الحالة الأولى: استثناء القليل من الكثير

الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الرابع الصيغة > الحالة الأولى: استثناء القليل من الكثير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الحالة الأولى: استثناء القليل من الكثير - الأقوال والأدلة

واحِدةً أو حاشا واحِدةً أو عَدا واحِدةً»، صحَّ استِثناؤُه بهذه الأَلفاظِ كُلِّها، وطُلِّقَت اثنَتَينِ (١).

اتَّفَق الفُقهاءُ على صِحةِ الاستِثناءِ في الإِقرارِ؛ لأنَّه لُغةُ العَربِ ونزَلَ به القُرآنُ كقَولِ الخَليلِ عليه السلام: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].

والاستِثناءُ في الإِقرارِ له أربَعُ حالاتٍ:

الحالةُ الأُولى: استِثناءُ القَليلِ من الكَثيرِ:

اتَّفَق أهلُ العِلمِ على استِثناءِ القَليلِ مِنْ الكَثيرِ، فهو نَحوُ أنْ يَقولَ: «علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا ثَلاثةَ دَراهِمَ» ولا خِلافَ في جَوازِه، ويَلزَمُه سَبعةُ دَراهمَ؛ لأنَّ الاستِثناءَ في الحَقيقةِ تَكلُّمٌ بالباقِي بَعدَ الثُّنيا، كأنَّه قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ سَبعةُ دَراهمَ» إلا أنَّ للسَّبعةِ اسمَينِ، أحَدَهما سَبعةٌ، والآخِرُ عَشرةٌ إلا ثَلاثةً.

قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] مَعناه أنَّه لبِثَ فيهم تِسعَمِئةٍ وخَمسينَ عامًا.

ولقَولِ النَّبيِّ : «إنَّ للهِ تِسعةً وتِسعينَ اسمًا، مِئةً إلا واحِدةً» (٢) فاستَثنَى القَليلَ من الكَثيرِ.

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٨٥).

وكذلك إذا قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ سِوى ثلاثةِ دَراهمَ»؛ لأن «سِوى» من أَلفاظِ الاستِثناءِ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ استِثناءَ الأقَلِّ من جِنسِه بعدَ أنْ يَبقَى الأكثَرُ جائِزٌ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إذا استَثنى الأقَلَّ من الأكثَرِ فلا خِلافَ أعلَمُه أنَّ الاستِثناءَ يَصحُّ ويَسقُطُ المُستَثنى (٣).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه إذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنى الأقَلَّ منه صحَّ استِثناؤُه (٤).

وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: يَصحُّ استِثناءُ الأقَلِّ بلا نِزاعٍ، ولا يَصحُّ استِثناءُ الكُلِّ بلا نِزاعٍ (٥).

وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: لا نِزاعَ في جَوازِ استِثناءِ الأقَلِّ، ولا في مَنعِ استِثناءِ الكُلِّ (٦).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا استِثناءُ بَعضِ ما دخَلَ في المُستَثنى منه فجائِزٌ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناه، فإنَّ ذلك كَلامُ العَربِ وقد جاءَ في

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٠٩)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٣٧).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٥٦).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٠).
(٤) «الإفصاح» (١/ ٤٦٠).
(٥) «شرح الزركشي» (٢/ ١٥٥).
(٦) «شرح الزركشي» (٢/ ٤٧٥).

الكِتابِ والسُّنةِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، وقالَ النَّبيُّ في الشَّهيدِ: «يُكفَّرُ عنه خَطاياه كلُّها إلا الدَّينَ»، وهذا في الكِتابِ والسُّنةِ كَثيرٌ، وفي سائِرِ كَلامِ العَربِ، فإذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنَى منه كانَ مُقِرًّا بالباقِي بَعدَ الاستِثناءِ، فإذا قالَ: «له علَيَّ مِئةٌ إلا عَشرةً» كانَ مُقِرًّا بتِسعينَ؛ لأنَّ الاستِثناءَ يَمنَعُ أن يَدخُلَ في اللَّفطِ ما لَولاه لدَخَل فإنَّه لو دخَلَ لما أمكَنَ إِخراجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرةِ المُستَثناةِ لما قُبِلَ منه إِنكارُها، وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إِخبارٌ بتِسعِمِئةٍ وخَمسينَ، فالاستِثناءُ يُبيِّنُ أنَّ الخَمسينَ المُستَثناةَ غيرُ مُرادةٍ كما أنَّ التَّخصيصَ يُبيِّنُ أنَّ المَخصوصَ غيرُ مُرادٍ باللَّفظِ العامِّ وإنْ قالَ: «إلا ثُلثَها أو رُبعَها» صحَّ وكانَ مُقِرًّا بالباقي بعدَ المُستَثنى، وإنْ قالَ: «هذه الدارُ لزَيدٍ إلا هذا البَيتَ» كانَ مُقِرًّا بما سِوَى البَيتِ منها، وكذلك إنْ قالَ: «هذه الدارُ له وهذا البَيتُ لي»، صحَّ أيضًا؛ لأنَّه في مَعنى الاستِثناءِ لكَونِه أخرَجَ بعضَ ما دَخَل في اللَّفظِ الأوَّلِ بكَلامٍ مُتَّصِلٍ، وإنْ قالَ: «له هَؤلاء العَبيدُ إلا هذا» صَحَّ، وكانَ مُقِرًّا بمَن سِواه منهم، وإنْ قالَ: «واحِدًا» صحَّ؛ لأنَّ الإِقرارَ يَصحُّ مَجهولًا، فكذلك الاستِثناءُ منه، ويُرجَعُ في تَعيينِ المُستَثنى إليه؛ لأنَّ الحُكمَ يَتعلَّقُ بقَولِه، وهو أعلَمُ بمُرادِه بهِ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٩١، ٩٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه، إلا أن يتراضيا

ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ.

١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 268 - 270

ارجع إلى الركن الرابع: الصيغة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله