إذا تنازع اثنان في جدار بينهما لأحدهما عليه خشب والآخر لا شيء له

الإسلام > القضاء والشهادة > الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت > إذا تنازع اثنان في جدار بينهما لأحدهما عليه خشب والآخر لا شيء له

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

إذا تنازع اثنان في جدار بينهما لأحدهما عليه خشب والآخر لا شيء له - الأقوال والأدلة

جَعلُ وَجهِ الحائِطِ إلى خارِجٍ ليَراه الناسُ كما يَلبَسُ الرَّجلُ أحسَنَ أثوابِه ويَجعَلُ أعلَاها الظاهِرَ للناسِ ليَرَوْه فيَتزيَّنُ به فلا دَليلَ فيه.

فَصلٌ: ولا تُرجَّحُ الدَّعوى بالتَّزويقِ والتَّحسينِ ولا بكَونِ أحَدِهما له على الآجُرِّ سُترةٌ غيرُ مَبنيةٍ عليه؛ لأنَّه ممَّا يُتسامَحُ به، ويُمكِنُ إِحداثُه (١).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيما إذا تَنازَعَ نَفسانِ في جِدارٍ بَينَ دارٍ لهما هل يُحكَمُ به منها لمَن إليه الدَّواخِلُ والخَوارِجُ، وهو صِحاحُ الآجُرِّ ومَعاقِدُ القُمُطِ أو لا؟

فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَحمدُ: لا يُحكَمُ بذلك، ويَكونُ بينَهما.

وقالَ مالِكٌ: إذا كانَ لأحَدِهما تأثيرٌ يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه فَعَله المالِكُ حُكمَ له به معَ يَمينِه، وذلك كمَعاقِدِ القُمُطِ والرُّبُطِ ووُجوهِ الآجُرِّ (٢).

إذا تَنازَعَ اثنانِ في جِدارٍ بينَهما لأحَدِهما عليه خَشَبٌ والآخَرُ لا شَيءَ له:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَنازَعَ نَفسانِ في جِدارٍ بينَ دارٍ لهما، وكانَ لأحَدِهما عليه خَشبٌ أو جُذوعٌ دونَ الآخَرِ لمَن يُحكَمُ؟

قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيما إذا تَنازَعَ رَجلانِ جِدارًا بينَ دارَينِ لأحَدِهما عليه جُذوعٌ هل يُحكَمُ به لمَن له عليه الجُذوعُ أو يَكونُ بينَهما.

(١) «المغني» (٤/ ٣٢٨، ٣٢٩).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٣١، ٤٣٢).

فقالَ أَبو حَنيفةَ: إنْ كانَ عليه ثَلاثةُ جُذوعٍ فصاعِدًا، أو جِذعانِ رُجِّحَت دَعواه بذلك وقُضيَ له به، وإنْ كانَ له عليه جِذعٌ واحِدٌ لم يُرجَّحْ، وهو بينَهما.

وقالَ مالِكٌ: يُرجَّحُ دَعوى صاحِبِ الخَشبِ ويُقضَى له به سَواءٌ كانَ قَليلًا أو كَثيرًا، ولو كانَ له جِذعٌ واحِدٌ رُجِّحَت دَعواه.

وقالَ الشافِعيُّ وأَحمدُ: لا تَأثيرَ لصاحِبِ الخُشبِ ولا تُرجَّحُ دَعواه على الإِطلاقِ، ويَكونُ الحائِطُ بينَهما مُناصَفةً (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا تَداعَى نَفسانِ جِدارًا مَعقودًا ببِناءِ كلِّ واحِدٍ منهما، تَحالَفا، وكان بَينَهما، وكذلك إنْ كانَ مَحلولًا من بِنائِهما، وإنْ كانَ مَعقودًا ببِناءِ أحَدِهما كانَ له معَ يَمينِه.

وجُملةُ ذلك أنَّ الرَّجلَينِ إذا تَداعَيا حائِطًا بينَ مِلكَيهما وتَساوَيا في كَونِه مَعقودًا ببِنائِهما معًا وهو أنْ يَكونَ مُتَّصِلًا بهما اتِّصالًا لا يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ بِناءِ الحائِطِ مِثلَ اتِّصالِ البِناءِ بالطِّينِ كهذه الحَظائِرِ التي لا يُمكِنُ إِحداثُ اتِّصالِ بَعضِها ببَعضٍ أو تَساوَيا في كَونِه مَحلولًا من بِنائِهما أو غيرَ مُتَّصِلٍ ببِنائِهما الاتِّصالَ المَذكورَ، بل بينَهما شَقٌّ مُستَطيلٌ، كما يَكونُ بينَ الحائِطَينِ اللذَينِ أُلصِقَ أحَدُهما بالآخَرِ فهما سَواءٌ في الدَّعوى.

فإنْ لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَحالَفا فيَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على نِصفِ الحائِطِ أنَّه له، ويُجعَلُ بينَهما نِصفَينِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدُه على نِصفِ الحائِطِ لكَونِ الحائِطِ في أيدِيهما.

(١) «الإفصاح» (١/ ٤٣٢).

وإنْ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما على جَميعِ الحائِطِ أنَّه له، وما هو لصاحِبِه جازَ، وهو بينَهما، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، وذلك لأنَّ المُختلِفَينِ في العَينِ إذا لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ مَنْ هي في يَدِه معَ يَمينِه.

فإذا كانَت في أيدِيهما كانَت يدُ كُلِّ واحِدٍ منهما على نِصفِها، فيَكونُ القَولُ قَولَه في نِصفِه معَ يَمينِه، وإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ حُكِمَ له بها، وإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَعارَضَتا وصارا كمَن لا بيِّنةَ لهما؛ فإنْ لم يَكنْ لهما بيِّنةٌ ونَكَلا عن اليَمينِ كانَ الحائِطُ في أيدِيهما على ما كانَ، وإنْ حلَفَ أحَدُهما ونكَلَ الآخَرُ قُضيَ على الناكِلِ فكانَ الكلُّ للآخَرِ.

وإنْ كانَ الحائِطُ مُتَّصِلًا ببِناءِ أحَدِهما دونَ الآخَرِ فهو له معَ يَمينِه، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.

وقالَ أَبو ثَورٍ: لا يَرجِعُ بالعَقدِ ولا يُنظَرُ إليه.

ولنا أنَّ الظاهِرَ أنَّ هذا البِناءَ بُنيَ كلُّه بِناءً واحِدًا فإذا كانَ بَعضُه لرَجلٍ كانَ بَقيَّتُه له، والبِناءُ الآخَرُ المَحلولُ الظاهِرُ أنَّه بُنيَ وَحدَه؛ فإنَّه لو بُنيَ معَ هذا كانَ مُتَّصلًا به، فالظاهِرُ أنَّه لغَيرِ صاحِبِ هذا الحائِطِ المُختلَفِ فيه، فوجَبَ أنْ يُرجَّحَ بهذا كاليَدِ والأزَجِ.

فإنْ قيلَ: فلِمَ لم تَجعَلوه له بغَيرِ يَمينٍ لذلك؟

قُلنا: لأنَّ ذلك ظاهِرٌ وليسَ بيَقينٍ إذْ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ أحَدُهما بَنى الحائِطَ لصاحِبِه تبَرُّعًا معَ حائِطِه أو كانَ له، فوَهَبه إِياه أو بَناه بأُجرةٍ،

فشُرعَت اليَمينُ من أجْلِ الاحتِمالِ كما شُرعَت في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ وسائِرِ مَنْ وجَبَت عليه اليَمينُ.

فأمَّا إنْ كانَ مَعقودًا ببِناءِ أحَدِهما عَقدًا يُمكِنُ إِحداثُه، مِثلَ البِناءِ باللَّبِنِ والآجُرِّ؛ فإنَّه يُمكِنُ أنْ يُنزَعَ من الحائِطِ المَبنيِّ نِصفُ لَبِنةٍ أو آجُرَّةٍ أو يُجعَلَ مَكانَها لَبِنةٌ صَحيحةٌ أو آجُرَّةٌ صَحيحةٌ تُعقدُ بينَ الحائِطَينِ، فقالَ القاضِي: لا يُرجَّحُ بهذا الاحتِمالِ أنْ يَكونَ صاحِبُ الحائِطِ فعَلَ هذا ليَتملَّكَ الحائِطَ المُشتَركَ.

وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّه يُرجَّحُ بهذا الاتِّصالِ كما يُرجَّحُ بالاتِّصالِ الذي لا يُمكِنُ إِحداثُه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ صاحِبَ الحائِطِ لا يَدعُ غَيرَه يَتصرَّفُ فيه بنَزعِ آجُرِّه وتَغييرِ بِنائِه وفِعلِ ما يَدلُّ على مِلكِه، فوجَبَ أنْ يُرجَّحَ بهذا كما يُرجَّحُ باليَدِ؛ فإنَّه يُمكِنُ أنْ تَكونَ يَدًا عاديةً حدَثَت بالغَصبِ أو بالسَّرِقةِ أو العاريةِ، أو الإِجارةِ، فلم يَمنَعْ ذلك التَّرجيحَ بها.

فَصلٌ: فإنْ كانَ لأحَدِهما عليه بِناءٌ كحائِطٍ مَبنيٍّ عليه أو عَقدٍ مُعتمَدٍ عليه أو قُبةٍ ونَحوِها فهو له، وبهذا قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّ وَضعَ بِنائِه بمَنزِلةِ اليَدِ الثابِتةِ عليه؛ لكَونِه مُنتفَعًا به فجَرى مَجرى كَونِ حَملِه على البَهيمةِ وزَرعِه في الأرضِ، ولأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانَ لا يَتركُ غَيرَه يَبني على حائِطِه.

وكذلك إنْ كانَت له عليه سُترةٌ ولو كانَ في أصلِ الحائِطِ خَشبةٌ طَرفُها تحتَ حائِطٍ يَنفَرِدُ به أحَدُهما أو له عليها أزَجٌ مَعقودٌ فالحائِطُ المُختلَفُ فيه له؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الخَشبةَ لمَن يَنفرِدُ بوَضعِ بِنائِه عليها فيَكونُ الظاهِرُ أنَّ ما عليها من البِناءِ له.

فَصلٌ: فإنْ كانَ لأحَدِهما خَشبٌ مَوضوعٌ فقالَ أَصحابُنا: لا تَترجَّحُ دَعواه بذلك، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ هذا ممَّا يَسمَحُ به الجارُ، وقد ورَدَ الخَبَرُ بالنَّهيِ عن المَنعِ منه، وعندَنا أنَّه حَقٌّ يَجبُ التَّمكينُ منه، فلم تَرجُحْ به الدَّعوى، كإِسنادِ مَتاعِه إليه وتَجصيصِه وتَزويقِه ويَحتمِلُ أنْ تَرجُحَ به الدَّعوى وهو قَولُ مالِكٍ؛ لأنَّه مُنتفِعٌ به بوَضعِ مالِه عليه، فأشبَهَ البانِيَ عليه، والزارِعَ في الأرضِ، وورُودُ الشَّرعِ بالنَّهيِ عن المَنعِ منه لا يَمنَعُ كَونَه دَليلًا على الاستِحقاقِ بدَليلِ أنَّ استِدلالَنا بوَضعِه على كَونِ الوَضعِ مُستحَقًّا على الدَّوامِ حتى متى زالَ جازَت إِعادتُه، ولأنَّ كَونَه مُستحَقًّا تُشتَرطُ له الحاجةُ إلى وَضعِه ففيما لا حاجةَ إليه له مَنعُه من وَضعِه.

وأمَّا السَّماحُ به فإنَّ أكثَرَ الناسِ لا يَتسامَحونَ به، ولهذا لمَّا رَوى أَبو هُرَيرةَ الحَديثَ عن النَّبيِّ طأطَؤوا رُؤوسَهم كَراهةً لذلك، فقالَ: «ما لي أرَاكم عنها مُعرِضينَ، واللهِ لَأرميَنَّ بها بينَ أَكتافِكم». وأكثَرُ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ التَّمكينَ من هذا، ويَحمِلونَ الحَديثَ على كَراهةِ المَنعِ لا على تَحريمِه، ولأنَّ الحائِطَ يُبنَى لذلك فيُرجَّحُ به كالأزَجِ.

وقالَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ: لا تُرجَّحُ الدَّعوى بالجِذعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الحائِطَ لا يُبنَى له، ويُرجَّحُ بالجِذعَينِ؛ لأنَّ الحائِطَ يُبنَى بهما.

ولنا: أنَّه مَوضوعٌ على الحائِطِ فاستَوى في تَرجيحِ الدَّعوَى به قَليلُه وكَثيرُه كالبِناءِ (١).

(١) «المغني» (٤/ ٢٣٧، ٢٣٨).

وقالَ الإمامُ القاضِي عبدُ الوَهَّابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: إذا تَنازَعا جِدارًا لأحَدِهما عليه خَشبٌ والآخَرُ لا شَيءَ له عليه يَجري مَجراه، حُكِمَ به لصاحِبِ الخَشَبِ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا.

وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا كانَ الخَشبُ عِدةَ جُذوعٍ حُكمَ له به، وإنْ كانَ الجِذعَ والاثنَينِ فلا.

وقالَ الشافِعيُّ: لا يُحكَمُ به لصاحِبِ الخَشبِ.

فدَليلُنا على الشافِعيِّ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، والعُرفُ جارٍ على أنَّ الإِنسانَ إذا كانَ له على حائِطٍ خَشبٌ وجُذوعٌ؛ فإنَّه وضَعَه على سَطحِه؛ لأنَّ غالِبَ تَصرُّفِ الناسِ أنْ يَكونَ في أملاكِهم؛ ولأنَّ وَضعَ الجُذوعِ على الحائِطِ يَدٌ، وتَصرُّفٌ، فوجَبَ أنْ يُقدَّمَ به دَعوى مُدَّعي الحائِطِ كما لو تَنازَعا دارًا في يَدِ أحَدِهما؛ ولأنَّهما لو تَنازَعا عَرصةً لأحَدِهما فيها حائِطٌ لَحُكمَ بها لصاحِبِ الحائِطِ ولا فَرقَ بينَ ذلك وبينَ الجُذوعِ (١).

وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: (إذا تَداعى رَجلانِ جِدارًا بينَ دارَيهما؛ فإنْ كانَ مُتَّصِلًا ببِناءِ أحَدِهما اتِّصالَ البُنيانِ الذي لا يَحدُثُ إلا مِنْ أوَّلِ البِناءِ جعَلتُه له دونَ المُنقطِعِ منه).

وجُملةُ ذلك أنَّ الرَّجلَينِ إذا تَنازَعا في جِدارٍ بينَ مِلكَيْهما، وادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مِلكُه؛ فإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ قُضيَ لصاحِبِ البَيِّنةِ. وإنْ لم يَكنْ لأحَدِهما بيِّنةٌ نُظرَت: فإنْ كانَ لأحَدِهما عليه بِناءٌ لا

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٩، ٥٠)، رقم (٩١٠).

يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ كَمالِ البِناءِ؛ بأنْ كانَ له عليه أو فيه أزَجٌ مَعقودٌ، فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الأزَجِ معَ يَمينِه.

قالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: لأنَّ جِدارَ الأزَجِ يَبتَدِئُ أولًا بالاعوِجاجِ أو بالاستِواءِ ثم يَعوَجُّ عن قَليلٍ، وإنَّما حَلَّفناه لجَوازِ أنْ يَكونا قد اشتَرَكا في بِناءِ الأَساسِ، ثم عقَدَ أحَدُهما الأزَجَ عليه بإذنِ صاحِبِه. قالَ ابنُ الصَّباغِ: فإنْ كانَ مَبنيًّا على تَربيعِ بِناءِ أحَدِهما مُتَّصِلًا به مُساوِيًا له في السُّمكِ دونَ الآخَرِ فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه له. قالَ أَبو إِسحاقَ المَروزيُّ: وإنْ كانَ الجِدارُ خَمسةَ عَشَرَ ذِراعًا، وعَشرةٌ منه بينَ دارَيهما، ولأحَدِهما خَمسةُ أذرُعٍ مُتَّصِلةٍ بالعَشرةِ، ثم تَنازَعا في العَشرةِ فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الخَمسةِ معَ يَمينِه في العَشرةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إِحداثُ ما يَنفرِدُ به دونَ الذي تَنازَعا فيه، فعُلمَ أنَّ الجَميعَ له، كما لو كانَ لأحَدِهما عليه أزَجٌ.

وقالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: وهذا غَلَطٌ لا يَجيءُ على المَذهبِ؛ لأنَّ انفِرادَه ببَعضِ الحائِطِ لا يَدلُّ على أنَّ جَميعَ الحائِطِ له؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَكونا قد اشتَرَكا في البِناءِ الذي بينَهما وانفَرَد صاحِبُ الزِّيادةِ ببِنائِها، ويُخالِفُ إذا كانَ لأحَدِهما عليه أزَجٌ؛ لأنَّ الأزَجَ مَوضوعٌ على الجِدارِ، فالظاهِرُ أنَّه وضَعَها في مِلكِه.

فإنْ كانَ الحائِطُ على خَشبةٍ طَويلةٍ، فأقَرَّ أحَدُهما لصاحِبِه بالخَشبةِ الطَّويلةِ وتَنازَعا في الحائِطِ، أو تَنازَعا في الخَشبةِ والحائِطِ، وقامَت لأحَدِهما بيِّنةٌ بالخَشبةِ، أو كانَ بعضُ الخَشبةِ في مِلكِ أحَدِهما فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الخَشبةِ -أو مَنْ بَعضُها في مِلكِه- معَ يَمينِه في الحائِطِ؛ لأنَّها لا

تَتبعَّضُ، فإذا حُكمَ له ببَعضِها حُكمَ له بجَميعِها، وحُكمَ له بالحائِطِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه وضَعَ مِلكَه على مِلكِه.

وإنْ كانَ الجِدارُ غيرَ مُتَّصلٍ ببِناءِ أحَدِهما، وإنَّما هو حاجِزٌ زُجَّ بينَ مِلكَيهما، ويَداهما عليه، أو لا يدَ لأحَدِهما عليه ولا بيِّنةَ لأحَدِهما، حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما، فإنْ حَلَفا أو نَكَلا قُسمَ بينَهما، وإنْ حلَفَ أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ كانَ الجَميعُ للحالِفِ. وهكذا إذا كانَ مُتَّصلًا ببِنائِهما. ولا تُرجَّحُ دَعوى مَنْ إليه داخِلُ الحائِطِ أو خارِجهُ، ولا مَنْ إليه مَعاقِدُ القُمُطِ؛ وهو: مَشادُّ خُيوطِ الخُصِّ. وبه قالَ أَبو حَنيفةَ.

وقالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ: (يُحكَمُ به لمَن إليه وَجهُ الحائِطِ ومَعاقِدُ القُمُطِ).

ودَليلُنا: أنَّ مَنْ إليه ذلك لا يَدلُّ على أنَّ له مِلكَ الحائِطِ، فلم يُرجَّحْ به دَعوى مَنْ هي إليه، كما لو كانَ إلى أحَدِهما النُّقوشُ والتَّجصيصُ.

وكذلك: إذا كانَ لأحَدِهما على الحائِطِ تَجصيصٌ أو نُقوشٌ؛ فإنَّه لا يُحكَمُ له بالحائِطِ بذلك؛ لأنَّه يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ كَمالِ البِناءِ. وإنْ كانَ عليه لأحَدِهما جِذعٌ أو جُذوعٌ لم تُرجَّحْ بذلك دَعواه.

وقالَ مالِكٌ: (إذا كانَ لأحَدِهما جِذعٌ رُجِّحَت دَعواه، فيَحلِفُ على الحائِطِ أنَّه له).

وقالَ أَبو حَنيفةَ: (يُرجَّحُ بجِذعَينِ فما زادَ، ولا يُرجَّحُ بدونِ الجِذعَينِ).

دَليلُنا: أنَّ وَضعَ الجِذعِ مَعنًى حادِثٌ بعدَ تَمامِ الحائِطِ، فلم تُرجَّحْ به الدَّعوى، كالتَّجصيصِ والتَّزويقِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (ويعدل بين الخصمين فى الدخول عليه، والمجلس، والخطاب)

هذا يَفْعلُه لنَفْعِ نفسِه بتَحْصِيلِ الأجرِ، والقُرْبةِ له، والولائمُ يُراعَى فيها حقُّ الدَّاعِى، فيَنْكَسِرُ قلبُ مَن لم يُجِبْه إذا أجابَ غيرَه.

١٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، والْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ)

وجملتُه، أنَّ على القاضى العدلَ بين الخَصْمَيْنِ في كلِّ شىءٍ، مِن المَجْلسِ، والخِطابِ، واللَّحْظِ واللَّفظِ ، والدُّخولِ عليه، والإِنْصاتِ إليهما، والاسْتِماعِ منهما. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعيِّ. ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. وقد رَوَى عمرُ ابنُ شَبَّةَ، في كتابِ "قُضاةِ البصرةِ" ، بإسْنادِه عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَنْ بُلِىَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِى لَفْظِهِ، وَإشَارَتِهِ ، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَه عَلَى أَحَدِ الخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ" . وفى روايةٍ: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ؛ فِى النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالإِشَارَةِ" . وكتبَ عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، إلى أبي موسى : سَوِّ بينَ الناسِ في مجلِسِك وعدْلِك، حتى لا يَيْأسَ الضَّعِيفُ من عَدْلِك، ولا يَطْمَعَ شريفٌ في حَيْفِك . وقال سَعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، ثنا سَيَّارٌ ، ثنا الشَّعْبِيُّ، قال: كان بين عمرَ بنِ الخطَّابِ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ بِدَارٌ في شىءٍ، فجَعلا بينهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتَياهُ في منزلِه، فقال له عمرُ: أتَيْناكَ لتَحْكُمَ بينَنا، في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ . فوسَّعَ له زيدٌ عن

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 199 - 206

ارجع إلى الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله