الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الرابع الصيغة > الحالة الثانية: استثناء الكثير من القليل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: استِثناءُ الكَثيرِ من القَليلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِثناءِ الكَثيرِ مِنْ القَليلِ، كما لو قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا تِسعةً» هل يَصحُّ ويَلزَمُه دِرهَمٌ واحِدٌ أو لا يَصحُّ ويَلزَمُه العَشرةُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ استِثناءُ الأكثَرِ مِنْ الأقَلِّ، فإنْ قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا دِرهمًا» لزِمَه دِرهمٌ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ
مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾
[الحجر: ٣٩ - ٤٢]. فاستَثنى الغاوينَ مِنْ المُخلَصينَ تارةً والمُخلَصينَ مِنْ الغاوينَ أُخرى، وإِحدى الطائِفتَينِ أكثَرُ مِنْ الأُخرى، فدَلَّ على جَوازِ استِثناءِ الأكثَرِ، ولأنَّ استِثناءَ الأكثَرِ مَوجودٌ في كَلامِهم، وظاهِرٌ في أَشعارِهم. قالَ الشاعِرُ:
رُدُّوا التي نقَصَت تِسعينَ عن مِئةٍ ثم ابعَثوا حَكمًا بالحقِّ قَوالا
ولأنَّ الخارِجَ بالاستِثناءِ غيرُ داخِلٍ في اللَّفظِ ولا مُرادٍ به، فاستَوى حُكمُ قَليلِه وكَثيرِه، وإذا كانَ كذلك قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إلا تِسعَمِئةٍ» صَحَّ.
ولأنَّ حَقيقةَ الاستِثناءِ أنْ يَخرُجَ مِنْ الكَلامِ ما لَولاه لوجَبَ تَناوُلُه، هكذا في حَدِّه أهلُ العَربيةِ، ولم يَقصُروا ذلك على أنْ يَكونَ أقَلَّ مما بَقيَ أو أكثَرَ، ولأنَّ الغَرضَ بالاستِثناءِ كأنَّه استِدراكٌ للمُتكلِّمِ على نَفسِه فيما أطلَقَه مِنْ الصِّيغةِ العامةِ، وذلك يَستَوي فيه القَليلُ والكَثيرُ.
ولأنَّ المَنقولَ عن أئِمةِ اللُّغةِ رحمهم الله أنَّ الاستِثناءَ تَكلُّمٌ بالباقي بعدَ الثُّنيا، وهذا المَعنى كما يُوجَدُ في استِثناءِ القَليلِ مِنْ الكَثيرِ يُوجَدُ في استِثناءِ الكَثيرِ مِنْ القَليلِ، إلا أنَّ هذا النَّوعَ مِنْ الاستِثناءِ غيرُ مُستَحسَنٍ عندَ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّهم إنَّما وَضَعوا الاستِثناءَ لحاجَتِهم إلى استِدراكِ الغَلَطِ ومِثلُ هذا الغَلطِ مما يَندُرُ وُقوعُه غايةَ النُّدرةِ فلا حاجةَ إلى استِدراكِه.
لكنْ يَحتمِلُ الوُقوعَ في الجُملةِ فيَصِحُّ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ وعَبدُ المَلِكِ بنُ الماجِشونِ مِنْ أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِثناءُ الأكثَرِ مِنْ الأقَلِّ، ويُؤخَذُ بالكُلِّ، فمَن قالَ: «له علَيَّ عَشرةٌ إلا تِسعةً أو إلا ثَمانيةً أو إلا سِتةً» أُخِذَ بالكُلِّ ويَلزَمُه عَشرةٌ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في لِسانِ العَربِ الاستِثناءُ إلا في الأقَلِّ، وقد أنكَروا استِثناءَ الأكثَرِ، فقالَ أَبو إِسحاقَ الزُّجاجُ: لم يَأتِ الاستِثناءُ إلا في القَليلِ مِنْ الكَثيرِ، ولو قالَ قائِلٌ: «مِئةٌ إلا تِسعةً وتِسعينَ» لم يَكنْ مُتكلِّمًا بالعَرَبيةِ، وكانَ عِيًّا مِنْ الكَلامِ، ولُكْنةً، وقالَ القُتَيبيُّ: يُقالُ: «صُمتُ الشَّهرَ إلا يَومًا»، ولا يُقالُ: «صُمتُ الشَّهرَ إلا تِسعةً وعِشرينَ يَومًا»، ويُقالُ: «لَقيتُ القَومَ جَميعَهم إلا واحِدًا أو اثنَينِ»، ولا يَجوزُ أنْ يَقولَ: «لَقيتُ القَومَ إلا أكثَرَهم»، وإذا لم يَكنْ صَحيحًا في الكَلامِ لم يَرتفِعْ به ما أقَرَّ به كاستِثناءِ الكُلِّ، وكما لو قالَ: «له علَيَّ عَشرةٌ بل خَمسةٌ» (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢١٠)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٣٦، ١٣٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٩٢، ٩٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٠، ٢١)، و «البيان» (١٣/ ٤٥٥)، و «الإفصاح» (١/ ٤٦٠، ٤٦١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢١٠)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٣٦، ١٣٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٩٢، ٩٣)، و «الإفصاح» (١/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «المغني» (٥/ ١٠٢، ١٠٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٣٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه، إلا أن يتراضيا
ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ.
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ)
ارجع إلى الركن الرابع: الصيغة للاطلاع على جميع المسائل.