ في كلِّ شىءٍ، مِن المَجْلسِ، والخِطابِ، واللَّحْظِ واللَّفظِ ، والدُّخولِ عليه، والإِنْصاتِ إليهما، والاسْتِماعِ منهما. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعيِّ. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. وقد رَوَى عمرُ ابنُ شَبَّةَ، في كتابِ "قُضاةِ البصرةِ" ، بإسْنادِه عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَنْ بُلِىَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِى لَفْظِهِ، وَإشَارَتِهِ ، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَه عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ" . وفى روايةٍ: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ؛ فِى النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالإِشَارَةِ" . وكتبَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، إلى أبي موسى : سَوِّ بينَ الناسِ في مجلِسِك وعدْلِك، حتى لا يَيْأسَ الضَّعِيفُ من عَدْلِك، ولا يَطْمَعَ شريفٌ في حَيْفِك . وقال سَعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، ثنا سَيَّارٌ ، ثنا الشَّعْبِيُّ، قال: كان بين عمرَ بنِ الخطَّابِ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ بِدَارٌ في شىءٍ، فجَعلا بينهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتَياهُ في منزلِه، فقال له عمرُ: أتَيْناكَ لتَحْكُمَ بينَنا، في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ . فوسَّعَ له زيدٌ عن

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 276 - 280

ارجع إلى الركن الرابع: الصيغة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله