الإسلام > القضاء والشهادة > الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت > إذا ادعى رجل نكاح امرأة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةوإنْ تَنازَعَ رَجلانِ جِدارًا في عَرصةٍ لأحَدِهما فالقَولُ قَولُ صاحِبِ العَرصةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ ممَّا في مِلكِ الإِنسانِ أنَّه مِلكُه.
وإنْ تَنازَعا عَرصةً، لأحَدِهما عليها جِدارٌ ففيه وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أَبو حامِدٍ:
أحَدُهما: أنَّه لا يُرجَّحُ قَولُ صاحِبِ الجِدارِ، بل يَتحالَفانِ على العَرصةِ، كما قُلنا فيهما إذا تَنازَعا حائِطًا عليه لأحَدِهما جُذوعٌ.
والثانِي: أنَّ القَولَ قَولُ صاحِبِ الجِدارِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَضعُ مِلكَه إلا على مِلكِه؛ لأنَّ أحدًا لم يُجوِّزْ وَضعَ الجِدارِ في عَرصةِ غَيرِه بغَيرِ إذنِه، بخِلافِ الجُذوعِ، وهكذا الوَجهانِ: إذا تَنازَعا عَرصةً، لأحَدِهما فيها نَخلةٌ (١).
إذا ادَّعى رَجلٌ نِكاحَ امرَأةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ادَّعى رَجلٌ نِكاحَ امرَأةٍ وأنكَرَت المَرأةُ هل تُسمعُ دَعواه في ذلك أو لا بدَّ من البَيِّنةِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ لا تُسمَعُ دَعواه حتى يَقولَ: «نَكَحتُها بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ ورِضاها»؛ لأنَّ الناسَ اختَلَفوا في شَرائطِ النِّكاحِ فمنهم مَنْ يَشتَرطُ الوَليَّ والشُّهودَ والمَشهودَ، ومنهم مَنْ لا يَشتَرطُ، ومنهم مَنْ يَشتَرطُ إذْنَ البِكرِ البالِغةِ لأَبيها في تَزويجِها، ومنهم مَنْ لا يَشتَرطُه، وقد يَدَّعي نِكاحًا يَعتقِدُه صَحيحًا
(١) «البيان» (١٣/ ٢٠٦، ٢٠٨).
والحاكِمُ لا يَرى صِحَّتَه ولا يَنبَغي أنْ يُحكَمَ بصِحتِه معَ جَهلِه بها، ولا يَعلَمُ بها، ما لم تُذكَرِ الشُّروطُ وتُقَمِ البَيِّنةُ بها.
وتُفارِقُ المالَ؛ فإنَّ أَسبابَه تَنحَصِرُ وقد يَخفَى على المُدَّعي سَببُ ثُبوتِ حَقِّه، والعُقودُ تَكثُرُ شُروطُها، ولذلك اشتَرَطنا لصِحةِ البَيعِ شُروطًا سَبعةً، وربَّما لا يُحسِنُ المُدَّعي عَدَّها ولا يَعرِفُها، والأَموالُ ممَّا يُتساهَلُ فيها، ولذلك افتَرَقا في اشتِراطِ الوَليِّ والشُّهودِ في عُقودِه، فافتَرَقا في الدَّعوى.
وعَدمُ العِدةِ والرَّدِّ لم يَختلِفِ الناسُ فيهما والأصلُ عَدمُهما ولا تَختلِفُ به الأَغراضُ.
وأمَّا إنِ ادَّعى استِدامةَ الزَّوجيةِ ولم يَدَّعِ العَقدَ لم يَحتَجْ إلى ذِكرِ الشُّروطِ في أحَدِ الوَجهَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ يَثبُتُ في الاستِفاضةِ، ولو اشتَرطَ ذِكرَ الشُّروطِ لاشتُرطَت الشَّهادةُ به ولا يُلزِمُ ذلك شَهادةَ الاستِفاضةِ.
وفي الثانِي: يَحتاجُ إلى ذِكرِ الشُّروطِ؛ لأنَّه دَعوى نِكاحٍ فأشبَهَ دَعوى العَقدِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ سُمعَت دَعواه ولا يَجبُ عليه ذِكرُ أنَّه نَكَحها بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ ورِضاها؛ لأنَّها دَعوى مِلكٍ فلم يَفتقِرْ إلى ذِكرِ سَببِه كدَعوى المالِ ولأنَّه لمَّا لم يَفتقِرْ في الدَّعوى في النِّكاحِ إلى أنَّها خاليةٌ من العِدةِ والإِحرامِ
(١) «البيان» (١٣/ ١٥٥، ١٥٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٩٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٧١، ٧٢)، و «المغني» (١٠/ ٢٤٢).
والرِّدةِ، لم يَفتقِرْ إلى ذِكرِ الوَليِّ والشاهِدَينِ والرِّضا؛ لأنَّ الجَميعَ شَرطٌ في صِحةِ النِّكاحِ (١).
فعلى هذا إذا ادَّعى عليها النِّكاحَ وأنكَرَته لا يُقبلُ قَولُه حتى يأتِيَ بشاهِدَينِ على النِّكاحِ، ولا يَمينَ له عليها عندَ الإمامِ أَبي حَنيفةَ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ، ولا تُحبَسُ ولا يَثبُتُ نِكاحٌ إلا بشاهِدَينِ ولا يَثبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ -والصاحِبانِ من الحَنفيةِ والفَتوى على قَولِهما- والحَنابِلةُ في احتِمالٍ: إنِ ادَّعى عليها النِّكاحَ وأنكَرَته ولا بيِّنةَ، كانَ القَولُ قَولَها معَ يَمينِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٣).
قالَ الشافِعيةُ: فإنْ حلَفَت له سقَطَت دَعواه، وإنْ نَكَلت رَدَّت اليَمينَ عليه، فإذا حلَفَ ثبَتَ النِّكاحُ (٤).
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩٥، ٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٤١٧، ٤١٨)، و «تَهذيب المدونة» (١/ ٣٥٩)، و «الذخيرة» (١١/ ٦، ٧)، و «البيان والتحصيل» (٥/ ٨٤).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩٥، ٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٤١٧، ٤١٨)، و «فتاوى قاضي خان» (٢/ ٢١٥)، و «تهذيب المدونة» (١/ ٣٥٩)، و «البيان والتحصيل» (٥/ ٨٤)، و «المغني» (١٠/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
(٤) «البيان» (١٣/ ١٥٦، ١٥٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩٥، ٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٤١٧، ٤١٨)، و «المغني» (١٠/ ٢٤١، ٢٤٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة
كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.
ارجع إلى الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت للاطلاع على جميع المسائل.